لا شك أن الدولة اللبنانية، (من رئيس الجمهورية إلى رئيس الحكومة والوزراء، باستثناء وزراء الثنائي الشيعي)، أبدت جرأةً غير معهودة في التصدي لملف سلاح حزب الله. لذا من واجبنا دعم هذه الجهود ودعوة الحكومة إلى الثبات، فنجاحها يعني استعادة الدولة احتكارها للقوة وإنهاء حالة السلاح الموازي التي قيّدت قرار لبنان طويلاً. ومع ذلك، يرافق هذا الدعم الكثير من الحذر، فالعقبات أمام تنفيذ الخطة شائكة ولا يجوز تجاهلها، وأبرزها:
• تعنّت حزب الله وتهديداته: الحزب أعلن بوضوح رفضه التخلي عن سلاحه واعتبر الخطوة "خدمة مجانية لإسرائيل" بل إن الشيخ نعيم قاسم اتهم الدولة بتسليم لبنان لإسرائيل. الأخطر أن الحزب يُلَمّح ضمناً إلى استخدام العنف الداخلي، فهو يتوعّد باحتجاجات في الشارع وربما أكثر إذا استشعر مضي الدولة قدماً في نزع سلاحه. وقد شهدنا انسحاب وزرائه من الحكومة كرسالة تهديد سياسي، كما انتشر الجيش احترازياً في بعض مناطق بيروت تحسّباً لأي اضطرابات. إذاً، الخطر الأمني الداخلي حاضر، والذاكرة اللبنانية مثقلة بالتجارب، ولا أحد يرغب في أن تتكرر.
• تعهدات متبادلة مشروطة: يقوم جزء من الخطة على معادلة الأمن مقابل الأمن مع إسرائيل برعاية أميركية. لكن حتى الساعة، لم تظهر إسرائيل التزاماً واضحاً بوقف ضرباتها الجوية والانسحاب من المواقع المحتلة في الجنوب. في الأيام الأخيرة فقط، استمرت الطائرات المعادية بشن غارات شبه يومية أسفرت إحداها عن سقوط أربعة قتلى. تحتاج بيروت إلى ضغط دولي ملموس على تل أبيب للمضي في التزاماتها بالتوازي.
• قدرات الجيش ولوجستيات التنفيذ: الجيش اللبناني، وإن أثبت مهنية وولاءً وطنياً، يرزح تحت إمكانات محدودة. معلومات الخطة تشير إلى أن القيادة نفسها نبّهت الحكومة إلى حاجتها وقتاً وجهداً إضافيين لإنجاز المهمة ضمن الموارد المتاحة. فلا بد إذاً من تأمين دعم تقني ولوجستي ومادي سريع للجيش.
رغم ذلك، لا يزال في الأفق بارقة أمل مشوبة بالحذر. فالدعم الدولي واضح وصريح، من البيت الأبيض والكونغرس إلى العواصم العربية والخليجية، وهناك إجماع داخلي وازن من معظم القوى المسيحية والسنية والدرزية على تأييد الخطة. وبموازاة ذلك، بدأت أصوات من قلب البيئة الشيعية نفسها تتململ، ولو بخجل، من أثمان مغامرات الحزب. هذا الزخم ينبغي أن يبقى عنصر قوة لخطوات الحكومة الإصلاحية. ولكن إذا تراجعت السلطة تحت الضغط أو راوحت دون حسم، فالمخاطر جسيمة: عندها سيفهم الحزب أنه استطاع إملاء إرادته.
على ضفة موازية للنقاش حول السلاح، يطفو إلى السطح مشروع الفيدرالية كطرح سياسي لعلاج أزمات لبنان المستعصية. الفكرة ببساطة تقوم على إعادة تقسيم لبنان إدارياً وسياسياً إلى كيانات تتمتع بحكم ذاتي واسع لكل طائفة أو منطقة، بحيث يختار كل مكوّن شكل العيش والإدارة الذي يرتئيه في منطقته. ويؤمن مؤيّدو هذا المشروع أنه قد يجنب البلد تكرار المصائب المفتعلة.
حق تقرير المصير المحلي يُشبه إلى حد ما ما يتمتع به أكراد سوريا ودروز جبل العرب مؤخراً من إدارة ذاتية لشؤونهم. فهو يعيد الطمأنينة لكل مكوّن بأن مستقبله ومستقبل أولاده لن يبقى رهينة مغامرات فريق آخر أو نزوات مركزية فاشلة.
لكن، وبكل واقعية وحرص، علينا الإقرار بأن طرح الفيدرالية اليوم يواجه عوائق تجعل توقيته للأسف غير ناضج. نعم، نحن منحازون تماماً لهذا المشروع ونؤمن أنه السبيل لبناء "كونفدراليات متحضرة مزدهرة يطمح أبناؤها للعيش فيها" ولكن يجب أن نقرأ المعطيات بموضوعية:
• قد يستخدم البعض طرح الفيدرالية الآن كحجة مضادة، لذا قد يكون من الحكمة تكتيكياً تأجيل الدفع باتجاه الفيدرالية ريثما يُحسَم ملف السلاح، حتى لا يُفهَم وكأنه مشروع انشقاق بديل عن حل مشكلة حزب الله جذرياً.
• الفيدرالية ما زالت كلمة تستفز مخاوف شريحة من اللبنانيين، خاصةً من اعتادوا ربطها بشبح التقسيم والحرب الأهلية. كثيرون، بينهم بعض حلفائنا، يحتاجون إلى طمأنة وتثقيف حول مفهوم الفيدرالية العصري (المختلف تماماً عن مشاريع التقسيم السابقة). أضف أن التداخل السكاني والمناطقي المعقّد في لبنان سيجعل رسم حدود الكيانات مهمة دقيقة تتطلب حواراً وطنياً هادئاً وتوافقاً شاملاً. وهذا الأمر شبه مستحيل في أجواء التوتر والتخوين الراهنة. ناهيك بأن أي محاولة فرض أمر واقع فيدرالي من طرف واحد الآن قد تُقابل بعنف وترتد سلباً على أصحابها.
• اليوم هناك وجود لحلفاء أقوياء في مواقع السلطة المركزية (رئاسة الجمهورية والحكومة وقيادة الجيش حالياً). هؤلاء يبذلون قصارى جهدهم لنزع سلاح حزب الله ضمن صيغة الدولة الحالية. فمن باب الأولويات دعمهم في هذه المعركة الوجودية الآن، بدل تشتيت الجهود بفتح معركة نظام الحكم. يمكننا مواصلة التبشير بالفيدرالية كمبدأ، لكن طرحها عملياً على الطاولة الآن قد يُضعف جبهة الحكومة الإصلاحية ويعطي خصومها ذريعة لضربها.
هذا لا يعني أبداً التراجع عن مشروعنا أو اعتباره ورقة محروقة. على العكس تماماً، إنه حقنا الطبيعي في رسم مستقبل مناطقنا وأجيالنا، ولن نتخلى عنه. لكن الحكمة تقضي بأن نختار التوقيت المناسب والمعركة المناسبة. قد لا يكون الوقت مواتياً اليوم لإقرار الفيدرالية دستورياً، لكن يجب إبقاء المشروع حياً من خلال النقاشات السياسية الهادئة والبناءة في المنتديات والجامعات ووسائل الإعلام والصحف. وعندما تنجلي العاصفة الحالية، بنجاح خطة نزع السلاح أو لا سمح الله بتكريس أمر واقع جديد، سيحين حينها لحظة حوار صريح حول نظامنا السياسي. عندها، سنطرح رؤيتنا للفيدرالية كخيار إنقاذي لمنع تكرار دوامة الانهيارات والحروب التي عاشها لبنان في ظل المركزية الهشّة. فكما قلنا مراراً: الصيغة المركزية الحالية أشبه بكارثة مفجعة تتكرر مرة بعد مرة، دولة عاجزة، وشعب معلق بين انفجار وآخر. لا نريد لأبنائنا أن يرثوا هذا القدر التعيس.
لا تراجع عن الحلم ولا عن الدولة
الحكومة، مدعومة بغطاء دولي وشعبي، تحاول اقتلاع ورم السلاح الذي نهش من حياتنا بما يكفي. سنقف معها ونساندها، لكن بعين يقظة وعقل بارد. فإذا نجحت، وهذا ما نأمله، نكون قد اقتربنا من لبنان الجديد الذي نحلم به، لبنان القانون والمؤسسات الذي لا يتحكّم فريق واحد بمصيره. وحينها سيكون الطريق ممهداً لنقاش هادئ حول إعادة صياغة العقد الاجتماعي باتجاه نظام فيدرالي حديث يضمن عدم إعادة إنتاج أزماتنا. أما إذا تعثرت تلك الجهود وفشلت الدولة مرة أخرى في بسط سلطتها، فلا ينبغي أن نستكين لليأس أو نتراجع. بالعكس، سيكون ذلك أكبر دليل على ضرورة تغيير النظام المركزي الفاشل. وربما سنجد أنفسنا أمام واقع يشبه ما حذّر منه البعض: حكم ذاتي لحزب الله مقابل حكم ذاتي للآخرين في كانتونات مقنّعة. فإن كان لا بد من هكذا واقع، فلنطالب به علناً وبشكل منظم في إطار فيدرالي دستوري عادل بدل تركه يتسرّب فوضوياً على الأرض.
في كل الأحوال، يبقى موقفنا المبدئي ثابتاً: ندعم اليوم، أي جهد لتعزيز سلطة الدولة ونزع فتيل وتداعيات خيارات حزب الله، ولكن واليوم أيضاً، نتمسك بحقنا في تقرير مصير مناطقنا. قد يطول الطريق وتكثر المطبات، لكن الحوار الوطني حول مستقبل النظام اللبناني يجب أن يبدأ من الآن، ولو همساً. وعندما تنضج الظروف لطرح الفيدرالية على بساط البحث، سنكون جاهزين بالحجة والبرهان بأنها الوصفة الوحيدة لإنقاذ كل المكونات عبر تنظيم الاختلاف ضمن نظام عادل يسمح بالازدهار والتطور.
وكما يحمل أيلول بشائر الخلاص من السلاح بإذن الله، قد يحمل المستقبل القريب بشائر الخلاص من عقلية المركزية القاتلة ووضع أسس لبنان الجديد الذي يستحقه أبناؤنا. فما نطالب به ليس امتيازاً ولا منّة من أحد، بل حق شعب حر في أن يعيش كريماً آمناً في ظل نظام سياسي يصون كراماته وتعدديته. هذا الحلم لن يموت، بل سنورثه لكل مؤمن بأن حان وقت الانتقال إلى تركيبة ضامنة وثابتة، ليست مبنية على رمال متحركة، بل على صخور جبالنا التي صمدت كل هذه القرون.