جويل غسطين

في معرض "المذابح" لغسّان زرد... حوار بين ما يشدّنا إلى الأسفل وما يدعونا إلى الأعلى

5 دقائق للقراءة

في رحلة بصريّة تتعانق فيها الذّاكرة بالجراح، ويتحوّل فيها الألم إلى طقس صمود وتأمّل في استمراريّة الحياة رغم هشاشتها، يقدّم الفنان غسان زرد معرضه الفردي "المذابح" (ALTARS)، بين جدران "فيلا عوده" التي تحتفظ بوهج التاريخ وروح المكان في الحيّ الأرستقراطي التاريخي في الأشرفية، الغنيّ بقصوره ومبانيه التي لا تزال تحمل عبق الماضي.

خلافًا لِما قد يتبادر إلى ذهن البعض، "اختيار عنوان "المذابح" لا يرتبط مباشرةً بالبعد الدّيني، بل بالفكرة الفلسفيّة للمذبح كفضاءٍ يجتمع فيه الحضور والغياب، الحياة والموت، الفقدان والأمل"، على ما أوضح الفنان غسان زرد في حديثه مع "نداء الوطن". فالمذبح بالنسبة لزرد، ليس منصّة حجريّة جامدة بل مساحة مواجهة صريحة مع ما لا يمكن إخفاؤه. يضيف: "المذبح عندي ليس قدس الأقداس، بل مكان نضع فيه ألمنا كي نتمكّن من العيش. هو فضاء للنّجاة، للتّحمل والثّبات أكثر منه للعبادة".

صمت داخل الزّخرفة

اختيار زرد "فيلا عوده" لتكون فضاءً لمعرضه لم يكن خيارًا عبثيًّا، فالمكان العريق يشكّل تحديًّا بصريًّا يحفّز على الحوار بين امتلاء التّاريخ ورهافة الحاضر. أراد زرد بذلك أن تأتي أعماله كـ "وقفاتٍ صامتة" وسط هذا الغنى البصري، ليخلق مساحةً للتّأمل بعيدًا من الزّخرفة الطّاغية، موضحًا أنّه شعر أنّ الفسيفساء تعكس تاريخًا مملوءًا، بينما المذابح تقترح مساحةً للتّأمل في الحاضر.

عمق في المعاني ودقّة في التّصميم

بين اللّوحة والمنحوتة، ينسج غسان زرد حوارًا بصريًّا عميقًا يراوح بين ثقل الأرض ورحابة السّماء. فالمنحوتات تبدو وكأنّها مستخرَجة من باطن الأرض حاملةً معها أثر الزّمن وصلابته، فيما تتفتّح اللّوحات على فضاءٍ داخلي يشبه السّماء. يشرح زرد هذا التّباين موضحًا أنّ "المنحوتة أشبه بعظمة أو حجر مطمور، فيه أثر الزّمن، أمّا اللّوحة فسماء داخليّة"، ويضيف: "أحبّ أن أبقي الحوار مفتوحًا بين ما يشدّنا إلى الأسفل وما يدعونا إلى الأعلى".

يتوزّع المعرض المنسَّق بإشراف مارك معركش، على ثلاثة مذابح تحمل دلالاتٍ وجوديّة متباينة:

- "Veins of Ascent" بعموديّته التي تجسّد فعل المقاومة والتّأمل.

- "Cartographie of the In-Between" كممرّ طقسيّ بين الأضداد.

- "The Bells After the Fire" بأفقيّته التي تستحضر النّار كقوّة مدمِّرة وكاشفة.

في مذبح "The Bells After the Fire" يحضر عنصر النّار بوجهَين متناقضَين: قوّة مدمِّرة من جهة، وكاشفة من جهة أخرى. فالأجراس الصّامتة في هذا العمل، تختزل ما يتبقّى بعد الكارثة: جسدٌ حاضر بلا صوت، حيث يصبح الصّمت نفسه أبلغ من الضّجيج.

أمّا النّدوب والخدوش المتكرّرة في أعمال زرد، فليست تفاصيل عابرة بل علامات مقصودة، يحوّل عبرها الفنان الألم الفرديّ إلى ذاكرة جماعيّة، موضحًا أنّ الفنّ ليس علاجًا شخصيًا فقط، بل وسيلة لتشارك الجرح، مضيفًا: "حين يرى المتلقّي أثر الخدش أو النّدبة، يستحضر جراحه الخاصّة، ويدرك أنّ الألم ليس حكرًا على فرد واحد".


الفنّ كذاكرة جماعية

في سياقٍ آخر، لا يتعامل غسان زرد مع ثيمات العنف والخوف والتجريد كعناصر عابرة في أعماله، بل كوسيلة لإعطاء الذاكرة الجمعيَّة لغة وصورة. فهو يرى أنّ الفن لا يملك القدرة على تغيير الماضي، لكنه قادر على تغيير علاقتنا به. ويوضح: "حين نوثّق الألم ونحوّله إلى شكل جمالي، يصبح ممكناً النظر إليه من دون أن يدمّرنا".

يعتبر صاحب معرض "المذابح" أنّ الخرائط الأكثر إلحاحًا اليوم هي الخرائط الانتقاليّة، إذ يعيش الإنسان المعاصر في حالة عبور دائم وسط أزمات متواصلة وتحوّلاتٍ عميقة، مختصرًا ذلك بالقول: "الإنسانيّة كلّها تشعر أنّها في ممرّ طويل، تبحث عن أرض ثابتة لم تجدها بعد".


من الطّب إلى الفنّ

جدير بالذّكر أنّ مسيرة غسان زرد في عالم الفن، لم تبدأ إلّا بعد رحلة مطوّلة في طبّ الأسنان. فبعد ثماني سنواتٍ في مجال الطّب، اكتشف أنّ أدوات العيادة وموادها كانت تمهّد بصمتٍ لعالمه الفنّي، لتتحوّل لاحقًا إلى جزء من منحوتاته. وإلى جانب الطّب، شكّل الأدب الياباني بتركيزه المكثّف والتّحليل النفسي بفتحه أبواب الظلّ والخفي، رافدَين أساسيّين لتجربته.

واليوم يقدّم غسان زرد عبر معرض "المذابح" الذي يستمرّ متاحًا لزيارته من هواة الفن والتشكيل يوميًّا ما عدا الأحد، من الثّانية بعد الظّهر إلى السّابعة مساءً حتى 11 تشرين الأوّل 2025، أكثر من معرض فني؛ إنّه يفتح فضاءً للتّأمل في معنى الوجود، حيث يتحوّل الألم إلى لغة، والجرح إلى ذاكرةٍ مشتركة، والصّمت إلى شكل آخر من البوح. وبين الحضور والغياب، الأرض والسّماء، التّراث والراهن، يترك زرد أعماله كجسورٍ نحو الغد شاهدة على هشاشتنا، ومقترحة في الوقت نفسه قوّة خفيّة للإستمرار. ويترك أيضًا منحوتةً جديدة يقدّمها هديّة للمجموعة الدّائمة في حديقة "فيلا عوده"، لتصبح جزءًا من ذاكرة المكان وحواره المستمرّ بين العصريّة والتّراث. هكذا يغدو الفن لديه ليس زينة للحياة، بل وسيلة للنّجاة، وذاكرة حيّة تحفظ إنسانيّتنا في مواجهة الإنكسار.



من المعروضات (تصوير جاد مونّس)