ريتا عازار

ابنة ثقافتَين: لبنان الجذور وفرنسا الأجنحة

Yara Lapidus تغنّي في بيروت بعد 20 سنة غياب

8 دقائق للقراءة

في حياة كلّ فنان لحظة مفصليّة تُعيد تشكيل مساره. بالنسبة للمغنّية وكاتبة الأغنيات Yara Lapidus، تلك اللحظة كانت مزيجًا من الجذور والانتماء والاغتراب، ومن حادث جراحيّ قاسٍ فتح لها أبواب الحلم. بين مدينة صُور على الساحل اللبناني ومدينة باريس الفرنسيّة، وُلد عالَم موسيقيّ متفرّد يختصر في ذاته معنى العبور بين الشرق والغرب، بين اللّغة واللّغة، بين الحنين والحرّية... حول هذه التجارب كلّها كان لقاؤنا مع الفنانة يارا لابيدوس عبر "نداء الوطن".


رغم ولادتها في بيروت، إلا أنّ جذور يارا لابيدوس تعود إلى مدينة صُور الجنوبية. صُور بالنسبة لها ليست مجرّد مسقط رأس العائلة، كما تقول، بل فضاءً وجدانيًّا يمدّها بالإلهام. في أولى أغنياتها كتبت ببساطة وصدق: "بحبّك يا صُور". على مكتبها تحتفظ بصورة "بولارويد" لبيت العائلة الأبيض المطلّ على المرفأ. بيت تستيقظ فيه على صوت الأمواج وضحكات الناس ولهجتهم الجنوبية. حتى الأثاث هناك محمّل بذاكرة الأجداد، والبيانو الذي عزفت عليه جدّتها صار قطعة من الروح. العودة المستمرّة إلى صُور بالنسبة ليارا لابيدوس هي بمثابة تثبيت للجذور، تذكير بأنّ الفن لا ينبت من فراغ، بل من علاقة حيّة بالمكان والذاكرة.


طفولة بين أربع دول

تنقّلت يارا لابيدوس في طفولتها بين عواصم وثقافات. لبنان هو البداية، فرنسا هي المدرسة والانفتاح، مصر أعطتها حرارة الموسيقى الشرقيّة، وإنكلترا أضافت بعدًا آخر للتجريب. هذا التشظّي الجغرافي لم يزرع في داخلها الارتباك، بل منحها قناعة بأنّ الهويّات المتعدّدة يمكن أن تتعايش في إنسان واحد. منذ الصِّغر، تعلّمَت أنّ اللقاءات هي التي تثري وتُغني، وأنّ السفر ليس مجرّد انتقال مكاني بل مناسبة لإعادة تشكيل الحساسية الفنية.

انعكست هذه الخلفيّة على علاقتها باللغات: الفرنسيّة صارت لغتها الأثيرة في الكتابة، "لغة الألوان" كما تقول، مثل رسام يملك لوحة أمامه وآلاف التدرّجات. أما العربيّة فهي "لغة الروح"، تحضر فجأة وبشكل حدسي، غير مصقولة لكن صافية. بينما الإنكليزية هي مساحة الاحتمالات، معها تتحوّل الكلمات إلى أغنيات جديدة حتى لو بدأت رحلتها بالفرنسيّة.


حادث غيّر المصير

عام 2010، واجهت لابيدوس حادثًا جراحيًّا غيّر مسار حياتها. المفارقة أنها تعتبره "حظًا" لا لعنة، إذ فتح أمامها الطريق لممارسة المهنة التي حلمت بها منذ الطفولة: الغناء. تقول لـ "نداء الوطن": "غريبة هي الطرق التي تسلكها الحياة... وعرة، مليئة بالمنعطفات، لتقودك إلى قلب قدرك الحقيقي". ومنذ تلك اللحظة، باتت ترى الفن لا كترفٍ أو خيار، بل كقدر لا مهرب منه.


موسيقى من نوع آخر

بعيدًا من المسرح، تلعب الفنانة يارا لابيدوس دورًا تعتبره الأهم: الأمومة. تصف نفسها بـ "الأم الدجاجة" التي تجعل من أولادها أولوية مطلقة. أثّرت هذه التجربة العميقة في كتاباتها، فصارت أكثر صدقًا وعمقًا. الأمومة جعلتها، كما تشير، أكثر تجذُّرًا وأكثر وعيًا بضرورة القوّة والحنان معًا. وحين تقف على المسرح، تحمل معها هذا البعد الجديد: غناء مشبع بالمسؤولية، وموقف وجوديّ يرى في الفن وسيلة لحماية الحياة واستمرارها.


من الموضة إلى الغناء

اللافت أنّ عالم الموضة شكّل البداية الأولى ليارا لابيدوس. اسم عائلتها الأصليّ واكيم، لكنّ زواجها من أوليفييه لابيدوس، نجل مصمّم الأزياء الفرنسي الشهير تيد لابيدوس، أدخلها أكثر في هذا العالم من بابه الواسع وجعلها تكتشف العلاقة الحميمة بين الشكل والجوهر.

قبل أن تدخل الغناء صمّمت أزياء لصديقاتها، فأدركت أنّ اللّباس قادر على منح الثقة والتحوّل. هذه التجربة رسّخت لديها فكرة أنّ الشّكل ليس سطحيًا، بل "موسيقى صامتة". على المسرح تحبّ التناقضات، كأن ترتدي ثوبًا لونه قويّ مع ماكياج شبه معدوم، أن تبدو بسيطة فيما تخفي تعقيدًا داخليًا. ومن هذه الخلفيّة، يمكن فهم كيف تحوّلت الموضة بالنسبة إليها إلى جسر آخر بين الفنون.


خيال جامح

تملك المغنّية يارا لابيدوس خيالًا واسعًا منذ الطفولة، ورثته، كما تقول، عن أمّها الفنانة التشكيلية وعازفة الغيتار. تعلّمت ألا تملّ أبدًا وهي بمفردها، أن تجعل من القراءة والخيال سفرًا داخليًا. هذا الخيال الجامح هو وقود كتابتها الشعرية. في النصوص لا تعترف بالحدود، بل تفتح المجال لكلّ الممكن. لكنها صارمة في قراءاتها، تؤكّد أنّ وقت القراءة عندها مقدّس، ولا تختار إلا الكتابات التي تغذّيها. بين بودلير ورامبو وفيرلين وبريفيير وجدت صدى لشاعريّتها، بينما سحرتها سيلفيا بلاث وأثّرت فيها مايا أنجيلو.


من الصورة إلى النغمة

أغنيات يارا لابيدوس لا تبدأ من نقطة واحدة ثابتة. تقول، أحيانًا تكون صورة، أحيانًا جملة تطاردها، وأحيانًا مجرّد وتر من آلة غيتار يفتح الباب. ما يهمّ هو اللقاء بين الشعور والصوت، بين الخاص والعام. عندها تشتعل الشرارة الأولى. وتؤكّد: "لا شيء يولد من العدم، هناك دائمًا مصدر مهما كان صغيرًا".


لقاءات غيّرت المسار

أسماء عالميّة تعاونت معها يارا لابيدوس:

غبريال يارد

Archive

Chico César

Iggy Pop

Gail Ann Dorsey.

بالنسبة إليها، هذه اللقاءات تبدأ إنسانية قبل أن تتحوّل فنّية. غبريال يارد رأى في صوتها فرادة تستحق أن تجوب العالم، وألبومهما المشترك "Indéfiniment" صار علامة فارقة. لكنها ترى أنّ القيمة الكبرى تبقى في "غنى التبادل"، في هذا الحوار الفني الذي يولّد طاقة جديدة.


لبنانية وفرنسية معًا

تعتبر لابيدوس نفسها ابنة ثقافتَين: لبنان الأب الذي منحها الجذور، وفرنسا الأم التي منحتها الأجنحة. هذا الانتماء المزدوج كان في البداية عبئًا، ثم صار غنى. الفرنسيّة لغة يوميّاتها، بينما اللّهجة اللبنانيّة تخاطب قلبها مباشرة. تقول: "أستمتع بإقحام كلمات لبنانية وسط أغنية باريسيّة جدًّا، كأنها طريقتي في توحيد الهويَّتَين". بالنسبة لها، الموسيقى لا تعرف حدودًا، مثل السينما التي يمكن أن تؤثر دون أن نفهم لغتها.

في فرنسا وجدت حريّة الخلق، وفضاءً لغويًا يمنحها آلاف الألوان. لكن في الوقت نفسه، سمحت لها بالحفاظ على صلة بالعربيّة، اللغة التي حين تفرض نفسها تأتي بدفعات أصيلة كأنها من الطفولة. الغريب أنها حين تغنّي بالعربيّة يتغيّر صوتها، يخرج من أعماق أبعد.

لم تعتبر يارا لابيدوس يومًا أنّ مهمّتها بناء جسور بين الشرق والغرب، لكنّ ذلك فرض نفسه. صوتها انعكاس طبيعي لثقافتَين. ما يحرّكها هو الرغبة في فتح الأبواب، في جعل المشاعر تتجاوز الحواجز، في إثبات أنّ اللغات والثقافات يمكن أن تتحاور بدل أن تتواجه.


"قومي يا بيروت" صرخة وحنين

في الرابع من آب 2020، حين انفجر قلب بيروت، كتبت يارا أغنيتها الأشهر "قومي يا بيروت". كانت صرخة وحنينًا في آن، حنينًا إلى لبنان لم تعرفه يومًا في سلام، وإيمانًا بقدرته على النهوض مثل الأرز. على غلاف الأغنية وضعت صورتَين نادرتَين: لوالدتها الرسّامة، ولخالها عبدالله نبّوت المعروف بـ "Dudul"، رائد الشانسونييه في بيروت ما قبل الحرب، كأنهما شهادة على زمنٍ متألق وعالق في الذاكرة.


العودة إلى بيروت

بعد أكثر من عشرين عامًا، تعود يارا لابيدوس إلى لبنان كمغنّية. المرّة الأخيرة كانت في "ساحة الشهداء"، حيث قدّمت تصاميمها مع ربيع كيروز وميرا ميقاتي. لكنّ العودة اليوم محمّلة بوقع مختلف، مواجهة "شياطين الطفولة": الحرب والاغتراب. تقول: "لا شيء عقلانيّ حين تواجهين شياطينك القديمة على مسرح مدينتك". العودة بالنسبة لها أشبه بالمشي على حبل مشدود، بين شوق ملتهب وخوف عميق.


حلم "مهرجان كانّ"

على الرغم مما حقّقته الفنانة اللبنانيّة الفرنسيّة من إنجازات، ما زالت تحلم. من أحلام يارا لابيدوس الغناء باللهجة اللبنانية في افتتاح "مهرجان كانّ السينمائي" حيث تلتقي السينما بالموسيقى، في لحظة رمزية يحمل فيها الشرق صوته إلى العالم. وحين نسألها عن الإرث الذي تودّ تركه بعد ثلاثين عامًا، تجيب ببساطة: "أن يبقى الجمهور محتفظًا بمعنويّاته وحبّه للحياة وهو يستمع إلى أغنياتها". أما ما تختصر به مشروعها الفني فـ: "موسيقى لا تدّعي الخلود بقدر ما تريد أن تمنح الناس طاقة للحياة".

تجربة يارا لابيدوس تطرح أسئلة أبعد من حدود الفن: كيف يمكن للإنسان أن يحوّل الازدواجية إلى غنى؟ كيف يصبح الحنين قوة دافعة لا عبئاً؟ وكيف تتصالح اللغات والهويات في صوت واحد؟ بين صُور وباريس، بين الفرنسيّة والعربيّة، بين الأمومة والمسرح، رسمت يارا لابيدوس مسارًا فريدًا، يثبت أنّ الفنّ الحقيقيّ لا يولد من اليقين، بل من هشاشة الإنسان وقوّته في آن.


تقدّم يارا لابيدوس حفلها الأول في لبنان، مساء السبت 20 أيلول الجاري، في "مترو المدينة"، بمسعى ودعم من وفاء الخشن التي جمعتها بها الموسيقى والجذور الصورية.