رنا شمص

صخرة الروشة بين الدولة والدويلة...

5 دقائق للقراءة

ليست صخرة الروشة في بيروت مجرد معلم طبيعي أو مقصد سياحي يقصده اللبنانيون والزوار الأجانب لالتقاط الصور. هذه الكتلة الصخرية الشامخة وسط البحر، والتي تحوّلت إلى رمز للعاصمة اللبنانية، صارت فجأة جزءًا من ساحة الصراع السياسي والرمزي بين منطق الدولة ومنطق الدويلة. فالحدث الذي أعلن عنه حزب الله لإحياء الذكرى السنوية الأولى لاغتيال أمينه العام السابق السيد حسن نصرالله ورئيس المجلس التنفيذي السابق هاشم صفي الدين، والمقرر في 25 أيلول، أعاد فتح النقاش حول قدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها وقراراتها، أو عجزها أمام القوى التي تفرض أمرًا واقعًا يتجاوز القوانين والمؤسسات.

التحدي العلني لقرار الحكومة

قبل أيام قليلة، أصدر رئيس الحكومة نواف سلام تعميمًا واضحًا يقضي بمنع استخدام المواقع الأثرية والسياحية لأي نشاط من دون ترخيص مسبق. كان الهدف من القرار ضبط الفوضى في استغلال المعالم الوطنية، وحماية الطابع العام لها من الاستخدامات السياسية أو الطائفية أو التجارية. لكن الإعلان الذي صدر عن حزب الله بتنظيم فعالية ضخمة عند صخرة الروشة، تخلّلها عروض موسيقية وإنشادية، وإضاءة الصخرة بالعلم اللبناني وصور القياديين الراحلين، بدا وكأنه رسالة تحدٍّ مباشرة لقرار الدولة.

فالمشهد، لو تم كما هو معلن، سيحوّل رمزًا وطنيًا جامعًا إلى منصّة تحمل توقيع حزب بعينه، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من انقسامات سياسيّة وطائفيّة عميقة. هكذا تتحوّل الصخرة من معلم طبيعي يرمز إلى صمود بيروت في وجه البحر والعواصف، إلى معلم سياسي يُستَخدم لتكريس حضور قوّة حزبيّة داخل المشهد الوطني.

بين الرمزية الوطنيّة والحزبيّة...

أن تضاء صخرة الروشة بالعلم اللبناني، فهذا أمر قد يبدو للوهلة الأولى جامعًا. لكن أن ترافق العلم صور قياديّّين حزبيّين، فهذا ينقل الرسالة إلى مكان آخر. فالعلم، رمز الدولة، يوضع إلى جانب صور شخصيّات حزبيّة مرتبطة مباشرة بمشروع سياسي وعسكري مثير للجدل. بهذا المعنى، يتحوّل المشهد الرمزي إلى تعبير عن ازدواجيّة قائمة في لبنان منذ عقود: ازدواجيّة بين الدولة التي ترفع علمها وتطالب باحترام قراراتها، والدويلة التي تستخدم الرموز الوطنيّة لتكريس شرعيّتها الخاصّة.

ولا يخفى على أحد أنّ لحزب الله قدرة كبيرة على توظيف الرموز. ففي خطابه السياسي والإعلامي، يجمع بين مفردات الوطنيّة والمقاومة وبين صور شهداء وقادة يقدّمهم بوصفهم "رموز الأمة". وبالتالي، تأتي فعالية الروشة لتقول إن الحزب قادر على أن يجعل من أبرز معلم لبناني مساحة تعكس هويّته ومشروعه.

البعد السياسي للحدث

لا يمكن فصل إحياء ذكرى اغتيال السيد حسن نصرالله وهاشم صفي الدين عن السياق السياسي الأوسع. فالحزب، منذ اغتيال قياداته، يسعى إلى تحويل المناسبة إلى محطّة لتجديد البيعة والالتفاف الشعبي حوله. لكن اختيار صخرة الروشة تحديدًا، لا يخلو من دلالة عميقة: فالمكان ليس حسينيّة أو ساحة خاصّة بالحزب، بل رمز بيروتي لبناني بامتياز. وهنا تكمن الرسالة: الحزب حاضر ليس فقط في مناطقه أو بين جمهوره، بل في قلب العاصمة وفي رمزها الأبرز.

إضافة إلى ذلك، فإن الفعاليّة ستترافق بلا شك مع خطابات سياسيّة وشعارات تؤكّد استمرار "المقاومة" وتربط بين القادة الراحلين ومسيرة الحزب. وبالتالي، فإنها فرصة لتأكيد حضوره القويّ في لحظة إقليميّة ومحلّيّة دقيقة.

براغماتيّة "التكويع"

في موازاة هذا المشهد الرمزي عند صخرة الروشة، يواصل حزب الله إظهار قدر كبير من البراغماتيّة السياسيّة. فبعد سنوات من الخطاب التصعيدي تجاه المملكة العربيّة السعوديّة، خرج نائب الأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، بدعوة علنية إلى الحوار مع الرياض، معتبرًا أن التفاهم ممكن ومطلوب. هذا التحوّل في الخطاب ليس الأول من نوعه، إذ لطالما عُرف الحزب بقدرته على "التكويع" عند المنعطفات الدقيقة، سواء لحماية نفسه أو لتكييف حضوره مع المتغيّرات الإقليميّة.

هذه البراغماتيّة تكشف أنّ الحزب، على الرغم من صورته الصلبة كتنظيم عقائدي، يدرك حدود القوّة الصِرفة ويبحث باستمرار عن شبكات توازن جديدة تحفظ له موقعه داخليًا وتمنحه شرعيّة خارجيّة. فالفعاليّة في الروشة تمثّل رسالة تحدٍّ للدولة في الداخل، لكن خطاب الحوار مع السعودية يمثّل رسالة انفتاح إلى الخارج. بين هاتين الصورتين، يتجلّى الوجه المزدوج لحزب الله: مقاومة صارمة في الداخل، وبراغماتية سياسية في الإقليم.

ما بين الهويّة والانقسام

المفارقة أنّ صخرة الروشة، التي طالما جمعت اللبنانيّين حول رمزيتها الجمالية والوطنية، قد تتحول إلى شاهد جديد على الانقسام. فبين من سيرى في الفعالية تكريمًا لشهداء "المقاومة" ومن سيعتبرها استغلالًا صارخًا لمعالم الدولة، ستزداد الهوة بين اللبنانيين.

وهذا يعكس جوهر الأزمة اللبنانية: هوية وطنية ممزقة بين مشاريع متناقضة، حيث كل طرف يحاول احتكار الرموز وتطويعها لخدمة سرديته. فكما استُخدمت الساحات والشوارع من قبل مختلف القوى، ها هو البحر نفسه يتحوّل إلى امتداد لساحة الصراع.

قد يظن البعض أن الأمر لا يستحق كل هذا الجدل، وأنه مجرد فعالية عابرة. لكن الحقيقة أن المكان يصنع المعنى. حين تتحول أبرز أيقونة لبنانية إلى مساحة صراع بين قرار الدولة وإرادة الدويلة، فهذا يعني أننا أمام مشهد يختصر الأزمة اللبنانية بأبعادها كافة: عجز المؤسسات، قوة الأحزاب، انقسام الهوية، واستغلال الرموز الوطنية.

صخرة الروشة ستظل صامدة أمام أمواج البحر، لكن صمودها أمام أمواج السياسة يبقى موضع شك. فبين علم يرفرف باسم الدولة، وصور ترفع باسم الحزب، يبقى اللبناني متفرّجًا على مسرحيّة قديمة تتكرّر: دولة تتراجع، ودويلة تتقدم، فيما الرمز الوطني يتحوّل إلى شاهد على مأساة وطن لم يعرف بعد كيف يبني دولته.