يسعدني أن أطلّ عبر صفحات جريدة "نداء الوطن"، هذا المنبر السيادي الحرّ الذي أثبت خلال السنوات الماضية التزامه الثابت بقضايا الوطن والإنسان، وبالدفاع عن الحقيقة مهما كانت الظروف. يشرّفني أن أكون بين أقلامها، لأشارك من خلال هذه الزاوية ما اختبرته من تجارب وآراء في الشأنين العسكري والمدني، لعلّنا معًا نضيء على بعض ما طمس، ونطرح ما يستحق النقاش البناء.
أتذكّر تمامًا، كما لو أنه الأمس، تلك الليلة من عام 1989، حين كنت ضابطًا في لواء الحرس الجمهوري أؤدّي واجبي داخل القصر الجمهوري في بعبدا. كانت الساعة قرابة الثالثة والنصف فجرًا، حين خرج العماد ميشال عون رئيس الحكومة العسكرية آنذاك، ليتوجّه إلينا بكلمة لم أنسَها منذ أكثر من ثلاثة عقود. رفع نظره إلى السماء وقال: "عم بتنشق حرية... وهلق حليت المجلس النيابي بموجب المرسوم المعلل رقم 420 الصادر في 4 تشرين الثاني 1989".
كانت تلك الجملة أشبه بإعلان انقلاب على الدستور، وحلّ لأعلى سلطة تمثل الشعب اللبناني، بكلمة واحدة وقرار فرديّ لم يكن أحد يعلم إن كان قانونيًا أم مجرّد نزوة في لحظة سياسية مضطربة، وما كان واضحًا منذ تلك اللحظة أن الرجل لم يكن يرى في الدولة سوى سلّم لتحقيق طموحه الشخصي نحو رئاسة الجمهورية، وأن حلمه هذا كان أقوى من أي التزام وطني أو دستوري.
في تلك الفترة، لم نكن ندرك تمامًا الأبعاد السياسية لما جرى. كنا نرى في خطابه دعوة إلى التحرّر والسيادة، كما رآها معظم اللبنانيين الذين صدّقوا الشعارات واعتقدوا أنها طريق الخلاص من الوصاية الخارجية. لكن مرور السنوات وما تلاه من تجارب وحقائق، كشفا أن ما ظُن أنه مشروع وطني كان في جوهره مسارًا شخصيًا نحو السلطة، وأن الكلفة التي دفعها لبنان كانت أفدح ممّا تصوّرناه.
لقد أرادها "ثورة حرية"، فتحوّلت إلى فوضى دستورية وشرخ في ثقة المواطن بالدولة ومؤسّساتها، ما أفسح المجال لاحقًا لسنوات من الشلل السياسي والتراجع في كلّ القطاعات. كان المشهد مذهلًا. كلمة واحدة عطّلت مجلس النواب، الذي يمثل إرادة الشعب اللبناني جمعاء، وأدخلت الدولة في مرحلة من اللايقين. لم يكن ذلك مجرّد حدث عابر بل كان درسًا صارخًا في كيفية استغلال السلطة لتحقيق مصالح شخصية على حساب الدستور والمصلحة الوطنية.
خلال وجودي في لواء الحرس الجمهوري بين عامي 1988 و 1990، شهدنا ثلاث حروب متتالية: حرب التحرير، حرب الإلغاء، وحرب الثالث عشر من تشرين الأوّل. لم يكن بإمكاننا حماية المدنيين من الدمار غير المسبوق الذي أصاب المناطق ولا من حجم الخسائر البشرية المؤلمة بين العسكريين والمدنيين على السواء. سقط شهداء، وفقد آخرون، وأسر بعضهم، فيما تعرّض آخرون لإعدامات ميدانية، ولا نزال حتى اليوم نجهل مصير رفات الكثيرين. وفي خضمّ هذه الأحداث القاسية والمعقدة، جاء خروج العماد ميشال عون المستغرب والمفاجئ خلال المعارك إلى السفارة الفرنسية، ومن ثمّ إلى المنفى، تاركًا القيادة الميدانية تواجه مصيرها بمفردها وهو ما كشف مدى خطورة القرارات الفرديّة المتسرّعة حين تتخذ بمعزل عن الواقع والميدان.
اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، أعود بذاكرتي إلى تلك اللحظة لأجد المشهد اللبناني في مكان مختلف شكلًا، لكنه في جوهره لا يقلّ عبثية. فالمجلس النيابي، الذي حُلّ آنذاك بقرار فرديّ، هو نفسه اليوم مشلول بالإرادة السياسية وبخضوع ممنهج لمنظومة تحكم الدولة وتخشى أيّ تغيّر. يعطّل البرلمان لأن رئيسه يرفض الدعوة إلى جلسات قد تفتح باب التعديل في قانون الانتخاب أو تصويب المسار الديمقراطي قبل انتخابات 2026، ما يحرم اللبنانيين، وخاصة المغتربين من حقهم في المشاركة الكاملة والعادلة.
الفرق الوحيد أن القرار يومها اتخذ بصوت واحد صاخب ومتهوّر، أمّا اليوم فيتخذ بصمتٍ مدوّ، وكأن غياب القرار أصبح أداة جديدة للسيطرة، وأسلوبًا لتجميد إرادة الشعب. النتيجة واحدة تعطيل الحياة الدستورية، وضرب مبدأ تمثيل الشعب، واستمرار الشلل في مؤسسات الدولة، في ظلّ نظام يقدّر الفراغ على الإصلاح، والتبعية على السيادة.
هكذا تتحوّل الشعارات التي رفعت يومًا باسم الحرية والسيادة إلى كوابيس متكرّرة، بين من حلموا بالكرسيّ ومن يتمسّكون بها اليوم رغم انهيار المبادئ والممارسات التي كان يجب أن تحمي الوطن.
قد يختلف اللاعبون، لكن المسرح هو ذاته وطن يتألّم، مؤسّسات تتعطّل، وشعب ما زال يبحث عن نسمة حرية حقيقية... يتنشقها دون إذن من أحد، كما قال من سبقونا منذ أكثر من ثلاثة عقود، وكأن التاريخ يعيد نفسه بنسخ أكثر قسوة.
فالتاريخ لا يرحم من جعل من الغرور منهجًا للحكم، ولا يذكر إلّا من جعل من التواضع طريقًا لخدمة الوطن. كم من حاكم اعتقد أنه يصنع التاريخ، فإذا به يهدم أركان الدولة بقراراته ومكابرته. وفي النهاية، تبقى الحقيقة واحدة من يحكم بدافع الغرور لا يبني وطنًا، بل يهدمه حجرًا حجرًا.
باحث سياسي وعسكري