ألين الحاج

الإطراء من زملاء العمل بين المديح والتحرُّش

7 دقائق للقراءة

كلمات بسيطة قد تتحوّل أحيانًا إلى عبء ثقيل على المرأة. مديحٌ من هنا، نظرة تقديرٍ من هناك، تُفهم أحيانًا كعلامة احترام وأحيانًا كمساس بكرامتها. ولأن الفارق بين الإطراء والتحرّش ليس دائمًا واضحًا، تبقى النساء عالقات بين الالتباس والخوف. أما في بيئات العمل حيث تتقاطع العلاقات المهنيّة مع المعايير الاجتماعية والثقافية، فيزداد السؤال إلحاحًا: "أين تنتهي حدود الإطراء وتبدأ مساحة التحرّش؟"، وماذا عن الفارق بين هذَين المفهومَين في البُعدَين القانوني والنفسي؟

"الكلمة الحلوة لا تُعدّ تحرُّشًا" بل تندرج في إطار الإطراء المشروع، هذا ما يؤكّده بدايةً المحامي والكاتب السياسي أمين بشير موضحًا كيفية مقاربة القانون اللبناني للموضوع، سواء في مكان العمل أو خارجه. يقول بشير لـ "نداء الوطن" إن القانون اللبناني لا يُجرّم الإطراء أو التعبير اللطيف ما لم يتضمّنا إيحاءات جنسية أو خروجًا عن حدود اللياقة، لافتًا إلى أن الأطبّاء النفسيّين بدورهم، يميّزون بين الإطراء الإيجابيّ، الذي قد يعزز ثقة المرأة بنفسها، وبين الكلام الموحِي جنسيًّا، والذي قد يسبّب لها الأذى النفسيّ. ويلفت إلى أن الإطراء المستمرّ، وإنْ خلافًا لرغبة المرأة لا يُعدّ بدوره تحرّشًا، إنما يندرج في إطار الإزعاج.


خط فاصل

لكن في المقابل، يوضح بشير أن الكلام يمكن أن يتحوّل إلى تحرّش لفظيّ، ويقول في هذا الإطار "إن القانون اللبناني يعتبر أيّ كلام مسيء أو بذيء أو ذي إيحاءات جنسية تحرّشًا". إنما ثمّة خطوط فاصلة يرسمها المجتمع حيث يصبح "العُرف الاجتماعيّ" عاملًا أساسيًّا في تحديد ما إذا كان الكلام مقبولًا أم متعدّيًا، ويعطي مثالًا على ذلك: "ثمّة كلمات تُعتبر عادية في المدينة، لكنها تُعدّ مسيئة في بيئة ريفيّة محافِظة أكثر"، ويتابع: "المصافحة أيضًا حتى لو لم تكن مألوفة لدى بعض النساء، لا سيّما المحجّبات، إلّا أنه لا يمكن اعتبارها تحرّشًا لكونها تندرج في الفعل الاجتماعي العام. أمّا الأفعال الخارجة عن المألوف، فهي حكمًا تدخل في نطاق الجريمة".

المحامي بشير يؤكّد أن التحرّش الجسديّ معياره أكثر وضوحًا: "لمس المناطق الحسّاسة يُعتبر دائمًا تحرّشًا، حتى ولو رافقه اعتذار. أمّا الملامسات البسيطة كتربيتٍ على الكتف أو الظهر، فيمكن أن تمرّ مع كلمة "آسف" إن أزعجت من يتعرّض لها، ولا تُعدّ بالضرورة فعلًا جرميًّا".  


عنف اقتصادي مقنّع

في بيئة العمل، يصنف المحامي أمين بشير مختلف أشكال التحرّش ضمن خانة ما يُعرف بـ "العنف الاقتصادي"، حيث تجد الموظفة نفسها أحيانًا مضطرّة إلى الصمت حفاظًا على مصدر رزقها، ولو كان ذلك على حساب راحتها النفسيّة وكرامتها، تجنُبًا لمسار قضائي غالبًا ما ينتهي بلا نتيجة. ويوضح أن القانون اللبناني، وإن كان يجرّم التحرّش سواء في مكان العمل أو في الحياة اليومية، لكن تبقى عقبة الإثبات هي العقدة الأصعب، إذ إن هذه الأفعال تقع في معظم الأحيان بين طرفَين من دون شهود، ما يجعل تقديم الأدلّة أمرًا بالغ التعقيد. أمّا إذا تجرّأت الموظفة ورفعت صوتها رافضةً أيّ تعدّ عليها، فقد يكون الثمن خسارة وظيفتها، كما يوضح بشير الذي يشير إلى أن الأمر يتحوّل في هذه الحالة إلى وسيلة لحرمان النساء من الفرص الاقتصاديّة وسحبها منهن. ويشرح بشير أيضًا أن منع الفتاة من التعليم، أو سحب راتب الموظفة من قبل زوجها، أو التضييق على الموظفة في مكان العمل، كلّها أشكال من "العنف الاقتصادي"، الذي يشكّل برأيه الجذر الأساسي لكلّ أنواع العنف الأخرى سواء الجسديّة أو اللفظيّة.

من جهة أخرى، يكشف المحامي بشير أن القانون اللبناني، لا يفرض على المؤسّسات الخاصة أيّ التزامات وقائية لتوفير بيئة عمل آمنة، ولا يُلزم أرباب العمل بوضع بروتوكولات أو تدريب الموظفين على مواجهة التحرّش، مشيرًا في المقابل، إلى أن منظمات المجتمع المدني بدأت تفرض بروتوكولات داخلية على موظفيها تُلزمهم بالتوقيع على التزام واضح ضد التحرّش، لافتًا إلى أن بعض هذه المنظمات لا يحصل على التمويل الخارجيّ إلّا إذا طبّق هذه المعايير.


لا التباس 

المعالجة النفسيّة ربى بشارة تنطلق من جهتها من فكرة عدم وجود "خيط رفيع" بين الإطراء والتحرّش كما يعتقد البعض، وتضيف لـ "نداء الوطن" أن الفارق بينهما كبير وواضح. فالإطراء، بحسب بشارة، "لغة تواصل إنسانيّ تبعث شعورًا إيجابيًّا لدى المتلقي، شرط أن يبقى بعيدًا من النواحي الجنسيّة والإيحاءات، وهو مساحة احترام وتقدير لا أكثر". أما التحرّش، بحسب بشارة، فشيء آخر تمامًا "قد يتجلّى من خلال النظرة، الحركة، نبرة الصوت، أو القرب الجسديّ غير المبرّر. وحين يتطوّر الأمر إلى لمس أو محاولات تقرّب جسديّة، يصبح الفعل تحرّشًا مباشرًا لا لُبس فيه ويتخطّى المجاملة".  

التمييز بين المفهومَين يرتبط أيضًَا بمدى وعي المتلقي وحساسيّته وبمدى التزام المُرسل بقواعد اللياقة والاحترام، تقول بشارة التي تشدّد على أن الإطراء الذي يزعج المتلقي أو يتكرّر رغم رفضه يخرج من خانة الإطراء ويتحوّل إلى تحرّش صريح، "حتى باقة ورد قد تصبح تعدّيًا إذا لم تُحترم إرادة المتلقية"، كما تلفت المعالجة النفسيّة. بالتالي القاعدة الأساس هنا واضحة، فوفق بشارة "حرّية الفرد تقف عند حدود مساحة الآخر. فإذا عبّرت المرأة عن رفضها ولم يتوقف الطرف المقابل، يتحوّل الأمر إلى تعدٍ نفسي واجتماعي".


ثقافة الصراحة 

أما الحلّ، برأي بشارة، فيكمن في الصّدق والصراحة، إذ تدعو المرأة للردّ مباشرةً: "شكرًا على الإطراء، لكنه يزعجني وأفضّل أن توقفه"، لأن كثيرين لا يدركون أن كلماتهم غير مرغوب فيها إلّا إذا وُضعت أمامهم حدود واضحة، كما تقول. وتتابع المعالجة النفسيّة أن المشكلة في مجتمعاتنا تكمن في أن المسايرة واللياقة كثيرًا ما تُفرض على حساب راحة الفرد، فيقبل المتلقي ما لا يريده لتفادي المواجهة، ما يجعل المسايرة تتحوّل إلى طقس اجتماعيّ ثقيل يزيد الضغط النفسي. من هنا، بالنسبة لبشارة، الصدق أفضل من المجاملة، حتى لو لم يكن المجتمع جاهزًا تمامًا لتقبّل هذه الصراحة بعد.

بالنسبة للتحرّش في مكان العمل، ترى بشارة أنه يُعتبر انتهاكًا للحقوق المهنيّة. ورغم وجود قانون العمل لحماية الموظفة من أي تجاوز، إلّا أنها تلفت إلى أن الوضع يزداد سوءًا عندما يكون المتحرّش رئيس العمل، وقد يصل الأمر إلى حدّ الابتزاز، ما يضع الموظفة أمام معادلة صعبة بسبب حاجتها إلى الوظيفة.


شهادات ووقائع

وإذا كان القانون وعلم النفس يرسمان الخطوط الفاصلة، تبقى التجربة اليوميّة في مكان العمل المعيار الأوضح. ففي المكاتب والإدارات حيث تختلط الكلمات بالنظرات والإيحاءات، قد تتحوّل "الكلمة الحلوة" إلى مساحة لبس أو حتى إلى مصدر أذى مباشر.

"نداء الوطن" سألت ثلاث موظفات كيف يميّزن بين الإطراء المشروع والتعليق المزعج، فقالت إحداهن: "إذا قال لي إن قَصَّة الشَعر تليق بي، فلا مشكلة لديّ. لكن إن علّق مثلًا على اسمراري بعد البحر وقال إنه يليق بي، هنا لا أسمح بذلك، لأن الأمر يصبح شخصيًا ويتجاوز الحدود". 

وأضافت أخرى: "المسألة كلّها تتوقف على الأسلوب، وعلى الشخص الذي يتحدّث، وحتى على النظرة. فإذا شعرتُ بأن في الأمر نيّة غير سليمة، أقطع الحديث فورًا".

أمّا الثالثة فرأت أن: "الفرق يرتبط بطبيعة العلاقة. فإذا كنت معتادة على هذا الشخص وعلى طريقته في الكلام، يمرّ التعليق كإطراء. لكن إذا لم أكن معتادة عليه ولم أشعر بالارتياح تجاهه، تتحوّل الكلمة نفسها إلى إزعاج". 

يبقى أن وعي المرء للقوانين والمعايير الاجتماعية ليس مجرّد معرفة، بل ثقافة تحمي الفرد من الانتهاكات. وتطبيق هذه القوانين والمعايير يوميًّا يخلق بيئة آمنة ومحترمة، فيبقى الإطراء تعبيرًا لطيفًا عن التقدير فيما يُحاسب التحرّش كجريمة على صعيد العدالة والمجتمع معًا.


التبليغ والسريّة

لتشجيع النساء على التبليغ عن التحرّش، يعيد المحامي أمين بشير التذكير بأن قوى الأمن الداخلي أطلقت آلية سرّية تسمح بتقديم الشكاوى عبر أرقام خاصة أو منصّات إلكترونية، من دون الحاجة لكشف هوية المبلِّغة أو حضورها شخصيًّا. كما جرى تجهيز مركز نموذجي في بيروت للتعامل مع النساء عبر عناصر نسائية مدرَّبة. غير أن هذه المبادرات لا تزال محدودة ولا تشمل جميع المخافر، ما يجعل التبليغ مهمّة شاقة على النساء في كثير من المناطق.