مصر وقطر تصوغان مقترحًا جديدًا لإنهاء الحرب

تل أبيب تتجاهل الضغوط الدبلوماسية وتستعدّ لاجتياح غزة

6 دقائق للقراءة
أطفال غزة يواجهون جولة جديدة من القتال العنيف (رويترز)

كانت الضغوط الدبلوماسية تؤتي ثمارها سابقًا، ولو بشق الأنفس، في لجم الآلة العسكرية الإسرائيلية في حروبها مع الفلسطينيين، بيد أنّ هجوم 7 أكتوبر غيّر العقيدة العسكرية للدولة العبرية ومعها مقاربة البلاد الخارجية بشكل جذريّ، بحيث تمكّنت حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من متابعة تنفيذ مخطّطاتها في الأراضي الفلسطينية على مدى حوالى عامين من دون أن تفضي الضغوط الإقليمية والدولية إلى كبح جماح "البولدوزر الإسرائيلي" الذي بات عمليًا خارجًا عن السيطرة، خصوصًا في ظلّ عدم استخدام "العم سام"، حتى اللحظة، أوراق الضغط العديدة التي يمتلكها إزاء إسرائيل، على الرغم من التقارير الصحافية الكثيرة التي أفادت بامتعاض الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الوضع المأسويّ في غزة.


توالت التنديدات والاستنكارات الدولية والغربية والعربية لإقرار مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي صباح أمس، خطة للسيطرة على مدينة غزة، إلّا أن تل أبيب بدأت بحشد قواتها على حدود القطاع بهدف توسيع العمليات البرّية بشكل كبير، فيما جزم نتنياهو بأنه "لن نحتلّ غزة، بل ذاهبون لتحريرها" من "حماس"، موضحًا أن "غزة ستكون منزوعة السلاح، وسيُقام حكم مدني سلمي لا يتبع للسلطة الفلسطينية ولا "حماس" ولا أي منظمة إرهابية أخرى". واعتبر أن "إقامة حكم مدني سلمي في غزة سيساعد في تحرير رهائننا وضمان ألّا تشكّل غزة تهديدًا لإسرائيل في المستقبل".


بدوره، رأى وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن "قرار مواصلة النشاط المكثف في غزة يوجّه رسالة مفادها أننا عازمون على تحقيق أهداف الحرب"، مؤكدًا عزم تل أبيب على "الحسم الكامل مع "حماس" وتهيئة الظروف لعودة جميع المختطفين وضمان سلامة التجمّعات السكانية من خلال منطقة أمنية محكمة وقوية في غزة". وكشف أنه "تمّ تفويضي مع رئيس الوزراء للتصديق على خطط الجيش لتنفيذ قرار المجلس الوزاري المصغر"، حاسمًا أنّ "تهديد الدول بفرض عقوبات لن يُضعف عزيمتنا". واعتبر أنه "ولّت الأيام التي لم يكن اليهود يدافعون فيها عن أنفسهم". وأفاد موقع "والا" الإسرائيلي بأنّ كاتس يخطّط لتقديم مقترح رسمي للموافقة على إصدار أوامر استدعاء لنحو 430 ألف جندي احتياط، في خطوة تهدف إلى تعزيز قدرات الجيش في العمليات العسكرية الجارية في غزة.


من جانبه، أكّد رئيس الأركان الجنرال إيال زامير أنه "مع تطوّر المعركة"، سيعمل الجيش على "الحفاظ على حياة المختطفين وسيسمح بإعادة تأهيل القوات"، مشدّدًا على أنه "نتحمّل المسؤولية عن جاهزية الجيش وأمن الدولة ومواطنيها إلى جانب إعادة المختطفين" والحسم مع "حماس". وبينما كانت تقارير صحافية إسرائيلية قد ذكرت أن زامير يُعارض توسيع العمليات البرّية في غزة، أكد زامير أنه "نتعامل مع الخطة الجديدة وسنقوم بتعميق التخطيط لها وسنستعدّ في المستوى الأعلى ومثلما جرى في كلّ مرّة في الماضي سننفذ المهمّة بالشكل الأفضل".


وأفادت "القناة 12" الإسرائيلية بأن زامير حذّر نتنياهو خلال اجتماع المجلس الوزاري المصغر من أن إرسال الجنود في العملية العسكرية في غزة قد يكون "مصيدة موت". وأكد مسؤول أمني إسرائيلي أن الجيش لن يعرّض حياة المختطفين للخطر، ولن ينفذ أي أمر عسكري فوقه "علم أسود" مرتبط بمخاطر محتملة على حياة الرهائن. وكان المجلس الوزاري الأمني قد اعتمد المبادئ الخمسة لإنهاء الحرب، وهي: نزع سلاح "حماس"، وإعادة جميع الرهائن - الأحياء منهم والأموات، ونزع السلاح من القطاع، وفرض السيطرة الأمنية الإسرائيلية على غزة، وإنشاء إدارة مدنية بديلة لا تتبع لا لـ "حماس" ولا للسلطة الفلسطينية.


أميركيًا، أكد نائب الرئيس جيه دي فانس في مستهلّ اجتماع مع وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي في جنوب بريطانيا أن واشنطن ولندن قد تختلفان على كيفية معالجة الأزمة في غزة، لكن يجمعهما هدف مشترك هو السعي إلى إنهائها. ولدى سؤاله عن خطة بريطانيا للاعتراف بدولة فلسطينية، أكد فانس مجدّدًا أن واشنطن لا تعتزم الاعتراف بدولة فلسطينية، معتبرًا أنه لا يعرف ما يعنيه الاعتراف فعليًا "نظرًا لعدم وجود حكومة فاعلة هناك". ورأى وزير الخارجية ماركو روبيو أن المحادثات مع "حماس" انهارت في اليوم نفسه الذي اتخذ فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قرارًا بالاعتراف بـ "الدولة الفلسطينية"، موضحًا أن إعلان عدد من الدول عزمها الاعتراف بدولة فلسطينية الشهر المقبل جعل من الصعب تحقيق السلام وأعاق التوصّل إلى اتفاق مع "حماس".


في المقابل، طالبت الرئاسة الفلسطينية، الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي، بالتدخل العاجل لوقف خطط تل أبيب لاحتلال غزة، في حين اعتبرت "حماس" أن الخطة الإسرائيلية تمثل "تضحية" بالرهائن الذين تحتجزهم. بالتوازي، كشفت وكالة "أسوشييتد برس" أن مصر وقطر تعملان على صياغة مقترح جديد للتوصل إلى اتفاق لوقف النار في غزة، يشمل الإفراج عن جميع الرهائن الأحياء والأموات دفعة واحدة، مقابل إنهاء الحرب وانسحاب الجيش الإسرائيلي من القطاع، مشيرة إلى أن إطار المقترح يشمل معالجة الخلاف في شأن سلاح "حماس"، بحيث يبحث المقترح صيغة "تجميد السلاح" بشكل يسمح للحركة بالاحتفاظ به من دون استخدامه، إلى جانب تخلّيها عن الحكم في غزة. كما ينصّ على تولّي لجنة فلسطينية - عربية إدارة غزة والإشراف على إعادة الإعمار، إلى حين تشكيل إدارة فلسطينية وقوّة شرطة جديدة تدرّب على يد حلفاء أميركا في الشرق الأوسط، على أن تتسلّم هذه القوّة إدارة القطاع لاحقًا، لكن لا يزال من غير الواضح الدور الذي ستلعبه السلطة الفلسطينية.


تزامنًا، ندّدت السعودية بـ "أقوى وأشدّ العبارات" بقرار السلطات الإسرائيلية "احتلال" غزة، ودانت بـ "شكل قاطع إمعانها في ارتكاب جرائم التجويع، والممارسات الوحشية، والتطهير العرقي ضدّ الشعب الفلسطيني"، بينما أجرى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان سلسلة اتصالات دولية مع الاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وتركيا ومصر، بحث خلالها القرارات الإسرائيلية الأخيرة. كما أعربت الإمارات عن إدانتها بأشدّ العبارات واستنكارها الشديد قرار الحكومة الإسرائيلية احتلال غزة، محذرة من التداعيات الكارثية لهذا القرار ووقوع المزيد من الضحايا الأبرياء في القطاع واستفحال المأساة الإنسانية.


وجدّدت أبو ظبي تأكيدها أن صون الحق الفلسطيني لم يعُد خيارًا سياسيًا، بل هو ضرورة أخلاقية وإنسانية وقانونية، مشدّدة على أن لا استقرار في المنطقة إلّا بحلّ الدولتين، في وقت يعقد فيه مجلس الأمن جلسة اليوم حول الوضع في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية. وانتقد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خطّة إسرائيل للسيطرة على مدينة غزة، واصفًا القرار بأنه "تصعيد خطر" سيؤدّي إلى تهجير الفلسطينيين.


وكان لافتًا إعلان ألمانيا أنها ستعلّق تصدير المعدّات العسكرية التي يمكن استخدامها في غزة إلى إسرائيل، في حين تحدّث نتنياهو مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، معربًا عن خيبة أمله من قرار الأخير فرض حظر على توريد السلاح إلى إسرائيل. واعتبر أن "ألمانيا، بدلًا من دعم الحرب العادلة التي تخوضها إسرائيل ضدّ "حماس"، التي نفذت أبشع هجوم ضدّ الشعب اليهودي منذ الهولوكوست، تكافئ إرهاب "حماس" من خلال فرض حظر السلاح على إسرائيل". واعترضت دول أوروبّية وغربية عدّة على الخطة الإسرائيلية.