د. بولا أبي حنا

حين تصبح الفدرالية سبيلًا للبقاء: لبنان الرسالة في مواجهة الدولة العميقة

7 دقائق للقراءة

الاضطراب السياسي في لبنان ليس ظاهرة جديدة، بالنظر إلى التداخل العميق بين الهويّات الدينية والسياسية في البلاد. فالأزمات السياسية متكررة في المشهد اللبناني، إلا أن الفاعلين الأساسيين يظلون غالبًا أنفسهم. وعلى مدى أكثر من قرن، لعب المسيحيون دورًا بارزًا في ترتيبات تقاسم السلطة، غير أن تأثيرهم تراجع نتيجة التحولات الديموغرافية والتغيرات السياسية، لاسيما اتفاق الطائف عام 1989 الذي خفّض من تمثيلهم السياسي. وقد ساهم صعود الشيعة، كما تجلّى في اتفاق الدوحة عام 2008، في تشكيل توازن قوى جديد بين السنّة والشيعة. تكمن المسألة الجوهرية في مدى قدرة النظام الدستوري والسياسي اللبناني على إدارة تنوعه المجتمعي بفعالية.



يرتكز جوهر الدولة اللبنانية على مبدأ تعايش الطوائف الدينية المختلفة ضمن كيان سياسي موحّد، وهو ما تم تكريسه منذ تأسيس دولة لبنان الكبير عام 1920. غير أنّ الإنقسامات التاريخية لا تزال قائمة، إذ لطالما شدّد المسيحيون على الهوية اللبنانية المستقلة، بينما عبّر المسلمون عن تطلعهم إلى الانتماء الأوسع للعالم العربي.



منذ عام 1926، اعترف الدستور اللبناني بالتمثيل الطائفي في المادة 95، إلا أن هذا الترتيب كان من المفترض أن يكون مؤقتًا في طريق إلغاء الطائفية. إلا أن هذا النهج لم ينجح في تعزيز المساواة والوحدة الوطنية. كما أن الميثاق الوطني لعام 1943، الذي أُبرم بين نخب السنّة والموارنة، سعى إلى الحفاظ على حياد لبنان، لكنه رسّخ نموذجًا دستوريًا وحدويًا يفتقر إلى المرونة.


إنّ المشهد السياسي اللبناني، الذي يتّسم بنظام قائم على المحاصصة الطائفية ودستور وحدوي، يواجه سلسلة من التحديات المعقدة منها النسيج الثقافي المتنوع حيث تحتضن البلاد مزيجًا غنيًا من الثقافات لكل منها هويتها الخاصة التي غالبًا ما تتصادم مع غيرها: منها الاستقلال الطائفي حيث تمارس الطوائف الدينية سيطرة كبيرة على التعليم والأحوال الشخصية، مما يؤدي إلى تباين في الأنظمة القانونية والتعليمية بين المجتمعات. ومنها السياسة الطائفيةحيث تُوزّع السلطة في النظام السياسي بناءً على الانتماء الديني، ما يعمّق الانقسامات ويُضعف إمكانيات التعاون والوحدة الوطنية.



وقد تغيّر هذا المشهد بعد اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005، والذي مثّل لحظة تمكين للسنّة. ومع ذلك، ما تزال الإشكاليات قائمة نتيجة عدم كفاية النظام الدستوري والسياسي اللبناني في إدارة التعددية. فالنموذج الوحدوي في الحكم يواجه صعوبات بالغة في معالجة هذه التعقيدات. لقد حاول اتفاق الطائف عام 1989، المعروف أيضًا بوثيقة الوفاق الوطني، تعزيز الوحدة الوطنية من خلال اللامركزية الإدارية بدلًا من الفدرالية، إلا أنه انتهك الحقوق الثقافية. كما أن غياب الهوية الوطنية الجامعة يُصعّب عملية المصالحة.



إذا نظرنا إلى تاريخ لبنان حتى اليوم، نلاحظ أنه يعيش حالة دائمة من التقلّب والتخبّط أي أنّ النظام السياسي القائم لم ينجح وجليّاً أنّه لن ينجح في إرساء الاستقرار. فما الحل؟



طرح مونتسكيو في كتابه "روح الشرائع" 1748 أول تصور للفدرالية في العصر السياسي الحديث. في لبنان، وفي ظل تراكم الأزمات وتراجع فعالية النموذج المركزي، أصبح من الضروري التفكير في صيغ حكم بديلة. وتُعد الفدرالية، التي طُبّقت بشكل جزئي خلال المرحلة العثمانية، طرحًا جديًا قد يحمل في طياته مخرجًا واقعيًا من دوامة الانقسام والفشل الهيكلي؛ فهي تضمن الحكم الذاتي وتحمي حقوق الأقليات لكنها تواجه معارضة سياسية تمنع تنفيذها. من ناحية أخرى، ومن التحديات الأساسية المرتبطة بتطبيق الفدرالية، مبدأ الحياد. فالوصول إلى الحياد يبدو أمرًا شبه مستحيل ضمن الديناميات الداخلية اللبنانية، ويتطلّب الأمر اتفاقًا دوليًا يضمن تطبيقه على غرار اتفاق القوى الأوروبية عام 1861 حول حكم جبل لبنان الذاتي. باستطاعة الفدراليّة أن تشجع التحالفات السياسية ضمن الطوائف نفسها بدلًا من تحالفات عابرة للطوائف، ما يتيح تمثيلًا أكثر صدقًا ويعزز بالتالي مفهوم الديمقراطية. كما أنّ الفدرالية تُراعي الخصوصيات المحلية، بما يسمح بتطبيق الشريعة الإسلامية في الكانتونات ذات الغالبية المسلمة، من دون المساس بحقوق الأقليات المسيحية، التي تُصان بموجب ضوابط قانونية ودستورية واضحة. في حين تبقى شؤون الأمن والتعليم والخدمات العامة تحت مسؤولية الحكومة الفدرالية، فإن شؤون الدفاع والسياسة الخارجية والنقدية تُدار مركزيًا. من هنا نرى أنّ الفدرالية لا تعني التفكك أو التخلي عن الأقليات، بل هي سبيل نحو الوحدة والتعاون.



من شأن الفدرالية أن تُحدث تحولًا في فهم الديمقراطية: فالنموذج التوافقي المعتمد في لبنان، القائم على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"، أثبت فشله. فمفهوم الديمقراطية يجب أن يكون مبني على علاقة حضارية بين الأكثرية والأقلية حيث تمنح الأغلبية حق الحكم وتشكيل السياسات، لكنها تضمن في الوقت نفسه حماية الأقلية من التهميش والاستبداد. ومن هنا، يمكن للفدرالية أن توفر توازنًا حقيقيًا وتمنع التحالفات الطائفية، وتعزز المساءلة السياسية و تُبعِدنا بالتالي عن الهرطقة في تطبيق مفهوم الديمقراطية في لبنان تحت مُسمّى الديمقراطية التوافقيّة Consociational democracy.


لا بد من التساؤل، عند التعمق في امكانية تطبيق مفهوم الفدرالية في لبنان، عما إذا كان هذا التصور السياسي يتماشى مع كلمات البابا يوحنا بولس الثاني التي وجهها إلى الأساقفة الكاثوليك في لبنان في 7 أيلول 1989حيث قال: "لبنان، ليس مجرد وطن بل هو رسالة حرية ونموذج تعددية للشرق كما للغرب". فانطلاقًا من كلام البابا يوحنا بولس الثاني عن لبنان بوصفه "رسالة"، يُطرح تساؤل مشروع: هل تُختزل هذه الرسالة بالعيش المشترك وفق نموذج مركزي، أم أن الفدرالية، بما تتيحه من ضمانات للخصوصيات، يمكن أن تُجسّد هذه الرسالة بصورة أعمق؟ وبالتالي، ما هي المعايير الموضوعية التي يُفترض أخذها في الاعتبار لتقييم مدى انسجام الفدرالية مع هذه الرؤية؟



تُبرز كلمات البابا مكانة لبنان التاريخية كمثال حي على التعايش والتنوع الديني والثقافي في منطقة غالبًا ما تتسم بالصراعات والتجانس القسري. وبالتالي، لا ينبغي أن يُنظر إلى الفدرالية، إذا ما أُحسن تطبيقها على أنها متعارضة مع هذه الرسالة بل على العكس قد تعزّز قدرة لبنان على الحفاظ على طابعه التعددي وتعايش مكوناته ضمن كيان سياسي موحد.



من خلال نقل الصلاحيات من المركز إلى الأطراف، يمكن للفدرالية أن تمنح المجتمعات المحلية والطوائف الدينية دورًا أكبر في إدارة شؤونها، مما يؤدي إلى توزيع أكثر عدالة للموارد والفرص، وهو أمر بالغ الأهمية للحفاظ على الطابع التعددي للبنان. كما أن للفدرالية القدرة على التخفيف من حدة التوترات الطائفية المزمنة؛ إنّ النظام الفدرالي بإمكانه أن يشجّع، إذا ما طُبّق بشكلٍ مدروس، على تشكيل التحالفات السياسية ضمن الطوائف، مما يقلل من الانقسامات، ويعزز روح الانتماء الوطني. لكن نجاح الفدرالية في لبنان مرهونبآليّة التنفيذ. "فالشيطانيكمن في التفاصيل"، ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار النسيج الإجتماعي الفريد للبنان وسياقه التاريخي. ولكي تتماشى الفدرالية مع رؤية البابا يوحنا بولس الثاني، ينبغي أن تُصمم لحماية حقوق جميع الطوائف الدينية وضمان تمثيلها.



يقف لبنان اليوم عند مفترق طرق تاريخي، في مواجهة تحديات جسيمة تتطلب حلولًا جذرية وإبتكاريّة في الحوكمة. وبينما تُعدّ اللامركزية خطوة إيجابية، تبقى الفدرالية الحل الأشمل والأكثر إستدامة، فهي توفر إطارًا منظّمًا لتقاسم السلطة بين الطوائف، وتعزز التمثيل والمساءلة، وتمنح مرونة في الإدارة لتتناسب مع الخصوصيات المحلية، وتساعد في حماية الحياد. أما إذا تعذّر تحقيق الفدرالية، فإن اللجوء إلى اللامركزية الموسّعة يبقى خيارًا أفضل من الواقع القائم، ويبدأ ذلك بمنح البلديات صلاحيات واسعة لتكون وحدات حكم فعّالة إضافة إلى تشكيل اتحادات بلديّات ذات قدرات مالية وإدارية موسّعة، خصوصًا في المناطق الصغيرة. على الرغم من غياب تشريعات واضحة، بدأت جهات أكاديمية ومنظمات غير حكوميّة في لبنان بدراسات جدّية حول هذا الموضوع. ومن خلال تمكين البلديات بهذا الشكل، يمكن بلوغ لامركزية إدارية ومالية حقيقية، ولا سيّما إذا ظلّ تطبيق الفدرالية، التي أعدّها الحلّ الأمثل، أمرًا صعب المنال.




 أستاذة جامعية