إستال خليل

"ريميكس" الأغنيات: إعادة إحياء أم تشويه؟

7 دقائق للقراءة

بين الأصالة والتجديد، يبقى النقاش قائمًا حول ما يُعرف بالـ "Remix" في عالم الموسيقى والأغنية، والذي يهدف إلى إعادة إحياء الإنتاجات القديمة بروح عصريّة جديدة. ثمّة من يرى في هذه التجربة جسرًا يربط الأجيال ويعيد إلى الواجهة أغنيات بنمط يناسب الزمن الحالي، في المقابل ثمّة فئة تعتبر "الريميكس" سببًا لتشويه الإرث الموسيقي إذا لم يُنفّذ العمل باحتراف واحترام للنسخة الأساسيّة. وهكذا تبقى الآراء متباينة بين الطرفَين اللذَين يلتقيان عند نقطة أساسيّة: الحاجة إلى تطوير الموسيقى بلغة يفهمها الشباب من دون إفقادها قيمتها الأصيلة.



"لا ينبغي أن يكون "الريميكس" سببًا لتشويه الأغنيات القديمة، بل وسيلة للحفاظ عليها وإبراز قيمتها الفنّية عبر استخدام تقنيات حديثة"، هذا ما قاله المطرب المخضرم غسّان صليبا عندما سألناه رأيه في تجديد الأغنيات التي مرّت عقود على إنتاجها بصيغتها الأصليّة. صليبا تابع شارحًا لـ "نداء الوطن" أنّ "إعادة تسجيل بعض الأعمال التي تميّزت بتكامل اللحن والكلمة والأداء، خطوة إيجابية، على أن يقتصر التغيير على التوزيع والتسجيل من دون المسّ بجوهر الأغنية وروحها الأصليّة".



جسر بين الأجيال

خاض الفنان غسان صليبا أخيرًا تجربة إعادة تقديم بعض أغنياته السابقة بروح العصر الحالي في تعاون مع المنتج الموسيقيّ ربيع صوما. يقول إنّه وافق على هذه الخطوة مشترطًا ألا ينتقص التجديد من قيمة الأغنية. في المقابل، يرى أنّ "الريميكس" جسر حقيقيّ بين الأجيال، إذ يتيح للشباب التعرّف على أغنيات مضى على صدورها أكثر من ثلاثين أو أربعين عامًا، ويعيد إليها الحياة بزخم جديد.

صليبا كان قدّم عام 2024، تجربة ناجحة في هذا المجال من خلال إعادة توزيع أغنيته الشهيرة "يا حلوي شعرك داري" (رفيق عويجان/ملحم بركات) وشاركته في غنائها بالنسخة المجدّدة رنا زيدان. ثم أطلق مطلع هذا الصيف، نسخة جديدة من أغنية "يا وجه السعد" (شفيق المغربي/نور الملّاح) وصوّرها "فيديو كليب" تعرضه "mtv"، مؤكّدًا أنّه حافظ على النسخة الأصليّة إلى جانب النسخة الجديدة التي لاقت إقبالًا جماهيريًا.


المطرب غسان صليبا الذي أطلق أخيرًا أغنية جديدة بعنوان "طلّة أميرة" (ربيع صوما)، أكّد أنّ الأغنيات تُعتبر ملكًا للجمهور، لكن أي إعادة طرح لها تستوجب موافقة الفنان الأصليّ، مضيفًا أنّ الأغنية تبقى حيّة متى اجتمع فيها مستوى مميّز في الشعر واللحن والأداء، عندها لن تتراجع قيمتها مع مرور الزمن. وكشف صليبا عن رغبته في إعادة توزيع أغنيته المعروفة "لو بيكون عليّي الحق" (جورج العشّي/ملحم بركات).



الموسيقى هويّة لا موضة

المنتج الموسيقيّ ومصمّم الذكاء الاصطناعي ربيع صوما، قال من جهته لـ "نداء الوطن"، إنّه يرى في الموسيقى ذاكرة وحضارة وثقافة، أكثر من مجرّد ألحان وكلمات. وأوضح أنّ مشروعه الفني يقوم على تقديم أغنيات جديدة بخطّ مختلف، إلى جانب إعادة إحياء أعمال كلاسيكية خالدة، مستخدمًا أحدث التقنيّات بهدف تقريبها من إحساس الجيل الجديد، مع الحفاظ على أصالتها الفنية.


صوما رأى أنّ "انتشار "الريميكسات" في الساحة الفنية عكس حاجة طبيعيّة إلى تطوير التراث بلغة تناسب العصر"، معتبرًا أنّ "هذه التجربة لا تنجح إلا عندما تُبنى على فهم عميق لهويّة الأغنية". وأكد أنّ "الريميكس الناجح يحافظ على اللحن الأساسي وروح الكلمات، ويضيف إليها أبعادًا إنتاجية معاصرة، فيما يتحوّل إلى تشويه عندما يطمس شخصيّة العمل".


من جهة ثانية يرى صوما أنّ "الشباب وجد في "ريميكس" الأغنيات وسيلة لاكتشاف الأغنيات القديمة بلمسة فنّية حديثة، وهو ما جعلها أقرب إلى مزاجه اليومي". وأكد أنّ "هذه الصيغة قادرة على إعادة الأغاني الكلاسيكية إلى الواجهة شرط أن تتمّ إعادة التوزيع الموسيقي بروح إبداعية لا بهدف مجاراة الترند". ويلفت إلى أنّ استخدام أدوات مثل الذكاء الاصطناعي أو الـ "Auto-Tune"، يفتح آفاقًا جديدة إذا استُخدمت بوعي لإبراز جمال الأغنية، لكنه يفقدها "إنسانيّتها" إذا جاء الاستخدام مفرطًا.



ويحرص صوما على التأكيد أنّ "احترام حقوق الفنانين يبقى أساس نجاح أي تجربة"، موضحًا أنّ "الحصول على إذن الفنان الأصلي أو ورثته يخلق تعاونًا حقيقيًا ويمنح العمل قيمة إضافية". وعن تفاعل الجمهور، قال صوما إنّ "المستمع العربي بات أكثر انفتاحًا على "الريميكسات" بفضل المنصّات العالمية، لكنه ينجذب أكثر إلى الأعمال التي تحافظ على الهويّة الشرقيّة وتدمجها بإيقاعات حديثة". 

أما في ما يتعلق بمشاريعه الجديدة، فكشف صوما أنّه يعمل على متابعة إعادة توزيع بعض أغنيات الفنان غسان صليبا، وبعد "يا وجه السعد"، يعمل على "لو بيكون عليّي الحق"، إضافةً إلى مشاريع مع فنانين آخرين. كذلك يعمل على إعادة تقديم مجموعة من الأغنيات الكلاسيكيّة العربيّة بجودة إنتاجية عالمية، بما يتيح لها تحقيق منافسة قوية على الساحة الدوليّة.



لمسة إلكترونية بروح عربية

"باتت "الريميكسات" مسيطرةً على الساحة الموسيقيّة، إمّا أن تقبل بها أو تبقى خارج اللعبة"، هذا ما يقوله منسّق الأغنيات (DJ) والمنتج الموسيقيّ Always April، الذي خاض بدوره تجربة "ريميكس" العديد من الأغنيات المعروفة. يعتبر الفنان الشاب أنّ موسيقاه جمعت بين الصوت الإلكتروني العالمي واللمسة العربيّة لتشكّل هويّة فريدة. ويوضح أنّ أعمالًا مثل "تي را را" (مع المغنّي بشّار الجواد) و "Allo" (للمغنّي التونسي بلطي) وصلت إلى ملايين المستمعين.


وعن انتشار "الريميكسات" حاليًا في عالم الموسيقى والأغنيات، يرى Always April أنّ هذا التوجّه يعكس رغبة الجمهور في الاستماع إلى الأغنية بأشكال متعددة. وأضاف أنّ "منصّات مثل "تيك توك" و "إنستغرام" جعلت من "الريميكس" وسيلة قويّة لإحياء الأغنيات القديمة وتقديمها لجيل جديد".




الصوت المعاصر بالإحساس الأصلي

الفنان اللبناني Always April الذي اختار اسمه الفنّي من شهر نيسان الذي وُلد فيه ويعتبره شهر البدايات الجديدة والطاقات الإيجابية، يشدّد على أنّ "الريميكس الناجح لا يحلّ مكان النسخة الأصليّة للأغنية بل يمنحها قصّة أخرى"، مشيرًا إلى أنّ "الجيل الجديد عاد إلى الأغنيات القديمة عبر "الريميكس"، الذي مزجت الصوت المعاصر مع الحفاظ على الإحساس الأصلي، وهو ما منح الأغنيات الخالدة حياة جديدة".


ويذهب المنتج الموسيقيّ الشاب أبعد من ذلك حين يشير إلى أنّ "الريميكسات لامست ذاكرة الناس وعواطفهم، فأعطت الروائع القديمة صوتًا جديدًا يقرّبها من جيل اليوم". ومن منطلق الاحترام، يشدّد Always April على أنّ الحصول على موافقة صاحب العمل الفني الأصليّ، هو دائمًا الأفضل لأنه يحمي قيمة العمل ويؤدّي إلى نتيجة أفضل.



أما عن كيفيّة اختياره الأغنيات التي ينوي تجديدها، فكشف أنّه يحدّد ما سوف يقدّمه بحسب ما يشعر أنّ الجمهور يحتاج إلى سماعه في لحظة معينة، مضيفًا أنّه نفّذ الكثير من الأعمال لكنّه لم يُصدرها جميعها، محتفظًا ببعضها لنفسه.



يقرّ Always April بأنّ الذكاء الاصطناعي بات حاضرًا في صناعة الموسيقى كما في كلّ المجالات، لكنه يشدّد على أنّه لن يستطيع أن يحلّ مكان المشاعر الإنسانية. ويقول إنّ الجمهور العربيّ بات أكثر انفتاحًا على "الريميكسات"، بل يطلبها اليوم أكثر من أي وقت مضى، مبديًا إعجابه بمدى تقبّل الناس للموسيقى. ويوضح أنّ هذه الأعمال المُجدَّدة تتوجّه بشكل أساسي إلى الجيل الشاب، لكنها في الوقت نفسه تمنح الجيل الأكبر سنًّا جرعة من الحنين الذي ساهم في نجاحها، مؤكّدًا أنّ "الريميكس" عرّف الشباب على أغنيات قديمة كادت تُنسى، وساهم في كسب مؤدّيها الأصليّين جمهورًا جديدًا.



أما بالنسبة للأغنية التي أحدثت تغييرًا في مساره الفنّي، فيرى Always April أنّها أغنية "Allo"، لكنّه يقرّ بأنّ أغنية "تي را را" شكّلت نقطة التحوّل الأكبر في حياته، كاشفًا في المقابل أنه من أشدّ المعجبين بالفنانة شيرين، وأنّ أغنيتها الشهيرة "آه يا ليل" كانت من أبرز الأعمال الغنائيّة التي حلم بإعادة توزيعها.


إذًا، إعادة إطلاق الأغنيات بروحيّة موسيقيّة معاصرة عملٌ فنيّ لا تقلّ قيمته عن ابتكار الأغنيات وولادتها الأولى، لكن تبقى العبرة في كيفيّة التنفيذ وعدم إفقاد العمل الهويّة الأصليّة والأصيلة التي وُلد بها.