محمد البابا

أوروبا والناتو أمام التحدّي الروسي المتجدد

4 دقائق للقراءة

شهدت الايام القليلة الماضية تطورات خطيرة على المشهد الأوروبي تملثت بإرسال روسيا رسائل عسكرية مباشرةً إلى أوروبا، وكأنها تختبر الحدود وتذكّر القارة العجوز بأن الحرب في أوكرانيا ليست سوى فصل من صراع أوسع. فروسيا لم تعد تكتفي بإرسال إشارات سياسية مبطّنة، بل باتت تطلق سهامها المبطنة باتجاه أوروبا، وكأنها تختبر قدرتها على الصمود في وجه التهديد.


روسيا اليوم لا ترسل فقط رسائل غامضة إلى أوروبا، بل رسائل قوية واضحة، من خلال تحرّكات عسكرية ميدانية، خروقات جويّة، ونشر فعال لقدراتٍ صاروخية تُحوّل النظرية إلى حقيقة ميدانية. أوروبا، بدورها، بدأت تستفيق من تراخٍ طويل، تدرك اليوم أن أمنها يعتمد مباشرة على أمن أوكرانيا، وأن الفشل هناك لن يكون محصوراً بجغرافيا كييف، بل سيطال كل دول الشرق والوسط الأوروبي.


ففي الأيام الماضية، اخترقت طائرات مسيّرة روسية الأجواء البولندية، وتوغلت أخرى داخل المجال الجوي الروماني لمسافة قاربت عشرة كيلومترات وبقيت لنحو خمسين دقيقة قبل أن تغادر، فيما أعلنت بوخارست أن مقاتلاتها من طراز "إف-16" تحركت لاعتراضها بمساندة طائرات تابعة للناتو. هذه الحوادث لم تكن مجرد "أخطاء تقنية"، بل رسائل سياسية مدروسة هدفها دفع القارة العجوز إلى مواجهة الحقيقة: موسكو لم تعد تكتفي بأوكرانيا، بل تضع أوروبا نفسها تحت الاختبار.


التصعيد لم يقف عند هذا الحد، إذ نشرت روسيا منظومات صواريخ "إسكندر-إم" في منطقة كالينينغراد قرب الحدود البولندية، في خطوة تنذر بتحوّل نوعي في معادلة الردع. هذه الصواريخ، التي يصل مداها إلى نحو خمسمئة كيلومتر، تضع وارسو وبرلين وعدداً من العواصم الأوروبية في دائرة الاستهداف المباشر. وكشفت مصادر عسكرية أوروبية عن حادثة خاصة حين رُصد مسار صاروخ روسي انحرف بشكل خطير واقترب ثلاثة كيلومترات فقط من المجال الجوي الروماني قبل أن يتفجّر في الجو، ما أكد أن الخطر لم يعد افتراضياً بل أصبح واقعاً ملموساً.


في موازاة هذه التحركات، أجرت موسكو وبيلاروس مناورات عسكرية كبرى تحت اسم "زاباد 2025"، شارك فيها نحو 13 ألف جندي وشملت تدريبات على استخدام أسلحة نووية ونظم صاروخية جديدة. المناورات امتدت إلى مناطق قريبة من الحدود البولندية والليتوانية، في وقت كانت فيه أوروبا تحشد قواتها أيضاً عبر تدريبات مضادة، أبرزها مناورات "سي شيلد 25" في البحر الأسود بمشاركة 2300 عنصر من 12 دولة، ومناورات "آيرون ديفندر" في بولندا التي جمعت أكثر من 30 ألف جندي، إضافة إلى تدريبات في ليتوانيا ولاتفيا بمشاركة عشرات الآلاف. المشهد بدا وكأنه سباق محموم على استعراض القوة بين روسيا والناتو، ورسائل متبادلة بأن أي تراجع لم يعد خياراً مطروحاً.


هذه التطورات السريعة دفعت أوروبا إلى إعادة النظر جذرياً في عقيدتها الأمنية. دول عدة زادت ميزانياتها الدفاعية إلى أكثر من 2 في المئة من الناتج المحلي، وأعادت تفعيل برامج التجنيد الإجباري ووسّعت صناعاتها العسكرية. من الواضح أن الدعم لأوكرانيا لم يعد مسألة تضامن سياسي أو أخلاقي، بل صار خط الدفاع الأول عن القارة بأسرها.


وهنا يتضح أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كان محقاً منذ البداية حين قال إن "أمن أوروبا يبدأ من أوكرانيا". عبارة كانت تبدو مبالغة في بداية الحرب، لكنها اليوم تحوّلت إلى واقع استراتيجي لا يمكن لأحد إنكاره: سقوط كييف يعني فتح أبواب وارسو وفيلنيوس وبوخارست أمام تهديد مباشر.


ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر أمام أوروبا داخلياً وخارجياً. سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتصريحاته المتكررة حول "إعادة توزيع الأعباء" داخل الناتو تزرع الشكوك حول مدى التزام واشنطن بالدفاع عن القارة إذا ما اندلعت مواجهة مباشرة مع روسيا. هذه المخاوف دفعت عواصم أوروبية كبرى إلى التفكير بجدّية في بناء استقلاليتها الدفاعية، بالتوازي مع التمسك بالحلف الأطلسي كإطار جامع. المفارقة أن التهديد الروسي الذي كان يهدف إلى ابتزاز أوروبا وتفكيك وحدتها، أنتج النتيجة العكسية: القارة اليوم أكثر تماسكاً، أكثر استعداداً للمواجهة، وأكثر اقتناعاً بأن معركة أوكرانيا ليست مجرد نزاع حدودي، بل اختبار استراتيجي لوجود المشروع الأوروبي نفسه.


بالمسيّرات التي تعبر أجواء بولندا، والصواريخ التي تقترب من رومانيا، والمناورات التي تحاكي استخدام السلاح النووي، يعلن بوتين أن الصراع لم يعد مقتصراً على أوكرانيا. وأمام هذا الواقع، تبدو أوروبا كأنها تُستدرج إلى مواجهة مباشرة، تدرك أن تأجيلها يعني فقط أن الثمن سيكون أكبر لاحقاً. لذلك، فإن القرار الأوروبي اليوم واضح: الاستعداد للحرب، وتقديم كل دعم ممكن لكييف، لأن خسارة أوكرانيا قد تتحول إلى خسارة القارة كلها