رنا شمص

الحجاب والنظام الإيراني: السلطة في عباءة الدين

من "مهسا أميني" إلى ابنة شمخاني... إيران وازدواجيّة السّلطة

3 دقائق للقراءة

الحجاب كأداة سلطة لا كقيمة دينية

منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، فرض النظام الإيراني الحجاب ليس باعتباره التزامًا دينيًا بل أداةً سياسية لترسيخ سلطته. فالمظهر الإسلامي أصبح رمز الولاء للدولة، ومن يخالفه يُعتبر متمرّدًا على "الثورة" قبل أن يُتهم بأنه مخالف للشريعة.

بهذه الطريقة حوّل النظام قضية شخصية إلى معركة وجود، ليبقى الدين في خدمة السياسة، والمرأة في موقع المراقَب والمحاسَب.

قبل أسابيع، أثار حفل زفاف ابنة علي شمخاني، أحد أبرز قادة الأمن في إيران، موجة غضب واسعة بعدما تسربّت صور ومقاطع تُظهر ترفًا فاحشًا ونساءً من دون حجاب داخل الحفل.

الحدث لم يكن اجتماعيًا فحسب، بل سياسيًا بامتياز. فالنظام الذي يجلد النساء في الشوارع بحجّة "سوء الحجاب"، هو نفسه الذي يتسامح مع نساء النخبة حين يخرقن القوانين.

بهذا المشهد، انكشفت ازدواجية السلطة: قانون للحشود، واستثناءات لأصحاب النفوذ.

مهسا أميني... الشرارة التي لم تنطفئ

لم تكن مهسا أميني أوّل ضحيّة للنظام، لكنها كانت الرمز الأقوى. الفتاة الكردية البالغة 22 عامًا، قُتلت في أقبية "شرطة الأخلاق" لأنّ خصلات شعرها خرجت من الحجاب.

موتها فجّر انتفاضةً نسائيّة غير مسبوقة تحت شعار "المرأة، الحياة، الحريّة". ورغم القمع الدموي، فإنّ النظام لم ينجح في إخماد تلك الروح. فمهسا تحوّلت إلى أيقونة عالميّة، وصورتها أصبحت تلاحق كلّ من يتحدّث باسم الدّين لتبرير العنف.

في إيران، يخاف النّظام من امرأة تكشف شعرها أكثر مما يخاف من العقوبات الدوليّة. لأنّ الحجاب بالنسبة له ليس لباسًا بل رمز الطاعة. سقوطه يعني سقوط الهيبة، ورفضه يعني كسر حلقة الخوف التي بُني عليها الحكم طوال أربعة عقود.

الحجاب، في جوهره داخل النظام الإيراني، هو جدار دفاعٍ سياسي، وسقوطه بداية انهيار فكرة "الوليّ الفقيه" التي تُبرّر قمع المجتمع باسم الله.

من طهران إلى الضاحية... النسخة اللبنانية الإيرانيّة

النظام الإيراني لم يكتفِ بتصدير النفط أو المذهب، بل صدّر النموذج السياسي نفسه إلى المنطقة عبر أذرعه، وأبرزها حزب الله في لبنان.

فكما تراقب "شرطة الأخلاق" في طهران مظهر النساء، يراقب حزب الله في لبنان المواقف والآراء. وكما يحتكر النظام الإيراني تفسير الدين لخدمة السلطة، يحتكر الحزب مفهوم "المقاومة" لتبرير هيمنته على الدولة والمجتمع.

في الحالتين، تُختزل القيم في الولاء، ويُقمع المختلف تحت شعار "الخطر الخارجي" أو "الفتنة الداخليّة".

النخبة تعيش في رفاهية... والشعب يدفع الثمن

ما بين حفل ابنة شمخاني وقصور قادة الحرس الثوري، أو بين ضاحية بيروت الجنوبيّة حيث يعيش زعماء حزب الله، يتكرر المشهد ذاته: ترفٌ للنخبة باسم الثورة، وفقرٌ للناس باسم الصمود.

إنه النظام ذاته الذي يرفع شعارات العدالة ويعيش بنقيضها، ويطالب الشعوب بالتضحية بينما هو يعيش في النعيم.

ما حدث في طهران يعيد السؤال إلى الواجهة: إلى متى سيبقى الدين درعًا للسلطة؟

النظام الإيراني فقد شرعيّته الأخلاقيّة يوم جعل من الحجاب سلاحًا، ومن المرأة عدوًا. وحزب الله يسير على الطريق ذاته، متمسّكًا بخطاب "المقدّس" ليخفي وراءه واقعًا فاسدًا ومنعزلًا.

لكن الشعوب تغيّرت. جيل ما بعد مهسا أميني في إيران، وجيل ما بعد الانهيار في لبنان، لم يعد يخاف من كشف الشعر أو كشف الحقيقة.

فالحريّة حين تبدأ بفعلٍ صغير - كرفض الحجاب الإجباري - قد تُسقط في النهاية أكبر الأنظمة التي اختبأت خلفه.