جويل غسطين

شغف لا استراحة

منير الحافي من الإعلام السياسيّ إلى توثيق الفنون

6 دقائق للقراءة
منير الحافي مقدِّمًا كتابه للسفير السعودي في لبنان وليد البخاري

من السّياسة إلى الفن، خطّ منير الحافي مسارًا مزدوجًا، يجمع فيه بين خبرته الطّويلة في الإعلام السّياسّي وحسّه الجديد في مقاربة الفنون التشكيليّة، إذ اختار الإصغاء إلى همس اللّون وضجيج الخطوط، فكانت ولادة مهنيّة جديدة مع كتابَين حتى الآن، حمل كلّ منهما بصمةً توثيقيّة وجماليّة: "المدمن – تميم متلج" و "السّهل الممتنع - وسام ملحم".

لم يكن دخول الإعلاميّ المعروف منير الحافي إلى عالم الفن التشكيلي مجرّد استراحة من صخب السّياسة، بل جاء نتيجة شغفٍ وحاجة لتوثيق جماليّات لبنان عبر وجوه مبدعيه وأعمالهم. فقد تعاون مع مقتني فنون لإنشاء مؤسّسة تعنى بجمع الفن التشكيلي اللبناني، فاستلزم الأمر أيضًا قلمًا صحافيًّا يحفظ تجارب الفنانين ويروي قصص نجاحهم، فكانت النتيجة حتى الآن إصدار كتابَين، واحد عن الفنان التشكيليّ تميم متلج، وثانٍ عن الفنان التشكيليّ وسام ملحم.

"الفن اللّبناني بحر واسع يستحق الغوص فيه، ليس لالتقاط لآلئه فحسب، بل للتعريف بأبطاله الذين يحملون اسم لبنان إلى العالم"، يقول الإعلاميّ المخضرم لـ "نداء الوطن"، مشيرًا إلى أن التعامل مع الفنانين والرّسامين أضاف له معرفة كبيرة بالثقافة والفنون وروحيّات الأعمال، وواصفًا الفن بعالمٍ هائل يفتح يوميًّا نافذةً جديدة للتّعلم والاكتشاف.

في سياقٍ موازٍ، يعتبر الحافي أن الفن مرآة للإنسان والهويّة، يجمع الناس ويمنحهم مساحةً للحوار والانفتاح، "الفن يقتني الناس"، ويرى أيضًا أن لبنان يزخر بفنانين عالميّين وجامعي فنون يشكّلون شريحة مهمّة من المجتمع، تتطلّب اهتمامًا وتعاونًا بين مؤسّسات الدّولة والقطاع الخاصّ. تجربة يلخصها الإعلاميّ المخضرم بكونها "أضافت إلى رصيده المهني والإنساني تراكمًا مستمرًّا من المعرفة والحكمة".

توثيق وكتابة

على صعيد آخر، يوضح منير الحافي أن جمع المعلومات لإعداد كتابَيه الصادرَين عن "دار النهار"، لم يكن مجرّد بحث مكتبيّ بل نتج عن ساعاتٍ طويلة من الجلوس مع الفنانَين تميم متلج ووسام ملحم، والاستماع منهما إلى تفاصيل حياتهما وتجربتهما الإبداعيّة.

في حالة متلج، برز البعد الإنساني بقوّة: فالرّجل الذي عانى مرضًا خلقيًّا في الكلى ثمّ خضع لاحقًا لزراعة كلية، لم يتوقف عن الرّسم والإبداع رغم الألم. أما مع ملحم، فقد شكّل انتقاله من الهندسة إلى الفن نقطة محوريّة في السّرد، حيث وثّق الحافي بدقة مسيرة المهندس الفنان وأعماله الإبداعيّة.

وعن أسلوبه في تقديم الفنان التشكيلي إلى القارئ، يصرّ الحافي على البساطة والابتعاد عن التعقيد. يقول إن الكتابة المباشرة والإنسانيّة التي تشرح اللّوحة والفن بلغةٍ قريبة من الناس، هي الطّريق الأفضل لتوسيع جمهور الثقافة والفنون التشكيليّة. فالمصطلحات المعقدة تبقي هذا المجال نخبويًّا، بينما يرى أن مهمّته كانت ولا تزال تقريب هذا النوع من الفنون إلى الجمهور، وتقريب الجمهور من الفنان.

السّهل الممتنع

اختيار عبارة "السّهل الممتنع" عنوانًا لأحد مؤلَّفَيْ منير الحافي، لم يكن خيارًا اعتباطيًّا، بل جاء ليعكس ازدواجيّة الأسلوب بين الكاتب والفنان. العبارة أيضًا جوهر فن وسام ملحم الذي يحافظ على رسالته الفنيّة بعمق من خلال لغة بسيطة. ويوضح الحافي أن أعمال ملحم تتكرّر فيها رموز أساسيّة: الطّائر رمز للحريّة، التّاج للقوّة، الغيمة للحلم، ويبقى الإنسان هو العنصر الأهمّ الذي يتوسّط المشهد ويمنحه المعنى.

في الكتاب يتناول الحافي أيضًا سيرة وسام ملحم: طفولته، دراسته، تجربته في مكتب المهندس والفنان نديم كرم، وكيف انتقل تدريجيًّا إلى الرّسم بشكلٍ احترافيّ. كما يضيء على مشاركاته في معارض فرديّة وجماعيّة، محاولًا أن يقدّم للقارئ صورة متكاملة عن تجربة الفنان بأسلوب سلس يبتعد عن التعقيد.

المدمن

كتاب "المدمن" يتميّز من شقيقه "السّهل الممتنع" بكونه كان التجربة الأولى للكاتب منير الحافي في الكتابة الفنيّة الثقافية، حيث حمل عنوانًا لافتًا مستوحى من علاقة تميم متلج بـ "إدمانه" على الرّسم والإبداع. أما اختيار تميم متلج فلم يكن صدفة. الحافي رأى فيه فنانًا مختلفًا من حيث الهويّة والأسلوب، إذ ينتمي إلى مدرسة "البوب آرت" ويطرح أفكارًا شبابيّة جريئة تتجسّد في لوحاتٍ قويّة الألوان وغنيّة بالدّلالات البصريّة.

توثيق الفن والموسيقى

على صعيد آخر، لكن ليس بعيدًا من أجواء توثيق الفنون وأصحابها، أجرى الإعلاميّ منير الحافي لقاءاتٍ حواريّة فنيّة عدّة أخيرًا، أبرزها  مع الفنانة المعتزلة نهاد فتوح، وهو اللقاء المصوّر الأوّل الوحيد لها بعد حجابها واعتزالها الغناء، ومع أقرباء المطربة الجزائريّة وردة ذات الأصول اللبنانيّة لجهة والدتها، والمصريّ عبد الحليم حافظ.

في هذا السّياق، يوضح الحافي أن اختياره هذه الشخصيّات لم يكن عشوائيًّا، بل نتيجة شغفه بالموسيقى والطّرب الشرقي الأصيل ورغبته في مشاركة هذا التراث مع الجمهور، ويشرح: "نهاد فتوح إنسانة محترمة وصاحبة صوتٍ ذهبيّ، اختفت عن المشهد منذ أكثر من عشرين عامًا، وخصّتني بمقابلة تشرح فيها سبب اعتزالها الفن. وكذلك فعل أقرباء السّيدة وردة الجزائريّة، وابن أخ الفنان الكبير عبد الحليم حافظ، الأستاذ علي شبانة، الّذي أكرمني بإجراء مقابلة على قناتي في "يوتيوب"".

مشاريع طموحة

مشاريع تهدف إلى تعزيز الفن والثقافة في لبنان، يعمل عليها منير الحافي للمستقبل. فرغم غياب الدّعم الرّسميّ، يسعى الإعلاميّ اللبنانيّ مع عدد من مقتني الفنون وأصحاب القدرة الماليّة، لإقامة "حيّ للفن" يضمّ قاعاتٍ ومعارض وورشًا فنيّة، بهدف توفير مساحة حقيقيّة للإبداع والمبدعين. كما يواصل توثيق مسيرة فنانين لبنانيّين وعربًا من خلال كتب في طور الإعداد تمهيدًا للطباعة والنشر، حيث يخطّط لإصدار كتابٍ جديد هذا العام يروي قصّة نجاح فنان مهمّ في لبنان يترك الكشف عن اسمه لوقت لاحق، في خطوةٍ نحو سلسلة توثيقيّة أو موسوعة شاملة عن فناني منطقتنا تصبح مرجعًا للأجيال المقبلة.



الإعلاميّ منير الحافي




الرئيس تمام سلام متصفحًا كتاب منير الحافي




منير الحافي والفنان التشكيلي وسام ملحم




منير الحافي والفنان التشكيلي تميم متلج




غلاف "المدمن"




غلاف "السهل الممتنع"