الدكتور سايد حرقص

اختلفنا على بشير الإنسان.. فهل نتفق على بشير المشروع؟ .... لننقذ لبنان

5 دقائق للقراءة

في كل أيلول، يتجدد الجدل حول شخصية الرئيس الشهيد بشير الجميل، فبين من يدفعه حبه ليضعه في مصاف القديسين وبين من يدفعه كرهه ليصنفه مع الشياطين، وهذا ما يؤدي بحسب مقال قرأته لابن صديقي شربل صياح الى تضييع الفرصة الثمينة للنقاش الموضوعي والعقلاني الحر حول مشروع بشير الجميل السياسي لبناء وطن يعيش فيه الجميع بحرية وكرامة وبحبوحة. ألم يحن الوقت لنتجاوز العاطفة وندخل زمن العقلانية للتعرف إلى رؤيته ومشروعه؟، خصوصًا في ظل الأزمة الوجودية التي يمر بها لبنان اليوم. فهل يمكن لمشروعه أن يقدم خارطة طريق للخروج من الانهيار، بناءً على عقد اجتماعي جديد يتجاوز ثنائية ميثاق 1943 وفوضى الطائف؟



​طرح الرئيس الشهيد بشير الجميل منذ انتخابه في 23 آب 1982 مشروعًا واضحًا يهدف إلى بناء دولة المواطنة والمؤسسات بدلًا من دولة الزبائنية والمحاصصة الطائفية.


كانت رؤيته تقوم على احتواء حساسية التعددية اللبنانية ضمن إطار وطني موحد، يحافظ على مميزاتها لكنه لا يسمح لها بالتحول إلى مصدر انقسام. ففي خطابه أمام نقابة المحامين، أكد على هذا المفهوم بوضوح: "لا نريد لبنان مزرعة، نريد لبنان وطنًا. لا نريد لبنان ساحات، نريد لبنان دولة. لا نريد لبنان مجموعة طوائف، نريد لبنان شعبًا واحدًا، مجتمعًا واحدًا."



​لقد أيقن أن التعددية اللبنانية، رغم كونها مصدر قوة، قد تتحول إلى لعنة إذا لم تُضبط بقوانين الدولة. ولهذا كان حريصًا على الفصل بين الحرية والفوضى، وبين التعددية والانقسام: "لبنان بلد الحريات، لكن الحرية لا تعني الفوضى. لبنان بلد التعدد، لكن التعدد لا يعني الانقسام. لبنان بلد التنوع، لكن التنوع لا يعني التشرذم."



​كانت رؤيته تتجه نحو دولة حديثة تقوم على الكفاءة والمساءلة، حيث يكون الوزير مسؤولًا أمام الدستور والشعب، وليس أمام حزبه أو طائفته. هذه الرؤية كانت تهدف إلى القضاء على عقلية "المزرعة السياسية" التي تسيطر على المشهد اللبناني حتى اليوم.



​لم يكن مشروع بشير الجميل مجرد خطاب سياسي، بل رؤية ثقافية واجتماعية تسعى لتأسيس عقد اجتماعي جديد بين مكونات المجتمع اللبناني، مبني على الاحترام والمصارحة بعيدًا عن تفاهمات ميثاق 1943 الظرفية الهشة. هذا العقد الجديد كان يهدف إلى حماية التعبير عن الاختلاف بدلًا من قمعه. يتجلى هذا المبدأ في مقولته الشهيرة التي وردت في كتاب الدكتور جورج فريحة "مع بشير": "لا أوافق على كلمة تقولها، لكني أستشهد حتى الموت لأفسح لك المجال للتعبير عنها." هذه العبارة تلخص فلسفته في التعامل مع الآخر، وتؤكد على ضرورة وجود مساحة آمنة للحوار، حتى لو كان الاختلاف جذريًا. كما أنه كان يؤمن بأن مواجهة الحقيقة، مهما كانت صعبة، هي السبيل الوحيد للبقاء: "إذا صعب قول الحقيقة، فقولوها، لأن التغاضي عنها أصعب بكثير من قولها."



​تتجسد رؤيته للسيادة الكاملة في خطابه الذي لم يُكتب له أن يلقى، حيث شدّد على ضرورة انسحاب جميع القوات الأجنبية من كامل مساحة الوطن، أي من 10452 كلم²، ليتسنى للجيش اللبناني وأجهزة الدولة بسط سلطتها الشرعية. لقد شكّل هذا النص أشبه بنبوءة استباقية لما نعيشه اليوم من تدخلات خارجية متزايدة وضعف مؤسسات الدولة أمامها. لقد تعمّد بشير تذكير اللبنانيين بمساحة وطنهم بدقة كجزء من خطة شاملة تهدف إلى ترسيخ مبدأ المواطنة والانتماء الوطني، بعيدًا عن الحسابات الطائفية والولاءات القومية الضيقة.



​بعد أكثر من أربعة عقود على رحيله، يواجه لبنان أزمة وجودية شاملة. إن الفساد، وانهيار المؤسسات، وضعف السيادة نتيجة الهيمنة الإيرانية والتهديدات الإسرائيلية والضغوطات الأميركية، وتشرذم الهوية الوطنية، كلها تحديات لا تزال قائمة. يبدو خطاب بشير وكأنه كُتب للبنان اليوم، وليس للبنان الثمانينيات.



​إنّ مشروع بشير كان يهدف إلى بناء دولة، لا إلى مجدٍ شخصي. وربما آن الأوان أن يخرج اللبنانيون من عبثية الجدالات العاطفية العقيمة بين التقديس والشيطنة، ويتركوا بشير الإنسان وبشير الرئيس الشهيد بين أحضان الله والتاريخ، ليبدأوا بالتعرّف عن قرب على مشروعه لبناء الدولة، والعمل على مناقشته بشكل علمي، موضوعي وعقلاني، ودراسة طروحاته وخططه لإنشاء دولة عصرية تتلخص في إيمان جماعي بنهائية الكيان اللبناني ضمن حدوده الدولية 10452 كلم²، وسيادة كاملة على التراب والبحر والجو يكفلها جيش وطني قوي مجهز بأحدث الأسلحة وأفضل التدريبات، ودولة مؤسسات قائمة على المحاسبة، ومحاربة الفساد، وحماية التعددية اللبنانية من خلال عقد اجتماعي جديد قائم على الاحترام والصراحة، وحريات دينية وثقافية وسياسية واجتماعية مصونة بالدستور، وقضاء مستقل ونزيه، وإدارة منتجة في خدمة المواطن، وعلاقات ممتازة وندية مع المحيط العربي، وانفتاح على دول العالم، ومستوى تعليمي راقٍ، ومستوى استشفائي مميز، وتشجيع الرأسمال اللبناني في الخارج على تنشيط الاستثمار في لبنان ودعم الاقتصاد والصناعة والتجارة والخدمات.



​السؤال المطروح اليوم ليس عن شخصية بشير، بل عن خطته لبناء لبنان كدولة قوية قادرة على حماية أبنائها؛ دولة لا تتأثر أساساتها الوطنية بزلازل الشرق المتكررة. فهل يمكننا أن نستلهم هذه المبادئ ونحوّلها إلى برنامج إنقاذي للبنان الغارق في الانهيار؟ أم أنّ مشروع الدولة سيبقى حبيس الذكريات، في انتظار قائد يجرؤ على حمله؟