المؤسسة العسكرية على وشك طرح خطة لنزع سلاح الميليشيات وعلى رأسها حزب الله في 31 آب بعد إقرار الحكومة حصر السلاح بيد الدولة. لكن إذا رفض حزب الله تنفيذها بشكل قاطع، يصبح البلد أمام صدام قد يغيّر وجه لبنان السياسي.
الأجواء:
● الجيش اللبناني سيقدّم خطة للحكومة في 31 آب لإقناع حزب الله بالتخلي عن سلاحه. يؤكد الموفد الأميركي توم باراك أن المقاربة المفضلة هي الإقناع بدل الإكراه العسكري، فـ«لا حديث عن حرب بل عن إقناع حزب الله بالتخلّي عن السلاح»، كما يوافقه معظم الفرقاء اللبنانيين على هذا الرأي.
● إسرائيل تبدي استعداداً للانسحاب مقابل نزع سلاح حزب الله. أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه إذا اتخذت القوات المسلحة اللبنانية خطوات لنزع سلاح حزب الله، فستقوم إسرائيل بإجراءات مماثلة تشمل تقليصاً تدريجياً لقواتها في جنوب لبنان. هذا التطور جاء بعد لقاء باراك بمسؤولي إسرائيل، حيث اعتبره المبعوث الأميركي تطوراً “تاريخياً” نحو إنهاء احتلال المناطق اللبنانية المتبقية. بالمقابل، عرضت واشنطن ودول الخليج حزمة حوافز اقتصادية لدعم الاقتصاد اللبناني، لا سيما في الجنوب، بهدف توفير بدائل لمقاتلي حزب الله المدرجين على كشوف الرواتب الإيرانية إذا سلّموا سلاحهم.
● حزب الله يرفض الخطة بشكل قاطع. قيادة الحزب سارعت إلى رفض مسار نزع السلاح واعتبرته خدمة مجانية لإسرائيل. أعلن نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم أن الحزب سيتعامل مع قرار الحكومة “وكأنه غير موجود”، رافضاً أي نقاش في استراتيجية دفاعية وطنية قبل انسحاب إسرائيل الكامل ووقف اعتداءاتها. قاسم وصف تراجع الحكومة عن قرارها بأنه سيكون “فضيلة” ينبغي القيام بها، فيما حذّر قياديون في حزب الله صراحةً من اندلاع حرب أهلية إذا فُرض على الحزب تسليم سلاحه.
لماذا هذا مهم؟
● للمرة الأولى منذ عقود تضع الدولة اللبنانية سلاح حزب الله أمام معادلة (إمّا أو). نجاح الخطة يعني استعادة احتكار الدولة للقوة العسكرية وإنهاء وضع الدولة داخل الدولة الذي مثّله حزب الله طويلاً، فيما فشلها يكرّس واقعاً أن القرار الأمني والعسكري سيبقى موزعاً بين الدولة ومجموعة مسلحة خارجة عن سلطتها. هذا الاختبار سيحدّد ما إذا كان لبنان قادراً على فرض سيادته الكاملة أو أنه سيبقى رهينة سلاح موازٍ يقيّد قراره.
● مخاطر حرب أو سلام: القضية على صلة وثيقة بمستقبل الحرب والسلم في لبنان. إسرائيل ربطت بوضوح أي انسحاب متبقٍ لقواتها واحترامها وقف إطلاق النار بتجريد حزب الله من سلاحه. في المقابل، حزب الله يبرر تمسكه بسلاحه بحجة الدفاع والردع وحماية لبنان.
إذا انهارت خطة نزع السلاح، سيتصاعد التوتر على الحدود وستستمر الضربات الإسرائيلية داخل لبنان، الأمر الذي يُبقي شبح الحرب قائماً وربما بصورة أشد إذا قررت إسرائيل أو الحزب تغيير قواعد الاشتباك مستقبلاً.
● الارتدادات الداخلية والاقتصادية: مصير هذه الخطة سيرسم أيضاً ملامح المشهد الداخلي اقتصادياً وسياسياً. فقد جعل المانحون الدوليون والمستثمرون الخليجيون أي دعم حقيقي للبنان مشروطاً ببسط سلطة الدولة وإصلاح الحوكمة. إذا أخفقت الحكومة في تنفيذ وعودها بحصر السلاح، ستُحجم الدول عن مساعدة لبنان، ما يعني تفاقم الانهيار الاقتصادي والمعيشي. كما سيؤدي الفشل إلى تعميق الاستقطاب الداخلي بين مناصري سيادة الدولة ومناصري “المقاومة”، وربما يفتح الباب أمام تغييرات جذرية في نظام الحكم كتصاعد دعوات الفيدرالية وما يشبهها، هرباً من معضلة سلاح حزب الله.
ما بين السطور:
● “تشاؤل” رسمي بمواجهة واقع صلب: رغم نبرة التفاؤل التي يروّج لها المسؤولون اللبنانيون عن «مسار لا عودة فيه» لوضع كل السلاح تحت إمرة الدولة، إلا أن الوقائع على الأرض تنبئ بمعركة إرادات معقّدة. الحكومة تؤكد أنها لا تنوي إشعال حرب داخلية، وتعوّل على حوافز اقتصادية وضمانات بانسحاب إسرائيلي لإقناع حزب الله. لكن في المقابل، يتصرف الحزب وكأن شيئاً لم يكن، يرفض الخطة ويستعرض قوته في خطاباته وتعبئته الشعبية، مرسلاً إشارة واضحة بأنه لن يسلّم سلاحه طوعاً. وأي محاولة من الدولة لفرض الأمر الواقع قد تُواجَه برد فعل عنيف من الحزب الذي يعتبر سلاحه مسألة حياة أو موت.
● معضلة الجيش اللبناني: الجيش مكلف بوضع الخطة التقنية لنزع السلاح، لكنه في وضع حساس. فرغم احترافيته وولائه الوطني، يضم في صفوفه كافة أبناء المجتمع اللبناني بمن فيهم الشيعة المقرّبون وجدانياً من بيئة حزب الله. يدرك القادة اللبنانيون والأميركيون على حد سواء هذه الحقيقة، لذا يجري الحديث عن تفكيك ترسانة الحزب بأسلوب تدريجي سلمي بدل المواجهة. فمن غير الوارد أن يدخل الجيش في حرب مع الحزب، إذ أن مجرد صدور أمر كهذا قد يهدد بانقسام داخله ويذكّر بمآسي الحرب الأهلية. لهذا، تراهن الدولة على تغيير حسابات حزب الله بالسياسة والاقتصاد، لا بالقوة، ريثما يقتنع جناح منه على الأقل بأن مستقبل الطائفة الشيعية مؤمَّن ضمن كنف الدولة لا خارجها. لكن حتى الآن، لا مؤشرات إلى تغير هذه الحسابات: فالحزب يراهن على أن لا أحد سيجرؤ فعلياً على القتال لنزع سلاحه، مستنداً إلى افتراض أن الدولة اللبنانية لن تنتحر بفتح حرب معه، وأن إسرائيل ليست بوارد شن حرب برية جديدة، وواشنطن لن ترسل المارينز إلى مستنقع لبناني جديد. هذه القناعة لدى قيادة الحزب وإيران من ورائه تجعل موقفه أكثر تصلّباً، وتفتح الباب أمام مأزق: الدولة لا تريد الحرب، والحزب يرفض التسوية، فما العمل؟
● مساران متعاكسان: النتيجة الفورية لعناد حزب الله قد تكون فرملة اندفاعة الدولة نحو تنفيذ الخطة فعلياً. فالحكومة، كي تتجنب الأسوأ، ربما ستدخل في مساومات خلفية مع الحزب أو حوار جديد حول استراتيجية دفاعية، وهو تكتيك اتُبع مراراً في الماضي لامتصاص الخلاف دون حل جذري. لكن هذه المرّة الضغط الدولي والمحلي أكبر، والوقت داهم: إسرائيل تربط تخفيف قبضتها عن لبنان بهذه الإجراءات، والشارع اللبناني المنهك اقتصادياً يتوق لأي بادرة إصلاحية تعيد الثقة بالدولة. لذا ستجد الحكومة نفسها بين نارَيْ التمسك بقرار تاريخي قد يشعل أزمة أمنية، أو التراجع عنه ما يفقدها صدقيتها. أي تنازل رسمي سيُعتبر انتصاراً لحزب الله يعزز موقعه، بينما الإصرار دون خطة بديلة ينذر بصدام أو شلل حكومي طويل. في الحالتين، المؤسسات الدستورية اللبنانية على المحك أمام هذا التحدي غير المسبوق.
السيناريوهات المحتملة:
1. تراجع رسمي وتجميد الخطة (العودة إلى المراوحة)
إذا قال حزب الله “لا” بصوت عالٍ، قد يتراجع الجانب الرسمي خطوة إلى الوراء لتفادي الاصطدام. قد تختار الحكومة تجميد خطة نزع السلاح مؤقتاً أو تمييعها عبر إحالتها إلى لجنة حوار، مما يكسب الوقت دون تنفيذ فعلي. في هذا السيناريو، الوضع يبقى على حاله: حزب الله يحتفظ بسلاحه ونفوذه الأمني، وربما تُقدِم الدولة مقابل ذلك تنازلات ضمنية كتجنّب إثارة الموضوع علناً أو وقف المطالبة الفعلية بالتنفيذ. مثل هذه النتيجة ستمثل انتكاسة لهيبة الدولة التي لن تبدو قادرة على فرض قراراتها السيادية. كما أنها ستُفقد لبنان مكاسب كان يمكن أن يجنيها: فالإسرائيليون لن يمضوا قدماً في الانسحاب عند غياب خطوات لنزع السلاح، ودول الخليج والغرب قد تجمّد عروض الدعم المالي طالما بقي قرار الحرب والسلم خارج يد الحكومة. بعبارة أخرى، سنعود إلى مربّع المراوحة ولكن ضمن ظروف أشد سوءاً اقتصادياً. ورغم أن هذا السيناريو يتجنب المواجهة المباشرة، إلا أنه يعني ضمناً انتصار نهج الأمر الواقع الذي يفرضه حزب الله، ما قد يدفع قوى سيادية أخرى في الداخل إلى اليأس وتصعيد خطابها ضد الحزب والمؤسسات الرسمية معاً.
2. مواجهة أمنية أو عسكرية
في حال تشدّد الطرفين وتصميم الدولة على التنفيذ الحرفي، قد ننزلق إلى مواجهة مسلحة محدودة أو شاملة. قد تبدأ بشرارة حادث أمني معزول، كاحتكاك على حاجز للجيش أو ضبط شحنة أسلحة، وتتدحرج نحو اشتباكات أوسع بين الجيش ومجموعات الحزب. حزب الله نفسه لمّح إلى هذا الخيار حين حذّر من حرب أهلية إن فُرض عليه نزع السلاح قسراً. في هذا السيناريو، سنكون أمام مشهد شبيه ببدايات الحرب الأهلية: انقسام عامودي في المجتمع، تصدّع في وحدة الجيش ربما، وعودة المتاريس والمتاريس المضادة. الدولة قد تتفكك، الاقتصاد سينهار كلياً وستجد القوى الخارجية منفذاً أكبر للتدخل. هذا السيناريو لا يريده أحد بوعيه، حتى حزب الله يدرك أن اندلاع قتال داخلي واسع يعني نهاية “الصيغة اللبنانية” التي يستفيد هو منها. لذا يُنظر إلى خيار الحرب كخط أحمر وخيار أخير. إلا أن تاريخ لبنان حافل بالحروب التي اندلعت رغماً عن الجميع نتيجة حسابات خاطئة أو استفزازات موضعية خرجت عن السيطرة. من هنا، يبقى خطر الانزلاق الأمني قائماً طالما التوتر بلغ هذا المستوى، ويستوجب حذراً شديداً من شرارة قد تشعل وتفجر قنبلة موقوتة.
3. أمر واقع: حكم ذاتي لحزب الله وتفكك ضمني للدولة
لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي، بل ترسيخ الأمر الواقع الحالي وتقنينه بشكل غير رسمي. بمعنى آخر، يستمر حزب الله بسيطرته الأمنية على مناطقه كدويلة ضمن الدولة، وتكتفي السلطات الشرعية بوجود شكلي في تلك المناطق دون قدرة فعلية. هذا السيناريو يعني عملياً استمرار تفكك سيادة الدولة اللبنانية على أرضها: الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت تتحول إلى مناطق ذات حكم ذاتي أمني يديرها حزب الله، بينما بقية المناطق تُدار نظرياً من الدولة المركزية. وبالتالي، هذا الوضع سيؤسس لمسار لبقية المكونات الطائفية، فإذا كان حزب الله لديه أمنه الذاتي للشيعة في مناطقه، فقد تسلك طوائف أخرى النهج ذاته في مناطقها فتشكّل حرسها وفرقها المحلية للدفاع الذاتي. وقد رأينا مؤشرات من هذا القبيل في بعض البلدات التي لم تعد تثق بقدرة الدولة على حمايتها، فلجأت إلى لجان أمنية أهلية. سيصبح لبنان فعلياً كانتونات، لكل منها أمنها واقتصادها وربما تحالفاتها الخارجية. وربما يروق ذلك لحزب الله، إذ يثبت سيطرته غير المنازع عليها في مربعه الخاص. إذاً، قد ينزلق لبنان تدريجياً إلى نظام أشبه بالكونفدرالية الواقعية غير المعلنة.
4. تصاعد الدعوات إلى النظام الفيدرالي
إذا استعصى نزع سلاح حزب الله، ستزداد جاذبية الخيار الفيدرالي كحل جذري. وبالفعل، الأصوات منذ سنوات ترتفع أكثر فأكثر، تقول إن الفيدرالية هي الحل طالما يستحيل إيجاد قواسم مشتركة بين مشاريع المكونات في لبنان، خصوصاً مشروع حزب الله. الفكرة تقوم على إعادة تقسيم لبنان سياسياً وإدارياً إلى كيانات تتمتع بصلاحيات حكم ذاتي واسعة لكل طائفة أو منطقة، بحيث يختار كل مكوّن نمط العيش والحكم الذي يريده في منطقته. نظرياً، يسمح ذلك بتجنب صدام مباشر: فمناطق نفوذ حزب الله يمكن أن تبقى مسلّحة ضمن كيان فيدرالي خاص بالشيعة، مقابل كيانات أخرى للمسيحيين والسنة والدروز تضمن لنفسها ابتعاد سلاح الحزب عنها. لكن هذا السيناريو محفوف بتعقيدات، كالتداخل السكاني والمناطقي في لبنان يجعل ترسيم حدود فيدرالية أمراً يحتاج إلى حوار وتوافق بين المكونات. رغم ذلك، قد تكسب الفكرة مزيداً من الأنصار كلما ترسخ الشعور بالانسداد، فهي بالنسبة للبعض الخيار الأخير قبل التقسيم الكامل أو الحرب الأهلية. وقد نشهد في المرحلة المقبلة ارتفاع نبرة الخطاب الفيدرالي في الأوساط المسيحية.
ما الذي ينبغي مراقبته؟
● خطوات ما بعد 31 آب: سيتم رصد ما إذا كانت الحكومة ستتبنّى خطة الجيش رسمياً وتطلقها للتنفيذ أم أنها ستؤجّل البتّ تحت وطأة الرفض المتوقع. أي بيان يصدر بعد اجتماع 31 آب سيكون مؤشراً هاماً: هل ستعلن الدولة المضي قدُماً بجدول زمني لنزع السلاح، أم ستختار العبارات المطاطية والدعوة لحوار مع الحزب؟
● موقف حزب الله الميداني: مراقبة تحركات الحزب خلال الفترة المقبلة ضروري. هل سيصعّد ميدانياً؟ أم يلجأ لتصعيد سياسي كمحاولة تعطيل عمل الحكومة والتهديد بإسقاطها؟ أي بوادر لتوتّر ميداني، ولو حادث أمني محدود، قد تكشف حدود نواياه.
● الحراك الدبلوماسي والاقتصادي الدولي: فهل سنرى تحرّكاً دولياً وخليجياً منسقاً يشترط على لبنان خطوات سيادية مقابل إعادة انخراطه في دعم اقتصاده المنهار؟ أي بيان يصدر عن جامعة الدول العربية أو الدول العظمى في الأسابيع المقبلة سيوضّح المدى الذي قد يذهب إليه المجتمع الدولي في تبنّي خطة 31 آب أو التراجع عنها.
● الوضع الداخلي والسلم الأهلي: سيظل اللبنانيون يراقبون بحذر مؤشرات الاستقرار الأمني في الشارع. أي اشتباك مسلح مفاجئ أو حادث أمني مرتبط بسلاح الحزب سيكون بمثابة جرس إنذار.
لبنان مقبل في 31 آب على تطورات من نوع آخر، نحو مجهول سياسي وأمني. رفض حزب الله المتوقع للخطة لن يكون نهاية المطاف، بل بداية مرحلة جديدة من التجاذب قد تطول. الخيارات تتراوح بين تسويات صعبة ومخاطر كبيرة، وفي كل منها لبنان الذي نعرفه اليوم سيكون مختلفاً غداً. الأيام والأسابيع المقبلة ستحمل الإجابة الأولى عن اتجاه البوصلة، فيما اللبنانيون عالقون بين استعادة حياتهم تحت راية القانون وبين سقوط الحجر الأخير في هذا النظام.