بشارة جرجس

التحوّل من 7 أيار إلى 5 آب... و4 آب بينهما

7 دقائق للقراءة

في 31 تموز الماضي، وبمناسبة عيد الجيش، حدّد رئيس الجمهورية جوزاف عون سقفًا جديدًا للموقف الرسمي حين سمّى "حزب الله" بالاسم ودعا صراحة إلى نزع سلاحه. هذا الموقف وضع مجلس الوزراء أمام اختبار حاسم يوم الثلثاء (5 آب)، باعتباره الجهة التنفيذية المخوّلة بتحويل هذا الخطاب إلى قرار فعلي. فإما أن يصدر قرار على مستوى ذلك السقف، أو يتراجع عنه بشكل فاضح. وأي تراجع، خصوصًا إذا خلا القرار من جدول زمني واضح، لن يُفسّر إلا كمماطلة مكشوفة ومغامرة خطرة بمصداقية الدولة وأمنها. في المقابل، إذا التزمت الحكومة بالسقف العالي ذاته، فإن معيار الجديّة الوحيد سيكون سرعة التنفيذ. وحدها الخطوات الميدانية السريعة تثبت أن خطاب الرئيس لم يكن موقفًا ظرفيًا، بل بداية مسار لاستعادة القرار السيادي.



محاولات الالتفاف وموقف "حزب الله" التصعيدي

عشيّة الجلسة، دارت محادثات حادة خلف الكواليس بين رئاسة الجمهورية وحزب الله، هدفه إفراغ القرار من مضمونه. فسعى الحزب إلى تفادي أي ذكر لجدول زمني لنزع السلاح، والعودة إلى أسلوب المواربة والصياغات الملتبسة التي تتيح تأجيل التنفيذ إلى ما لا نهاية.



وبالتوازي، صعّد "حزب الله" لهجته في محاولة استباق القرار الحكومي، رافضًا مسبقًا مبدأ نزع سلاحه. ومع اقتراب الجلسة، علت نبرة التصعيد في خطاباته، مستعيداً مزاعمه حول "حماية لبنان" في وقت لم يعُد أحد يصدّق أن الحزب قادر على أي خطوة إيجابية. فقد استُهلكت سردية "المقاومة".



لم يعُد لهذا السلاح سوى وظيفتين: انتظار إشارة مستحيلة من المرشد الإيراني لتسليمه، وحفظ ماء الوجه أمام البيئة الداخلية. وظيفته العسكرية سقطت بفعل التحولات الإقليمية، والمزاج اللبناني لفظه وأسقطه. السلاح بات شعارًا أجوف يتلطى خلفه الحزب لتبرير عجزه وتراجعه منذ عام 2023 على الأقل.



رغم ذلك، حاول الحزب التأثير على مسار الجلسة عبر أدواته السياسية والإعلامية، حتى بلغ به الأمر التلويح الضمني بشبح أحداث 7 أيار 2008. انتشرت تهديدات مبطّنة على مواقع التواصل، واستُعرضت مواكب الدراجات النارية في الشوارع، في رسالة ترهيب واضحة. غير أن هذه الضغوط قوبلت باستنفار أمني للجيش الذي انتشر لضبط أي إخلال بالأمن، في مشهد يبرز لأول مرة تصميم مؤسسات الدولة على حماية القرار السياسي من السلاح غير الشرعي.



تزايدت القناعة بأن أي تسوية فارغة ستكون كارثية. وسجلّ الحزب الحافل بالخروقات يجعل التغاضي عن سلاحه قنبلة موقوتة. انفجار 4 آب 2020 ليس إلا دليلاً دامغاً: فالحزب سهّل إدخال 2,754 طناً من نيترات الأمونيوم لصالح النظام السوري، ما أدى إلى واحدة من أفظع الكوارث الإنسانية في تاريخ لبنان. وليس ذلك إلا نموذجاً ضمن سلسلة جرائم تشمل تصنيع الكبتاغون، تبييض الأموال، تخزين السلاح في الأحياء السكنية، تهريب الأسلحة، واغتيال المعارضين. هذا هو الوجه الحقيقي للحزب: مشروع تخريبي متمادي، لا يجوز بعد اليوم التساهل معه.



قرار الحكومة: خطوة أولى نحو استعادة القرار السيادي

رغم الضغوط، خرج مجلس الوزراء يوم 5 آب بقرار غير مسبوق: تكليف الجيش وضع خطة عملية لحصر السلاح بيد الدولة قبل نهاية 2025، وتقديمها إلى المجلس قبل 31 آب الجاري. كما تقرّر استئناف الجلسة في 7 آب لبحث «الورقة الأميركية» التي نقلها الموفد توم باراك، وتضمّ جدولاً زمنياً لتنفيذ هذا الهدف التاريخي.



بهذا القرار، تكون الحكومة قد التزمت فعلياً خطاب رئيس الجمهورية، وكسرت واحدة من المحرّمات المفروضة إيرانياً منذ سنوات. صحيح أن القرار لا يزال في طور التكليف، لكنه يتضمن ما تهرّبت منه الدولة سابقاً: تحديد مهلة زمنية لنزع السلاح، وهي سابقة بحد ذاتها.



للمرة الأولى، تقترن مسألة السلاح بموعد للتنفيذ ضمن بيان حكومي، لا بشعارات مثل «الاستراتيجية الدفاعية». لقد اختارت الحكومة، تحت الضغط اللبناني والمجتمع الدولي، اغتنام الفرصة التاريخية بدل الانتظار حتى فوات الأوان.



ورغم انسحاب وزير محسوب على حزب الله ووزيرة على حركة أمل، فإن بقية الوزراء، خصوصاً من القوات، أصروا على تضمين البيان جدولاً زمنياً، ملوّحين بالتصعيد في حال تم تمييعه. وقد أفضى هذا التوازن إلى صدور القرار رغم اعتراض الثنائي الشيعي، الذي سجّل موقفاً احتجاجياً عبر انسحاب الوزيرين ركان ناصر الدين وتمارا الزين، دون أن يمنعا تمرير القرار.



بالتزامن مع الجلسة، ألقى الشيخ نعيم قاسم خطاباً نارياً رافضاً القرار، داعياً إلى المواجهة ومُهدّداً بردّ بالصواريخ في حال توسّع العدوان الإسرائيلي. تجاوز قاسم النقاش إلى لهجة تحدٍّ، متمسّكاً بسلاح الحزب كجزء من "ميثاق الطائف" ورافضاً أي قرار أكثري. هكذا أعلن الحزب نفسه خصماً صريحاً للدولة، متذرعاً بالتوافق الداخلي، وكأنّه لا يزال يملك الفيتو على قرارات الحكومة.



للمرة الأولى، يجد الحزب نفسه في موقف دفاعي. لم يسبق أن واجه قراراً حكومياً مباشراً يطال سلاحه، ولم يُضطر يوماً إلى تبرير نفسه أمام اللبنانيين. لقد سجّلت الدولة نقطة على حساب الدويلة، وإن كانت البداية فقط.

لكن الجميع يدرك أن التحدي الحقيقي يبدأ الآن. فصدور القرار شيء، وتنفيذه شيء آخر. والسؤال: هل سيُعدّ الجيش خطته فعلياً في الوقت المحدد؟ وهل ستُقرّ الحكومة الخطة وتباشر التنفيذ قبل نهاية العام؟ أم سيعود منطق التسويف والضغوط ليُجهض القرار كما أُجهضت قرارات سابقة؟



الرهان اليوم على ألا تتراجع الدولة في منتصف الطريق. الكرة الآن في ملعب المؤسسات: الرئاسة، الحكومة، الجيش، والأجهزة الأمنية. وعليها أن تثبت أنها على مستوى المسوولية والوعد الذي قطعته أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي. المصداقية على المحك، والسيادة أيضاً.



بيروت… والعدالة الآتية

تزامناً مع معركة القرار السيادي، شهد ملف انفجار مرفأ بيروت تطوراً بارزاً مع الذكرى الخامسة للجريمة. تشير المعطيات إلى أن القاضي طارق البيطار بات قريباً جداً من إصدار قراره الظني، بعد مسار طويل من العرقلة.

أهمية القرار الظني تكمن في نقله الملف إلى مرحلة المحاكمة العلنية أمام المجلس العدلي. وستتكشف الحقائق أمام الرأي العام، وسيُحاسب المقصّرون والمتواطئون أياً كانوا. هذه الخطوة التي انتظرها اللبنانيون خمس سنوات تبشّر بفتح مسار عدالة حقيقي. وللمرة الأولى، يحظى التحقيق بدعم رسمي واضح من وزير العدل وسائر أركان الدولة، وسط تراجع نفوذ المعرقلين.



سقوف الحماية السياسية انهارت، ومنطق الإفلات من العقاب يتآكل. ولو نجح حزب الله في فرض هيمنته المطلقة، لكانت القضية طُويت كما أرادها وفيق صفا، الذي هدّد منذ البداية بقلب الطاولة. لكن إرادة الناس، وخصوصاً أهالي الضحايا، أثبتت أنها أقوى من الترهيب. عاماً بعد عام، يستمر المشهد: حشود تنزل إلى الشارع، تطالب بالعدالة وتُجدد العهد بالحقيقة.

اقتراب صدور القرار الظني اليوم هو ثمرة مباشرة لهذا الإصرار الشعبي، ورسالة واضحة: جريمة 4 آب لن تُمحى، ولن يفلت مرتكبوها من العدالة.



مسؤولية تاريخية وفرصة نادرة

بين قرار الحكومة بنزع سلاح حزب الله، والانفراجة القضائية المنتظرة في ملف المرفأ، يجد لبنان نفسه أمام لحظة انتصار نادرة، لمنطق الدولة. لكن هذه اللحظة تحتاج إلى استثمار شجاع، إذ لا تزال الدويلة تملك أوراق تعطيل وترهيب.

أي تراجع أو تلكؤ من جانب الدولة سيكون انتكاسة كبرى لمصداقيتها. فإما تُثبت المؤسسات أنها قادرة على التنفيذ، وإما يثبت الحزب مرة جديدة أن سلاحه أقوى من أي قرار.



المسؤولية اليوم جماعية: على رئيس الجمهورية أن يتابع ما بدأه، وعلى الحكومة أن تلتزم التنفيذ، وعلى الجيش أن ينهض بمهمته بثقة وحياد، وعلى القوى السياسية أن تردع محاولات الالتفاف، وعلى المجتمع الدولي أن يواكب هذا المسار حتى النهاية، ويدعم عند الحاجة.



اللبنانيون انتظروا طويلاً لحظة كهذه. وبعد عقود من الخوف والفساد، يلوح بصيص أمل بأن مشروع الدولة بدأ ينهض. صحيح أن الطريق لا يزال طويلاً، لكن التطورات هذا الأسبوع لا تُقدّر بثمن: أمل ممزوج بالحذر، وإيمان بأن العدّ العكسي بدأ.

الأشهر المقبلة ستكون الفيصل: إما يطوي لبنان صفحة الدويلة، ويفتح فصلاً جديداً نحو أمل لمرحلة مقبلة قد نصل من خلالها ولو بعد بضعة أعوام الى نظام جديد يضمن حماية المكونات المؤسِسة، أو يتبدّد هذا الحلم مجدداً. الخيار بيد اللبنانيين، مسؤولين ومواطنين. والتاريخ لن يرحم المتخاذلين، والمعركة، لا زالت وجودية.