ميشال معيكي

جوزيف حرب: "طالع ع بالي فلّ"

4 دقائق للقراءة

أطلّ جوزيف حرب على اللبنانيّين مطلع ستينات القرن الماضي، صوتًا عبر "الإذاعة اللبنانيّة"، في برنامج "مع الغروب"، شعرًا منثورًا وأدبًا خارج النمط. ثمّ تتالت مجموعاتُه الشعرية: من "شجرة الأكاسيا"، إلى "مملكة الخبز والورد"، فـ "الخصر والمزمار"، وسواها كثير. كتب مسلسلات دراميّة للتلفزيون مثل "أوراق الزمن المُر"، وأطربتنا فيروز تغني شعرَه: "لبيروت"، "ورقو الأصفر"، "زعلي طوّل"، "أسامينا"، وسواها. وعرفنا الشاعرَ رئيسًا لـ "اتحاد الكتّاب اللبنانيين".

سافر جوزيف حرب، بصمتِ انحناءةِ سُنبلةٍ مُثقلة بوعود البيادر، إلى نجمةٍ قَصيّة كما الشعراء الكبار!



دوّنَ الشاعرُ الشاهدُ على العصرِ والحَدث موقفَه عبر قصيدةٍ مشحونةٍ بالسحر والدهشة، دائرية، متتاليةِ المشهديّة، متنوّعةِ الصُّور، كثيفةِ الانفعالات، في بناء مفرداته مفاتيح سحرية. أعمالُ حرب الشعريّة، إعادة نظرٍ بقضايا عصره بصيغة شاعر.


في "شجرة الأكاسيا" تناول النموذج العربيّ منذ الجاهليّة. أضاء على مسألة الانتماء البشريّ في مجموعته "مملكة الخبزِ والورد". وقدّم لنا المرأة في ديوانه: "السيّدةُ البيضاء في كُحلي شهوتِها"، "التوق الجميل"، "منذ جذور حواءَتها حتى اليوم".


الشاعرُ في فهم جوزيف حرب، ليس ملاكًا يطفو على وجه غيمة! فقد كتب مرّة: "أنا لا أكتب لأرتاح أو لأصل لنتيجة... أكتب فقط لأنني كاتب!".


رحل جوزيف حرب بمرارة الحنين إلى جنّة مفقودة كما الشعراء الكبار، وعاش كما اعترف مرّة في زمن ضائع، عَجِزَ عن امتلاكِ مفاتيح تحقيق الحلم... كانت أحلامًا متهاوية.


كتب في أزمة الحريّة، حياتيّة ووجوديّة، وفي التفتيش عن الذات والبناء الذهني والتبعيّة. واخترع له جنّة على قياس مخزون الذاكرة والحنين والتوهُّم، تنعّمنا بِفَيء سحرها عبر حروفه والنصوص.


كتب يومًا المفكّر الفرنسي Voltaire: "أكتب لكي أفعل"، للدلالة على قرار الالتزام العمليّ بالقضايا الكبرى، في المصير والسياسة والاقتصاد وتغيير بنى المجتمعات.


في حضرة شاعر كبير، بعضنا يتساءل عن دورٍ للشعرِ والشاعرِ، ماضيًا وآنيًا، في مسارات تطوّر المجتمعات وأنماط الحياة. يبقى السؤال الآخر، بين الفن للفن، والشعر الحالم ومُلُوحة الواقع، هي وُجهة نظر، تحتملُ غير تأويل...


قبل عقود كتب الشاعر الفرنسي Paul Eluard قصيدة جاء فيها: "Le monde est bleu comme une Orange" (العالم أزرق كبرتقالة). فردّ عليه بشكلٍ غير مباشر الكاتب الكولومبي Gabriel Garcia Marquez في روايته الشهيرة "مئة عام من العُزلة": "الأرض مُدوّرة كالبرتقالة!".


مفارقة بين الشعرية السُرياليّة والسحر اللّامعقول الجميل، في لاوَعينا والخيال، وبين أدب الواقعية والتزام الممكن. إننا نعيش لحظات نشوة ارتقاء الإنسان، كما قال سعيد عقل، كبيرنا: "كوقع الهنيهة في المطلق". وفي لحظة جمالية: "الشعر قبضٌ على الدنيا!".


الوصايا

عسلُ البرِّ المُصفَّى،

والحليب،

تنكة الزيت، وكيس القمح،

والتين المُحلّى، والزبيب،

قُلةُ السمن، سلال الجوز، والرُّمان، واللوز المُفقى،

والبراني القَرَوية،

كُلّها،

كان أبي يحملُها في أول العام

إلى الدَّير،

هدية،

وعلى المدخل يبقى واقفًا منتظرًا راهبة الدَّير

لتقبيل الصليب،

ثم يمضي. وأنا أبقى وحيدًا لَفّهُ عتمُ العشية،

كالغريب.


خصر

أجمل ما بالشجرة عند الهوا خَصرا.

ليش

ليش لمّا هالشتي بينزل

ولون أسود بعد ما تغيب الشمس مثل الكأنو كحلة جفونك،

بتذكّر عيونك؟


غابي

بنيسان،

هالسما

غابي كأنا سنديان،

ع طرافها

معمشق

قطيع غايم بهالهوا

معلّق،

يرعى

ورق أزرق.


أنا الإم الحزيني

لمّا الحقالي يا دني عِشبا يِبس، وترابها خبّا عتق وجّو وبكي،

وفيروزةِ الريح اختفا صوتا،

ونسيت رقصتا،

الله أخذ من وجها غيمي،

وإيدو علِّتا فوق الحقالي وشتِّتا.


(من مجموعته:"طالع عَ بالي فِلّ")