بتاريخ 8 شباط 2025، أبصرت حكومة الرئيس نواف سلام النور بعد ثلاثة أسابيع من المشاورات وشد الحبال، وقد تعهّد سلام بأن تكون أولويات حكومته الشروع بإصلاحات مالية واقتصادية طال انتظارها، وإعادة إعمار ما تهدّم جراء الحرب، فضلاً عن تنفيذ قرار مجلس الأمن 1701 القاضي بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية واستكمال بسط سيادة الجيش على كامل الأراضي اللبنانية. هذا التعهّد الأخير شكّل رسالة تطمين دولية بأن العهد الجديد جادّ في معالجة مسألة سلاح الحزب الشائكة.
رغم الدعم الأميركي القوي للرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة، اضطرت القيادة الجديدة (من منظورهم) إلى موازنة واحتواء غضب الثنائي الشيعي ("حزب الله" وحركة أمل) الذي خرج منهكاً ومكسوراً من الحرب. ساد آنذاك ما منطق "الفريق الشيعي المجروح" والقائل بضرورة مراعاة خواطر الطائفة الشيعية وإشراكها في السلطة التنفيذية تفادياً لاستفزازها. في هذا السياق، حرص سلام على عدم استبعاد "حزب الله" وأمل: فأعطي "حزب الله" وحركة أمل أربعة مقاعد وزارية (بينها حقيبة المالية "السيادية" التي بقيت بيد الشيعة من خلال الوزير ياسين جابر كما مُنحت حق الموافقة على اسم وزير شيعي خامس. برّر سلام ذلك بصراحة، إذ اعتبر أن أبناء الجنوب شعروا بأنهم "مجروحين" بعد الحرب ويجب تضميد جراحهم، وأن تغيير وزير المالية ذي الهوية الشيعية كان سيُفسَّر كهجوم سياسي على الطائفة. وشدد على وجوب تفادي شعور أي فريق بالانكسار، وإن أكّد في الوقت نفسه أن وزارة المال ليست حكراً على الشيعة في اتفاق الطائف. هكذا، انطوت حكومة سلام على تسوية أُمليت بحكم الأمر الواقع: مشاركة شيعية في الحكومة لتنفيس الاحتقان، إنما بحدود مرسومة تمنع امتلاك الثنائي القدرة التعطيلية (الثُلث المعطّل) داخل مجلس الوزراء. وقد رحّبت السفارة الأميركية بهذه النتيجة التي قلّصت قبضة الحزب على القرار الحكومي، معتبرة أنها خطوة ضرورية على طريق إعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية واستعادة ثقة الداخل والخارج بها.
غير أنّ الكلفة الخفية لهذا التوازن تكشّفت مع مرور الوقت. فعلى الرغم من المناخ التفاؤلي الذي رافق ولادة الحكومة، حيث وُصفت بأنها الأفضل منذ عقود، بدأ يتبيّن أن مشاركة ممثلي الثنائي الشيعي في السلطة ستعرقل حتماً أي توجه جدي لنزع سلاح الحزب. واليوم بعد نحو ستة أشهر، يدفع اللبنانيون ثمن تلك التسويات المؤقتة: فالسلاح الخارج عن كنف الدولة ما زال يرسم خطوطاً حمراء أمام أي قرار، والانهيار الاقتصادي والأمني مستمر لأن جذور أزمته، وعلى رأسها هيمنة الثنائي الشيعي على الدولة، لم تعالج جذرياً.
نفد صبر المجتمع الدولي ولا سيما واشنطن إزاء البطء الحكومي في مقاربة ملف سلاح "حزب الله"، فكان واضحاً أن الحكومة لم تبادر تلقائياً إلى وضع آلية لتنفيذ تعهدها بحصرية السلاح، بل اكتفت بإدراج المبدأ في بيانها الوزاري وتجنّبت الخوض في التفاصيل الحسّاسة. في المقابل، استمر "حزب الله" في المناورة والخطابات الرنّانة، فمنذ إعلان وقف النار وهو يحاول إقناع جمهوره بأنه ما زال قوياً وبأنه حقق "انتصاراً" جديداً رغم الخسائر. كما استغل الحزب انهماك الدولة بملفات عديدة كالإصلاحات المالية واستحقاق الانتخابات البلدية وقانون الانتخابات النيابي وغيرها ليؤجل البحث في مصيره العسكري أملاً بمرور الوقت.
لكن الإدارة الأميركية قررت زيادة الضغط، فزار الموفد الرئاسي الأميركي توماس براك بيروت حاملاً رسالة حازمة: لا عودة كاملة للاستقرار ولا بحث في وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية المتقطعة جنوباً قبل صدور قرار رسمي من مجلس الوزراء اللبناني بالتزام نزع سلاح "حزب الله". وبالفعل، كشفت مصادر دبلوماسية أن واشنطن تربط أي تثبيت نهائي لهدنة الجنوب بخطوات لبنانية ملموسة لنزع ترسانة الحزب الصاروخية التي تعتبرها مصدر تهديد لإسرائيل. ولم يكتفِ الأميركيون بالكلام النظري، بل طرحوا خطة مفصّلة تقضي بتجريد الحزب من سلاحه بشكل كامل خلال أربعة أشهر، مقابل انسحاب الجيش الإسرائيلي من المواقع التي لا يزال يحتلها في الجنوب ووقف غاراته الجوية. أي بمعنى آخر، مقايضة السلاح بالانسحاب: يُنزَع سلاح المقاومة وفق جدول زمني قصير، في المقابل تُستكمَل بنود اتفاق وقف إطلاق النار الذي لم يُنفذ كاملاً بعد.
إزاء هذا التشدد الأميركي، وجدت الحكومة اللبنانية نفسها في الزاوية. فالموفَد توم براك وجّه انتقاداً علنياً نادراً للمسؤولين اللبنانيين عبر منصة X قائلاً: «الكلمات لا تكفي» والمطلوب أفعال ملموسة. وكذلك خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأميركي، أطلق ميشال عيسى (المُرشَّح لمنصب سفير الولايات المتحدة في بيروت) مواقف لافتة عكست الاتجاه الأميركي: فقد شدد أن نزع سلاح "حزب الله" ليس خياراً بل ضرورة، مؤكداً أن وقت العمل هو الآن. وأكثر من ذلك، شبّه عيسى الحزب "بالدبّ المجروح الذي ما زال يمكنه أن يؤذي" في إشارة إلى أن ضعف الحزب بعد الحرب لا يجعله أقل خطورة، بل ربما أشد عدوانية، متهماً إياه بالمماطلة لكسب الوقت قبل الانتخابات النيابية المقبلة 2026 خوفاً من تراجع شعبيته إذا تخلّى عن سلاحه. ولم يتوانَ عن القول صراحة إن قرار الحزب ليس في يد قيادته بقدر ما تمسك به طهران، وإن ولاءه الأول والأخير لإيران لا للبنان. هذه اللغة الصارمة من واشنطن، وضعت رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة تحت المجهر الدولي: فأي تهاون إضافي سيعني ضياع فرصة الدعم الخارجي المالي والسياسي الذي يُعوَّل عليه لانتشال البلد من أزمته.
على الضفة المقابلة، سارع "حزب الله" إلى موقف هجومي دفاعاً عن سلاحه. فبعد تسريبات عن نية الحكومة مناقشة الملف، خرج الأمين العام الشيخ نعيم قاسم بخطاب تصعيدي اعتبر فيه أن الدعوات إلى تسليم سلاح "المقاومة" ليست سوى خدمة للمشروع الإسرائيلي. وقال قاسم بشكل قاطع: "من يطالبنا بتسليم سلاحنا عملياً يطالبنا بتسليمه إلى إسرائيل، ونحن لن نخضع لإسرائيل أبداً"، هذا رسم الحزب خطاً أحمر سميكاً: السلاح “ليس قابلاً للنقاش” بتاتاً، حتى لو انسحب الجيش الإسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية. واعتبر قاسم أن الضغوط لن تزيد الحزب إلا تشبثاً بسلاحه الذي أصبح في صلب هوية الحزب ودوره المرتبط بإيران. ولم يكتفِ عند هذا الحد، بل اتهم الولايات المتحدة بأنها تريد نزع صواريخ الحزب ومسيراته فقط لأنها تُقلق إسرائيل، وأن الموفد الأميركي براك يطالب بنزع السلاح لمصلحة أمن إسرائيل لا لبنان. وخاطب اللبنانيين بالقول إن إسرائيل لن تستطيع هزيمتنا ولا أخذ لبنان رهينة مهما فعلت، في محاولة لإعادة شد العصب الشعبي حول "خيار المقاومة المسلحة" كضمان وحيد.
بموازاة مواقف قيادة الممانَعة، كان نواب كتلة "حزب الله" يرفعون سقف التحدي داخلياً، فصرّح النائب حسين جشي أن نزع سلاح المقاومة "بالقوة" لا يمكن تحقيقه "أو حتى رؤيته في الأحلام" داعياً إلى تخفيف لهجة تناول هذا الموضوع الحساس. وكرّر سرديّة الحزب التقليدية بأن الاستغناء عن السلاح مشروط بوجود دولة قويّة وعادلة قادرة على حماية البلد وردع العدوان الإسرائيلي. وسأل منتقداً: هل من "عاقل" يتخلى طوعاً عن عناصر قوته، وختم بتحذير شديد اللهجة: "فليعلم القاصي والداني أن أحداً في هذا العالم لن يستطيع أن يمنعنا من الدفاع عن أهلنا وشعبنا ووطننا وكرامتنا مهما بلغت التضحيات". هذا الكلام يُظهر أن الحزب يستحضرون شبح الحرب الأهلية والفتنة لتخويف خصومهم وردع أي محاولة لفرض نزع السلاح عليهم. فبقدر ما يبدو الحزب ضعيفاً ومجروحاً بعد حرب العام الماضي، إلا أنه يلوّح بقدرته على قلب الطاولة أمنياً إذا شعر بخطر وجودي. وليس بعيداً عن الأذهان تجربة 7 أيار 2008 حين اجتاح مقاتلو الحزب بيروت في ساعات معدودة ردّاً على قرار حكومي آنذاك بمصادرة شبكة اتصالاته الخاصة، وهي ذكرى أليمة لا تزال حاضرة تذكّر الجميع بأن سلاح الحزب موجّه للداخل متى رأى قادته ذلك ضرورياً.
إلى جانب التهديد الضمني بالشارع والسلاح، لجأ حلفاء الحزب السياسيون إلى أسلوب التعطيل الناعم. فرئيس المجلس نبيه بري، سارع إلى انتقاد فكرة طرح موضوع السلاح على طاولة الحكومة علناً. اعتبر بري أن البيان الوزاري للحكومة نصّ بالفعل على حصرية السلاح بيد الدولة، وبالتالي "لا حاجة لعقد جلسة جديدة" لتأكيد المؤكّد. وذهب إلى حد استغلال صلاحياته كرئيس للبرلمان لتأجيل النقاش الحكومي: فما أن شاع أن سلام ينوي دعوة مجلس الوزراء للانعقاد يوم الخميس 31 تموز، حتى دعا بري في نفس اليوم إلى جلسة تشريعية للبرلمان بجدول أعمال إصلاحي (البند الأبرز كان استقلالية القضاء وإصلاح المصارف)، الأمر الذي اضطر سلام إلى إرجاء جلسة الحكومة إلى الثلثاء التالي تفادياً لتداخل الاستحقاقات. هذه المناورة أوضحت أن الثنائي الشيعي يرفض حتى مجرد انعقاد جلسة رسمية مخصصة لبحث السلاح، ويسعى بكل وسيلة إلى منعها أو فرملتها. وقد تكثفت المشاورات الهاتفية خلف الكواليس بين الرؤساء الثلاثة (عون، بري، وسلام) منذ اللحظة التي حُسمت فيها دعوة الجلسة، بهدف "تمريرها بهدوء" وتجنب انفجار الخلاف علناً. فالرئيس عون، لم ينهِ بعد حواره غير المباشر مع "حزب الله" حول مسألة السلاح ويراهن على استكماله ولو كان يتقدم ببطء! وهو حريص على إبقاء شعرة التواصل مع الحزب. كما أن مكان انعقاد جلسة الثلثاء لم يُحسم، هل يترأسها عون في القصر الجمهوري أم يرأسها سلام في السراي الحكومي؟ في مؤشر إلى محاولة تفادي مشهد استفزازي ل"حزب الله" (الذي قد يعتبر انعقادها برئاسة الرئيس بمثابة تبن رسمي من الرئاسة لمشروع نزع سلاحه). كل ذلك يؤكد أن نهج المسايرة لا يزال مهيمناً على أداء الحكم: حوار موازٍ مع الحزب، تخفيف لهجة القرارات، وتأجيل المواجهة المباشرة قدر الإمكان. لكن إلى متى؟.
رغم عراقيل اللحظة الأخيرة، تمكّن الرئيس سلام من توجيه دعوة رسمية غير مسبوقة لانعقاد مجلس الوزراء يوم الثلثاء 5 آب 2025 لبحث مسألة حصرية السلاح بيد الدولة بشكل صريح. وُصفت هذه الخطوة بأنها تاريخية نظراً لجرأتها: فهذه أول مرة تجرؤ حكومة لبنانية على وضع ملف سلاح "حزب الله" على جدول أعمالها الرسمي والمعلن. والأهم أنها تأتي استجابة لمطلب شعبي وسياسي متصاعد بوجوب انتقال السلطة التنفيذية من خانة الأقوال إلى الأفعال. فقد ارتفعت في الأسابيع الأخيرة أصوات محلية تنتقد تغييب الحكومة عن النقاش المصيري حول السلاح. أبرز هذه الأصوات كان رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، وأكثر من ذلك، رفض جعجع منطق التخويف بالحرب الأهلية في حال المضي بخطوات سحب السلاح دون موافقة الحزب، معتبراً أنه مجرد ذريعة لتعطيل إرادة الأغلبية اللبنانية. ودعا بدل ذلك إلى اتخاذ قرارات تنفيذية عاجلة بنزع سلاح كل الميليشيات دون الحاجة للتنسيق أو الحوار مع أي طرف، في إشارة واضحة إلى "حزب الله". هذا الموقف العالي السقف من أبرز زعيم مسيحي في جبهة مناهضة "حزب الله" يعكس مزاج شريحة واسعة من اللبنانيين التي ضاقت ذرعاً بالنهج التوافقي العقيم. فبرأيهم، لا مجال لأنصاف الحلول بعد الآن: إما دولة قانون وسلاح شرعي حصري، وإما استمرار دوامة الانهيار والفوضى التي لا يستطيع لبنان تحمّلها أكثر.
إذاً كل الأنظار تتجه إلى جلسة الثلثاء: هل ستكون منعطفاً مفصلياً في إعادة الاعتبار لقرار الدولة على حساب سطوة الدويلة، أم مجرد مناورة جديدة لامتصاص الضغط وتسجيل موقف عابر؟ الواقع أن السيناريوهات المحتملة ما زالت مفتوحة على مصراعيها، وتتراوح بين تسوية هشة وانفجار مؤجل:
1- التسوية الشكلية (تدوير الزوايا): وهو السيناريو المرجّح حالياً. يقوم على صياغة مخرج وسط يحفظ ماء وجه الجميع. قد تخرج الجلسة ببيان عام يعيد التأكيد على ما ورد في البيان الوزاري من التزام حكومة سلام ببسط سيادة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية وحصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، من دون الدخول في آليات تنفيذية تفصيلية أو جداول زمنية صارمة. ربما يُعلن عن “خطة مبادئ” تدريجية لتنفيذ القرار 1701 واتفاق وقف الأعمال العدائية (نوفمبر 2024) تتضمن مثلاً نشر الجيش في مناطق معينة أو ضبط الحدود بشكل أشد، مقابل استكمال الانسحاب الإسرائيلي المتأخر. هذا السيناريو سيعتبره الرئيس عون والرئيس سلام إنجازاً معنوياً وإظهاراً للوحدة الوطنية حول المبدأ، بينما سيعتبره خصوم "حزب الله" خطوة منقوصة أشبه بمُسكّن موضعي. فمن دون وضع جدول زمني واضح لجمع سلاح الحزب وتسليمه، سيبقى الأمر في دائرة الوعود. والأرجح أن وزراء الثنائي الشيعي إن حضر وزراء "حزب الله" الجلسة، سيوافقون على مبدأ حصرية السلاح نظرياً، فهم يرددون ذلك شرط "وجود دولة قادرة وعادلة" لكن مع رفض أي خطوات عملانية سريعة. وقد يشترطون إحالة الأمر إلى لجنة وزارية أو حوار وطني لاحق، ما يعني فعلياً تأجيل البتّ بالأمر إلى ما بعد الانتخابات النيابية المقبلة. هكذا يشتري الجميع مزيداً من الوقت: الحكومة تُظهر تجاوباً أمام الأميركيين فتلجم جزءاً من الضغط مؤقتاً، والحزب يتفادى الانفجار الفوري ويعيد ترتيب أوراقه بانتظار ظروف إقليمية أكثر ملاءمة له. لكن ثمن هذه التسوية سيكون استمرار حالة اللايقين: واشنطن قد لا تقتنع بمجرد بيان فضفاض وتطالب بأفعال حقيقية، وإسرائيل بدورها ستستمر بالخروقات الأمنية، ما دام سلاح الحزب لم يُكبح فعلياً. وفي الداخل، سيتصاعد إحباط شريحة واسعة من اللبنانيين التي سترى في ما حدث مسايرة جديدة للحزب وتفويتاً لفرصة تاريخية.
2- مواجهة محسوبة أو انفجار محدود: يبقى احتمال ضعيف لكنه قائم، وهو أن تفشل التسوية حتى في الشكل، وتتعنّت الأطراف في مواقفها داخل الجلسة. مثلاً، قد يصرّ وزراء القوات اللبنانية وحلفاؤهم على إقرار خطوات تنفيذية فورية لنزع السلاح تماشياً مع المطالب الدولية والشعبية. بالمقابل، قد يرفض وزراء الثنائي الشيعي ذلك رفضاً قاطعاً وربما ينسحبون من الجلسة لمنع صدور أي قرار بالإجماع (بحجة الميثاقية). في حال الوصول إلى طريق مسدود كهذا، سيجد الرئيسان عون وسلام نفسيهما أمام معضلة كبرى: إما الرضوخ لفيتو "حزب الله" وتعطيل الجلسة، ما يشكّل انتكاسة مدوّية لهيبة الحكم الجديد، أو المضي بالتصويت بالأكثرية على قرار ما (كإنشاء لجنة لنزع السلاح) مع تحفّظ أو غياب المكوّن الشيعي. أي قرار يُتخذ بغياب الوزراء الشيعة سيعدّه الحزب غير شرعي وسيستحضر سابقة حكومة فؤاد السنيورة 2006 حين اعتُبرت مستقيلة لانسحاب المكوّن الشيعي منها. وقد يردّ الحزب بأحد خيارين: تصعيد سياسي حادّ (كتهديد بسحب الثقة الحكومية في البرلمان بالتعاون مع حليف الظرف جبران باسيل الذي يأخذ موقف المعارضة)، أو تحريك الشارع أمنياً عبر احتجاجات وربما قطع طرق (كما ألمح بعض مسؤولي الحزب بلهجة غير مباشرة). أي من هاتين الخطوتين كفيلة بإغراق البلد مجدداً في شلل سياسي وأمني. وربما تراهن الجهات الدافعة نحو المواجهة أن الحزب أضعف من أن يكرّر سيناريو 7 أيار عسكرياً بسبب وضعه المترهل بعد الحرب، فحتى لو لم ينزلق الوضع لمواجهات واسعة، مجرد التهديد يكفي لإشاعة الذعر في الاقتصاد والأسواق.
3- تأجيل مستمر (الهروب إلى الأمام): هناك سيناريو ثالث أكثر سلبية، وهو أن لا تُعقد الجلسة أصلاً أو تُرفع بسرعة من دون أي قرارات، بحجة الحاجة لمزيد من "التفاهم الوطني" بمعنى آخر، ترحيل الموضوع برمّته أو ربما انتظار نتائج الانتخابات القادمة بحجة أن البرلمان المقبل. هذا السيناريو سيكون بمثابة إعلان فشل مدوٍّ للعهد الحالي في أول اختبار له. وسيُنظَر إليه داخلياً وخارجياً على أنه انتصار ل"حزب الله" وحلفائه عبر الترهيب والتعطيل. وقد يؤدي ذلك إلى رد فعل أميركي ودولي قاسٍ: تجميد المساعدات المشروطة، وربما تعليق المساعي لوقف نهائي لإطلاق النار في الجنوب مما يعني بقاء لبنان مشرّعاً على خطر تجدد المواجهات مع إسرائيل. أما اقتصادياً، فسيستمر نزيف الليرة والمدخرات مع انعدام أي أفق استقرار. بكلام آخر، سيُكرَّس الشلل والانهيار الشامل كأمر واقع، وسيترسخ اقتناع لدى معظم اللبنانيين أن هذا النظام السياسي بطبيعته وصيغته العاجزة، غير قادر على انتشال البلد. وقد ينفجر الغضب الشعبي مجدداً في الشارع على نحو أوسع.
مهما كان السيناريو الذي سيسود بعد جلسة الثلثاء المرتقبة، تبقى الحقيقة المُرّة أن لبنان ينزف لأن مَن في موقع القرار لا يرى أبعد من أنفه، ولأن منطق المسايرة والترضيات يغلب على منطق اتخاذ القرارات الجريئة التي تنقل البلد نحو الاستقرار والازدهار. لقد أثبتت الأشهر الستة الماضية صواب مقولة المنتقدين أن مشاركة “القوى المجروحة” في الحكم ستعطّل مسار نزع السلاح وتبقي الوضع متفجراً كما هو. فبدلاً من أن يُستفاد من لحظة ضعف الحزب بعد الحرب لفرض واقع جديد، جرى تطبيع الأمر الواقع مرة أخرى بذريعة تجنب الأسوأ! وها نحن اليوم أمام استحقاق مصيري لا يمكن الهروب منه: إما أن يقرر المسؤولون على استعادة الدولة لقرارها المسلوب، مدعومين بتأييد شعبي واسع وضمانات دولية وعربية بالمساعدة، وإما أن يثبتوا عجزهم مرة أخرى وينكفئوا أمام تهديد السلاح غير الشرعي.
لا شك أن رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام يدركان جسامة التحدي. فكلاهما وصل إلى الحكم على أساس وعود باستعادة هيبة الدولة وإنقاذ لبنان من الهوة. الرئيس عون بالذات يتعرض لانتقادات متزايدة بأنه يساير "حزب الله" أكثر من اللزوم ويغض النظر عن مماطلته، ربما حرصاً منه على الاستقرار أو رهاناً على تغيير بطيء من داخل المنظومة! ومن المتوقع أن يوجّه عون رسالة إلى اللبنانيين في الأول من آب (عيد الجيش) يركّز فيها على ملف السلاح ويردّ على الانتقادات التي تطال الرئاسة بالتقصير. لكن اللبنانيين لم يعودوا بحاجة إلى خطابات تطمين بقدر حاجتهم لرؤية خطوات فعلية على الأرض.
في المحصلة، لن يجدي تدوير الزوايا إلى ما لا نهاية. إن أقصى ما يمكن أن ينتج عن جلسة الثلثاء، إذا انعقدت، هو تسوية شكلية جديدة يتولاها الرئيسان عون وسلام، تحت وطأة الإملاءات التي سيفرضها برّي و"حزب الله" على الجميع. مثل هذه التسوية ربما تشتري هدوءاً مؤقتاً، لكنها لا تعالج أصل المرض، وهو هذا النظام السياسي العقيم..