شوقي سري الدين

لبنان بين الطائفية والمواطنة: متى يصبح الدستور العقد الاجتماعي الفعلي؟

3 دقائق للقراءة

نعود إلى جوهر قضية المواطنة في لبنان، وإلى جذور المعضلة الطائفية التي تمثل أزمته التاريخية والحاضرة. فمنذ أكثر من قرن واللبنانيون يعيشون محاولات متكررة للتوفيق بين فكرة المواطنة الحقيقية وبين نظام الحكم الطائفي، لكن من دون جدوى. جميع الطروحات بقيت حبيسة داخل الصندوق، وكأن الاقتراب من البنية الطائفية للنظام السياسي اللبناني من المحرّمات.



يُقال إن الدستور اللبناني يكفل حقوق وحريات المواطنين، غير أن الأعراف والمواثيق الطائفية هي التي تحكم فعلياً، لا الدستور. فالعقد الاجتماعي القائم منذ تأسيس لبنان الكبير بُني على تحالف الطوائف لا على حقوق المواطن الفرد. لذلك، لا يمكن الوصول إلى مواطنة حقيقية ضمن هذا الإطار، لأن الحقوق السياسية وُهبت للطوائف، بينما حُرم منها الفرد كمواطن حر، ما أنتج انقسامًا دائمًا يهدد السلم الأهلي ويعرقل مسيرة التطور.



المطلوب أن يكون المواطن الفرد هو مصدر الحقوق والحريات، لا الجماعة الطائفية أو غيرها من الهويات الفرعية، على اعتبار أن الجماعة تستمد شرعيتها من مجموع مواطنيها وليس العكس، وبذلك يصبح الولاء للوطن أولًا وأخيرًا. لكن العقد الاجتماعي السائد أعطى الأولوية للانتماء الطائفي على حساب الانتماء الوطني، وهو تناقض مصطنع، إذ يمكن الجمع بين الانتماء الديني أو العائلي وبين الانتماء الوطني من دون تضارب.



النظام السياسي اللبناني، في جوهره، ليس سوى حالة عشائرية بغطاء طائفي، حيث يفرض الزعيم خياراته على جماعته، ما يجعل الوصول إلى المواطنة الحقيقية شبه مستحيل. إن هذا الواقع يشبه وضع العربة أمام الحصان، بحيث يستحيل تحريكها إلى الأمام.



لقد أثبت التاريخ أن الأنظمة القائمة على الانقسام الطائفي أو العرقي قد تنجح مرحليًا في إرساء هدنة سياسية، لكنها سرعان ما تنهار أمام أول أزمة كبرى، لأنها تقوم على تقاسم النفوذ لا على عقد وطني جامع. تجارب عدة في العالم، من البوسنة والهرسك إلى العراق، أظهرت أن المحاصصة الطائفية تولّد أزمات متكررة، فيما التجارب التي نجحت في بناء دولة مواطنة – مثل جنوب أفريقيا بعد سقوط نظام الفصل العنصري – انطلقت من الاعتراف بحقوق الفرد وتكريس المساواة الدستورية كأساس لا يقبل المساومة.



لبنان، الذي دفع أثمانًا باهظة من حروبه الأهلية وانقساماته، لم يعد يحتمل استمرار الدوران في الحلقة المفرغة نفسها. فالمواطنة ليست شعارًا تجميليًا، بل هي المدخل الوحيد لبناء دولة عادلة وفاعلة، دولة مؤسسات لا دولة زعامات. والمفارقة أن اللبنانيين، أفراداً وجماعات، يعيشون في حياتهم اليومية شبكة علاقات طبيعية تتخطى الطوائف، لكن عند أبواب السياسة ينكفئون إلى هوياتهم الضيقة، وكأنهم محكومون بالخوف التاريخي من الآخر.



إن الخروج من هذه الحلقة يتطلب شجاعة فكرية قبل أن يتطلب إصلاحًا دستوريًا. يجب أن يتجرأ اللبناني على مساءلة الموروثات السياسية التي كبّلته لأكثر من مئة عام، وأن يقتنع بأن المواطنة لا تعني إلغاء الطائفة أو الدين، بل وضعها في إطارها الطبيعي كخيار شخصي وروحي، لا كهوية سياسية.



لقد بات التغيير ضروريًا وملحًّا بعد كل هذه الأزمات والحروب التي مر بها لبنان وما زال، نتيجة نظام مهترئ لم يعد يصلح للاستمرار. وهذه المسؤولية تقع اليوم على عاتق المواطن اللبناني وحده، لا على زعماء الطوائف. لذلك يجب أن يُطرح خيار المواطنة الفردية في قلب النقاش السياسي والثقافة العامة، ليشكل معارضة حقيقية للنظام الطائفي، على أمل أن يفتح الطريق أمام عقد اجتماعي جديد يجعل الدستور هو المرجع الأعلى، لا أعراف الطوائف ومواثيقها.