ارتباط وثيق ما بين التوتر وإيقاع يومياتنا السريع في لبنان، ورغم محاولة التعايش مع الأزمات والضغوطات اليومية، إلا أن جزءًا كبيرًا من الشعب يرزح تحت وطأة التوتّر المزمن الذي أثبتت الدراسات تأثيره السلبي على صحة جهاز المناعة.
التوتّر الموقت استجابة فيزيولوجية طبيعية أساسية ومطلوبة لمواجهة الخطر المحدق عبر اليقظة والانتباه. وفي هذه الحال، يُفعَّل الجهاز العصبي الودّي الذي يرفع مستوى الأدرينالين، وكذلك الجهاز الذي يفرز "الكورتيزول" المسؤول عن رفع مستوى الطاقة في الجسم، وتجميد وظائفه غير الضرورية ليتمكّن من التركيز على مواجهة الخطر بأسلوب "حارب أو أهرب". وعند زوال الخطر، يعود الجسم إلى توازنه الطبيعي هرمونيًا وعصبيًا. هكذا لخّصت مايا بزري، أستاذة مساعدة في الطب النفسي والطب النفسي جسدي، التوتّر.
ولكن عندما يصبح التوتّر مزمنًا، يحدث تنشيط مستمرّ أو متكرّر لنظام التوتر في الجسم، ما يخلّ بالتوازن الهرموني وباستجابة الدماغ مع العواطف. ما يؤدي إلى خلل في المناعة، لأن هرمون الكورتيزول هو مضاد طبيعي للالتهابات في الجسم.
وتضيف: "عند حدوث خلل في دورة الكورتيزول التي تقوم على ارتفاعه صباحًا وانخفاضه مساء، يفقد الجسم إدراكه لكيفية استجابة الخلايا المناعية بفعالية له، فتتأثر الذاكرة وقدرة التعلّم وتزيد دقّات القلب وتتعب الخلايا وتضعف مصادرها ليدخل الجسم في تحميل تكيّفي زائد، وتصبح الأجهزة المكيّفة لحمايته عند الخطر في خلل أيضًا".
ولا يأتي التوّتر المزمن من حدث مفاجئ، وفق ما تقول، بل من تراكمات وضغوطات يومية تحول دون عودة التوازن إلى الجهاز العصبي والهرموني ليصبح الجسم في حال نشاط مستمرّ. وتشير إلى أن الكورتيزول هو هرمون التوتر الأساسي الذي يؤدي دور مضاد للالتهابات في الجسم، "عندما يعمل بشكل طبيعي يمنع ردود الفعل المفرطة لجهاز المناعة عند الاستجابة للمرض لئلا تتضرّر الخلايا الجيّدة. ولكن عند ارتفاع مستواه لفترة طويلة بسبب التوّتر المزمن ينعكس سلبًا على مدى حساسية الخلايا المناعية تجاهه وعلى الاستجابة الطبيعية لمواجهة المرض، ما يؤدي إلى ضعف الخلايا الأخرى القاتلة للفيروسات، لتنتشر الالتهابات الخفيفة في الجسم وتخفّ فعالية اللقاحات ويتأخر التئام الجروح وتتنشّط شيخوخة الخلايا".
وتلفت بزري إلى نوعين من المناعة، الأولى فطرية وهي خط الدفاع الأول في الجسم، والثانية مكتسبة. "بالنسبة إلى الأولى تتأثّر الخلايا القاتلة فيها فلا تعود تتعرف على الفيروس لمحاربته. أمّا في الثانية فيتخربط توازن الخلايا حتى لا يعود الجسم مدركًا لكيفية الردّ بشكل طبيعي وفعّال على فيروسات معيّنة".
وتتحدث عن "سلسلة دراسات التحدي الفيروسي" التي أجريت على أشخاص يعانون من نسبة عالية من التوتر، فلوحظ أنهم أكثر عرضة لعدوى الأنفلونزا وجاءت أعراض البرد لديهم شديدة وطالت فترة شفائهم. وعند اجراء أبحاث على أشخاص عاملين في الرعاية الصحية، اكتشفوا استمرار آثار التوتّر المزمن لسنوات طويلة بعد انتهاء فترة عملهم وخفضًا في وظائف المناعة لديهم وارتفاعًا في مؤشرات الالتهاب في الجسم.
إلى ذلك تُجرى أبحاث حالية حول تأثير التوتر المزمن على الجهاز الهضمي كونه مرتبطًا بالجهاز العصبي والمركزي. "حتى لو لم يكن هناك ضرر مباشر أو التهاب مباشر في الأمعاء، فإن التوتر يؤثر في نوع البكتيريا المفيدة ويؤدي إلى تسرّب إضافي في غشاء المعدة ما يزيد من نسبة الالتهاب ويُضعف القدرة على محاربته وبالتالي على الشفاء السريع والفعّال".
وردًا عن سؤال حول الفئات الاجتماعية الأكثر عرضة للتوتر المزمن، تشير إلى الطلاب الذين يعيشون تحت ضغط دراسي مزمن، والأمهات العاملات اللواتي يسعين للتوازن ما بين العمل والمنزل، وعاملي الرعاية الصحية، والفئات المحدودة الدخل، لافتة إلى أن الشيء الأساسي المشترك بينهم جميعًا هو قلة الوقت والموارد لاستعادة التوازن في الحياة. مؤكدة بأن الحدث الضاغط ليس الأساس بل قدرة الجهاز العصبي المركزي على التعافي والاستراحة بين ضغط وآخر.
وعمّا إذا كانت هناك نشاطات أو عادات تساهم في التعافي من التوّتر يمكن ممارستها يوميًا، تجيب: "تنظيم النوم، حيث يساهم ذلك في عودة مستوى الكورتيزول إلى إيقاعه الطبيعي لأن الجسم يستفيق بشكل طبيعي حوالى الساعة الرابعة فجرًا عندما يرتفع مستوى هرمون اليقظة الأدرينالين والكورتيزول الذي ينخفض طبيعيًا في المساء. ممارسة الرياضة المعتدلة أيضًا خصوصًا الأيروبيك لأنها تقوي وظائف الدماغ. تمارين التنفّس والتأمل واليوغا التي تساهم في رفع مستوى الجهاز العصبي المهدئ. وتشير دراسات أيضًا إلى نظام غذائي معيّن يمكن الالتزام به للمساعدة في هذا الإطار فضلاً عن أهمية الروابط الاجتماعية الداعمة".
من جهة أخرى، يساعد العلاج النفسي في تحسين تنظيم المشاعر، سواء كانت مشاعر إيجابية أو سلبية، للتفكير بشكل منتظم، فعندما نحسّن من الإدراك الداخلي تصبح ردود الفعل متوازنة أكثر. وتشدد أخيرًا على أن التوتّر حالة فيزيولوجية طبيعية، ولكن من المهم إعادة الجسم إلى الراحة بعد مرورها، فيما المرونة النفسية والجسدية بيولوجية، وعندما يؤثر التوتر على وظائف الجسم ولا نستطيع التحكّم به، وينعكس سلبًا على صحتنا وحياتنا عندها يجب التوجّه إلى العلاج عبر الدواء الذي يؤخذ لفترة زمنية محددة.
