د. أنطوان مسرّه

مستقبل سوريا وأزمة الفكر الدستوري العربي

4 دقائق للقراءة

 تنبع جذور ما يوصف "بالمعضلة المستعصية بين دروز السويداء وحكم دمشق" (نداء الوطن، 26/8/2025) من اغتراب الفكر الدستوري العربي، نقيضًا لتراث عريق، وإسلامي المصدر أساسًا، في إدارة التنوّع الديني والثقافي. تعاني المنطقة العربية من فكر قومي عربي مستورد منذ ما سمي بعهود التحرر. إن التراث الدستوري العربي بالذات في إدارة التعددية الدينية والثقافية طوال قرون غائب تمامًا في الجامعات العربية! يرمي قانونيون – ولا نقول حقوقيين – وأكاديميين ومثقفين بدون خبرة مختلف أشكال ضمان الحريات الدينية والثقافية وضمان المشاركة في الحياة العامة في مزبلة "الطائفية"!

 لم تساهم اطلاقًا الصدمة الكبرى في نشوء الكيان الصهيوني منذ 1948 والتي تنطلق من أيديولوجية يعقوبية وأيديولوجية المساحة – الهوية espace identitaire، في مراجعة نمطية ذهنية عربية عمّمها أيديولوجيون في القومية الانصهارية.

 1. التراث الدستوري العربي والإسلامي: تتساءل سليما مردم: "لماذا يصعب على العالم العربي التخلص من الطائفية؟" (L’Orient-Le Jour, 25/8/2025). إنها تنطلق من خطاب السوق بدون مقاربة منهجية تحديثية انطلاقًا من الاختبار بالذات ومن التراث العربي والإسلامي في ما يتعلق بالتعددية الحقوقية pluralisme juridique في إدارة التنوّع. إن نظرية التعددية الحقوقية مطبّقة في أكثر من ثلاثين دولة في عالم اليوم وتعود جذورها إلى التراث الإسلامي والعربي. صدرت مؤلفات ريادية حول هذا التراث الذي تختزله نمطية ذهنية عربية "بالذمة" و"أهل الذمة" مع اجترار خطاب السوق في "الطائفية". نذكر بشكل خاص التراث الدستوري العثماني الذي يرتكز على فلسفة الإسلام وعلى الكتاب التالي:

Benjamin Braud and Bernard Lewis, ed., Christians and Jews in the Ottoman Empire: The Funationning of a Plural Society, Holmes and Meier Publ. Inc., 1984, 2 vol.

Coll. Minorités et nationalités dans l’Empire ottoman après 1516, Beyrouth, Publications de l’Association des historiens libanais, Le Point, 2001, 708 p.

يصف ويكرر أحد علماء الاجتماع اللبنانيين الكيان الدستوري اللبناني بسخرية "بالـصيغة الفذة"! أين تعلم علم الاجتماع وإشكاليات الثقافة culture في علم الاجتماع بالذات؟ أصبح بعض الأجانب أكثر دراية بمشاكل العالم العربي من مثقفين أيديولوجيين لم يطلعوا على الدراسات المقارنة منذ سبعينات القرن الماضي. يذكر السيناتور الأميركي ليندسي غراهام أهمية حماية التعدد الديني في المنطقة (نداء الوطن، 27/8/2025).

2. دستور سوريا 1973: لدى إعلان دستور سوريا خلال الحكم الأسدي سنة 1973 حصلت تظاهرات صاخبة في سوريا في سبيل الذكر في الدستور أن دين رئيس الجمهورية الإسلام:

John Donohue, « La nouvelle Constitution syrienne et ses détracteurs », Travaux et jours, no 47, avril – juin 1973, pp. 93-111.

حمل ذلك حافظ الأسد بعد أشهر على مطالبة مجلس الشعب بأن يذكر في الدستور أن دين رئيس الجمهورية هو الإسلام (مجلس الشعب يوافق بالإجماع على النص في الدستور بأن دين رئيس الجمهورية الإسلام، البعث، سوريا، 21/2/1973).

3. أزمة ذهنية عربية: ليست مختلف التنظيمات في إدارة التعددية الدينية والثقافية جامدة وخارجة عن القانون، كما يتخيّل قانونيون وأيديولوجيون في القومية والعصرنة. هذه الإجراءات خاضعة لمعايير عالمية ناظمة وهي قابلة للتطوّر انسجامًا مع كل المبادئ الديمقراطية والشرعات الدولية. ما يجري في سوريا ليس مجرد أزمة "سياسية" وعلاقات سلطة ونفوذ في ما يتعلق بالسويداء والدروز. إنها أزمة ذهنية عربية عميقة الجذور وتعود إلى تراكمات طوال أجيال. لم تحقق أيديولوجيات عربية لغاية تاريخه وحدة صلبة ولا تضامنًا عربيًا ولا تغييرًا. انغمست أيديولوجيات في أصوليات بدلاً من الأصالة النابعة من التراث والاختبار والعقلانية والحياة.

***

إن السيناتور الأميركي روبرتو ميتشل وهو من أصل لبناني من بكاسين أوجد الصيغة العلاجية في إيرلندا الشمالية في حين يعجز لبنانيون في لبنان وسوريون في سوريا وفي مجتمعات عربية عن إيجاد الوسائل النابعة من تراثهم الدستوري بالذات لضمان المشاركة في الحياة العامة وتجنّب مخاطر العزل الدائم.

طوال سنوات مارس النظام الأسدي في سوريا عقيدة صهيونية المصدر للكاتب الإسرائيلي Sammy Smooha بشأن إدارة التعددية الدينية والثقافية في هيمنة أكثرية أو أقلية dominant majority, minority control وامتدت الممارسة إلى لبنان وطن قوة التوازن وليس توازن القوى!


عضو المجلس الدستوري، 2009-2019