نعيش اليوم لحظات تُثير القلق، تكاد تُعيدنا إلى صيف 1982: دولة معلّقة بقرارات مصيرية، وطبقة سياسية تُتقن إدارة الفراغ، وسؤال بنيوي مؤجَّل منذ عقود. وكما في تلك الحقبة، تتوالى كل أنواع التهديدات الأمنية، فيما الداخل يتشظّى بين من يراهن على "مقاومة" بلا تفويض ولا إجماع ولا تستطيع أن "تقاوم"، وبين من يستصرخ دولة مركزية عاجزة حتى عن توحيد معنى السيادة بين مكوّناتها.
أوجه التشابه
أولاً: السلاح والحدود.
حين حوّل اتفاق القاهرة عام 1969 لبنان إلى منصّة لحروب الآخرين، انكشفت حدوده وسقط أمنه. واليوم، وبعد حرب 2024 وهدنتها الهشّة، يتكرّر المشهد بصيغة أخرى: سلاح حزب الله جرّ البلد إلى استنزاف مدمِّر، قبل أن ينكفئ تحت فائض القوّة الإسرائيلية، تاركاً دولة منهكة، وجنوباً وجنوبيين منكوبين، وإصراراً على عدم تسليم السلاح، خارج أي إطار طبيعي ومنطقي، فكشف الحدود واستباح الأمن والأمان.
ثانياً: النظام المعطَّل.
كما في السبعينيات والثمانينيات، يتولّى زعماء النظام المركزي المتداعي مهمة التناحر والتعنّت على حساب التسويات الكبرى الحقيقية، مع عدم وجود قرارات نافذة فوق الجميع. ثم جاء اتفاق الطائف، الذي خُتِم به نزيف المرحلة السابقة، ليحوِّل نهاية الحرب إلى بداية عجزٍ مُزمن: دولة على الورق، ومزرعة في الواقع، بلا مؤسسات فاعلة ولا قدرة على نزع السلاح في ظل واقع حكم الطوائف وما يُسمّى بالديمقراطية التوافقية، التي هي نتيجة متوقعة من نظام مركزي مكوّناته المؤسِّسة متعددة الهويات والمشاريع.
ثالثاً: الموقف المسيحي.
عام 1982 ظنَّ المسيحيون أن الفرصة سانحة لاستعادة القرار، فإذا بالحلم يُغتال ويولد ميزان قوى جديد. واليوم يتردّد الصدى ذاته، ويستمر الخطاب المسيحي "الدولتي" المستحيل تحت النظام المركزي الحالي، متناسين دروس الماضي العميقة بأن لبنان لا يُحكَم بالدساتير ذات الأنظمة التي تُنتِج قراراتها السياسية مركزياً، ولا يمكن للمسيحيين أن ينفّذوا طموحاتهم وازدهارهم الذي يتوقون إليه، ضمن هذا النظام القاتل للإنتاجية والقرارات الشجاعة والحاسمة. ولعلّ العطب الأساسي الذي لا أحد يتكلّم عنه هو أنّ لا شيء يُنجَز بقوة الدولة، والأحداث الأخيرة كانت كفيلة بإظهار أن رغم إجرام حزب الله، لم تستطع الدولة إيقافه، بل أتت إسرائيل وفككته بقدراتها الكبيرة، كما حصل في 1982 عندما طردت منظمة التحرير من لبنان.
ومنذ العام الماضي والدولة تترنّح محاولةً إظهار قوّتها الذاتية، التي هي موضع تساؤل إذا أردنا عدم التلطي وراء خطابات وأوهام قد يصدّقها بعض السذّج، لكن لا تمرّ علينا.
غير أنّ لبنان اليوم ليس مضطراً لإعادة إنتاج مأساة 1982، فالخبرة القاسية رسمت خريطة خلاص واضحة:
• فكّ الارتباط بين الدولة وأي سلاح موازٍ عبر خطوات مُلزمة وقواعد اشتباك اتحادية لا يُمليها فريق على آخر.
• انتقال مُنظَّم (بالحوار وبالسياسة وبالأمر الواقع) إلى الفدرالية التي تُشرعن الحكم والأمن الذاتي ضمن أطر واضحة، فتُنهي احتكار القرار المركزي وتحوّل العيش المشترك من مساكنة قسرية إلى شراكة إن أرادتها جميع المكوّنات.
الفدرالية أو الكونفدرالية ليست شعاراً انفعالياً ولا وَهماً رومانسياً، بل مشروع استقرار يعالج الخلل البنيوي الذي أنتج وأعاد إنتاج المآسي والتسويات الهشّة في 1958، 1969، 1975، 1982، 1989، ثم 2006 و2008 وما بينهما من أمراض مزمنة، وأخيراً 2024 حتى اليوم. كلّما احتكرت أي من الطوائف القرار العام، انفجرت الدولة. لكن إذا ارتكز الداخل إلى عقد اتحادي صريح، توافرت السيادة وصار الازدهار ممكناً.
العمى السياسي أخطر من الاجتياح: لبنان بصيغته الحالية هو آلة إعادة إنتاج المآسي
إنّ ما يُشبه 1982 اليوم ليس القصف ولا الاجتياح، بل العمى السياسي: إنكار الحقيقة أن لبنان بصيغته الراهنة هو آلة تُحوِّل الخلاف إلى حرب ونزاعات وأزمات وجمود واستنزاف.
إمّا أن نجدّد الصيغة نحو كونفدرالية سياسية تُحصّن سيادة كلّ مكوّن وتُحيّد المناطق، وإمّا سنبقى نكتب عن تاريخ مليء بالأعطاب المفتعلة والفرص الضائعة ذاتها بعد كل دورة دمار.
الخيار الآن، لا بعد العاصفة.