في خضم النهضة الاقتصادية التي شهدتها سوريا في منتصف القرن العشرين، وُلدت تجربة رائدة تُعدّ من أضخم المشاريع الصناعية في تاريخ البلاد: الشركة الخماسية (لصناعة النسيج). تأسست هذه الشركة بين عامي 1945 و1946، مواكبةً للاستقلال، بمبادرة من خمس عائلات سورية تعمل في قطاع التجارة، لتُصبح سريعًا نموذجًا يُحتذى به في التطوير الصناعي والإدارة الحديثة، حيث وفّرت عددًا كبيرًا من فرص العمل، واعتمدت أعلى معايير الإنتاج، وكانت من أوائل المنشآت التي تبنّت الأساليب والتقنيات الصناعية الحديثة في سوريا.
لكن هذه التجربة لم تدم طويلًا. ففي تموز 1961، وخلال فترة الجمهورية العربية المتحدة، صدر قرار مفاجئ وصادم من الرئيس جمال عبد الناصر بتأميم الشركة الخماسية، في إطار حزمة من السياسات الاشتراكية، أدّت إلى مصادرة ممتلكات خاصة، ونقلت الاقتصاد السوري، بين ليلة وضحاها، من اقتصاد حرّ إلى اقتصاد موجّه تتحكّم به الدولة.
لقد مثّل تأميم "الخماسية" حالة دراماتيكية لتجربة غير مدروسة في تغيير طبيعة الاقتصاد السوري، وذلك بخلفية بحت "عقائدية" من دون تقييم حقيقي للأثر على الإنتاج، والاستثمار، وثقة السوق. وكما حدث مع مؤسسات أخرى تم تأميمها حينذاك، تحوّلت "الخماسية" من قصة نجاح إلى قصة تراجع، ووقعت فريسة البيروقراطية، والتآكل الإداري، وغياب الرؤية، وضعف المبادرة، حتى أُصيبت بالشلل الكامل.
واليوم، وبعد عقود من الاقتصاد المغلق، ومع التحولات السياسية الجذرية التي شهدتها سوريا، بدأ يتبلور مناخ اقتصادي جديد، لا سيما في ظل انتقال في البنية والنظام الاقتصادي نحو مزيد من الانفتاح والليبرالية.
لقد بدأت مؤشرات هذا التحوّل بالظهور من خلال قرارات جديدة في مجالات الاستثمار، والتجارة، والضرائب (مثل قانون الاستثمار الجديد، وقانون الضريبة، الخ.)، بالتوازي مع عوامل خارجية، كرفع العقوبات، وتوقيع اتفاقيات استراتيجية (أبرزها التفاهمات الاقتصادية الأخيرة مع المملكة العربية السعودية بقيمة 24 مليار ريال سعودي وغيرها) والتي من شأنها أن تهيّئ مناخًا استثماريًا واعدًا. ويأتي ذلك ضمن توجه أوسع نحو تحرير السوق، وتمكين القطاع الخاص ليكون المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي.
إن الخروج من نظام اشتراكي مغلق استمر لعقود يتطلّب خطة خماسية (أي خطة خمسية تمتد لخمس سنوات) واضحة ومدروسة، تضمن انتقالًا آمنًا ومريحًا نحو نظام اقتصادي ليبرالي، من خلال تهيئة استراتيجية ومناخ استثماري متدرج، يشمل مثلًا حماية بعض القطاعات الإنتاجية الوطنية كالصناعة والزراعة، وتنظيم التجارة والعلاوات الجمركية المرتبطة بها (كتخفيضها على المواد الخام ومدخلات الإنتاج، ورفعها بشكل مدروس على المنتجات النهائية الجاهزة، بما يشجّع الصناعة المحلية ويقلل من الاعتماد على الاستيراد)، وذلك سواء من حيث الخطوات أو الإطار الزمني.
إن ما حدث مع الشركة الخماسية قبل أكثر من ستين عامًا يجب أن يكون عبرة في اتجاهين:
الأول، أن لا يُعاد إنتاج أخطاء الانتقال المفاجئ والعنيف بين الأنظمة الاقتصادية.
والثاني، أن النجاح الاقتصادي لا يولد فقط من القرار السياسي، بل من تخطيط استراتيجي طويل الأمد، ترافقه إدارة رشيدة، ومؤسسات فاعلة، وشراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، وهو ما تعيه الإدارة الاقتصادية والمالية في البلاد.
إن سوريا اليوم، وهي تقف على أعتاب مرحلة انتقالية جديدة، بحاجة إلى خطة خماسية تقيها الوقوع في شرك "الشركة الخماسية" كمثالٍ من الماضي، ولكن هذه المرة في الاتجاه المعاكس.