حتى الآن، لم تُحسَم بشكل رسمي ونهائي الغاية أو الغرض المحدّد من نقل شحنة المتفجّرات التي ضبطتها الأجهزة الأمنية اللبنانية عند حاجز ضهر البيدر، وكان على متنها عنصران من "حزب الله"، حيث لا تزال التحقيقات القضائية والعسكرية جارية...
ولكن تُشير التحقيقات الأولية إلى أنّ كمية المتفجرات الكبيرة (250 كيلوغرام من مادة TNT و 250 كيلوغرام من مادة C4) كانت مُتجهة نحو الضاحية الجنوبية لبيروت لتسليمها لشخص يُدعى "ذو الفقار"، وهو ما أثار مخاوف وتكهنات واسعة في الأوساط السياسية والأمنية اللبنانية بشأن التخطيط لعمليات كبرى أو اغتيالات سياسية داخل العاصمة. وما تبنّي "حزب الله" شحنة المتفجّرات سوى تحدٍٍّ فاضِح لسيادة الدولة.
ليست مَحض صِدفة أن تكون معظم الإغتيالات ومحاولات الإغتيال التي طالت شخصيات سياسية وإعلامية وأمنية منذ عام 2004، استُخدِمَت فيها عبوات ناسفة متطورة تعتمد على مادتي TNT و C4، وهي نفس المواد التي ضُبطَت في "جيب" ضهر البيدر...
ولم يكن من مَحض الصِدفة أن يكون جميع ضحايا تلك التفجيرات ينتمون إلى خطّ سياسي واحد يُعارِض الوجود السوري وسلاح "حزب الله"، ممّا يجعل ضبط شحنة متفجّرات متجهة إلى بيروت مؤشِِّراً على التخطيط لعمليات أمنية داخلية تخدم نفس الأجندة...
تُمثّل الأحكام الصادرة عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي حكمت بالسجن المؤبّد "خمس مرات" بحقّ العناصر الثلاثة التابعين ل"حزب الله" الذين أدانتهم باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وثيقة قانونية وتاريخية لا يمكن تجاهلها، إذ أكّد القُضاة في خُلاصة الحُكم أنّ عملية الإغتيال كانت "عملية سياسية بامتياز" وأنّ لسوريا و"حزب الله" دوافع واضحة للتخلّص من الحريري وحلفائه السياسيين...
كيف لنا أن ننسى الشهداء الأبرار.. مَن رحلَ منهم بجسده، ومَن يعيش بيننا ببطولته؟ فلولا دماؤهم الزكية وتضحياتهم لما تحقّق جلاء الجيش السوري عن لبنان عام 2005 وتحقّقَ "الإستقلال الثاني"، ولما أصبحت قضيتهم المتمثّلة في حصر السلاح بيد الدولة وبسط سيادتها كاملة، القضية الأساسية لإنقاذ البلاد...
إنّ المُعاناة الطويلة التي يعيشها اللبنانيون وسط دوامات القلق الأمني، وضغوط السلاح غير الشرعي والمربّعات الأمنية، والأزمات الإقتصادية والمعيشية، تُعبّر عن وجع حقيقي ومُزمِن يتشاركهُ اللبنانيون بمختلف انتماءاتهم، الطامحين إلى العيش في بلد مُستقرّ تبسِط فيه الدولة سيادتها الكاملة على أرضها...
فالعبور إلى الإستقرار والإزدهار الإقتصادي مستحيل بدون حصر السلاح بيد الجيش اللبناني والمؤسّسات الشرعية، وتطبيق القرارات الدولية، إذ أنّ وجود قوى مسلّحة خارج إطار الدولة يُضعِف السيادة ويعزل لبنان عن محيطه العربي والدولي، ويضرب الثقة الإقتصادية والإستثمارية، كما يحرم اللبنانيين من بناء اقتصاد مُعافى ومُزدهِر...
لقد صدقَ مَن قال:
"الميليشيات تبني عروشها على جماجم الأوطان، ولا تزدهر إلاّ حيث تغيب الدولة ويموت القانون".
باحث وكاتب سياسي