زائدة الكنج الدندشي

متلازمة "الإنسان الطيّب": حين يتحوّل اللطف إلى عبء نفسيّ

3 دقائق للقراءة

في مجتمعاتنا التي ترفع شعار "القلوب البيضاء"، يبدو الإنسان الطيّب وكأنه المثال الأعلى للأخلاق. لكن في كثير من الأحيان، يتحوّل هذا اللطف إلى عبء نفسيّ ثقيل، خصوصًا حين يتخطّى الحدود الطبيعية ليصبح نوعًا من إرضاء الآخرين على حساب الذات. علم النفس يسمّي ذلك "متلازمة الإنسان الطيّب"، وهي حالة يعيشها كثيرون من دون أن يدركوا.


اللطف الجميل حين يتحوّل إلى استنزاف

الطيبة في جوهرها قيمة نبيلة، لكنها تصبح مرهقة عندما تُمارَس بدافع الخوف من الرفض أو الرغبة المستمرّة في نيل القبول. في الحياة اليومية، نرى هذا النمط واضحًا: شخص لا يستطيع قول "لا" في العمل، أو صديقة تلغي خططها الخاصة لتساعد الجميع، أو فرد في العائلة يتنازل عن راحته كي لا يُزعج أحدًا.

سمر، شابة تعمل في شركة إعلانات، تحكي أنها كانت تبقى في المكتب حتى منتصف الليل لتُنهي مهام غيرها. تقول: "كنت أخاف أن يُقال عني إني أنانية". بعد عامين من الإرهاق، انهارت تمامًا. الطبيب أخبرها أن مشكلتها ليست في العمل، بل في عدم قدرتها على وضع حدود.


جذور تمتدّ إلى الطفولة

غالبًا ما تبدأ هذه المتلازمة في الطفولة، حين يتعلّم الطفل أن الحبّ يُمنح فقط عندما يكون مطيعًا ومرضيًّا للكبار. الطفل الذي لا يُسمح له بالتعبير عن غضبه أو رفضه، يكبر وهو يعتقد أن اللطف هو الطريقة الوحيدة ليستحق الحبّ. فيكبر "الإنسان الطيّب" محمّلًا بشعور دائم بالذنب إذا لم يُرضِ الآخرين، وكأنه مدين للعالم بالابتسامة والخدمة الدائمة.

علم النفس السلوكيّ يؤكّد أن هذه الحالة مرتبطة بانخفاض تقدير الذات، حيث يبحث الفرد عن قيمته من خلال نفع الآخرين بدل أن يجدها في ذاته.


الوحدة التي يخلّفها اللطف الزائد

المفارقة أن الإنسان الطيّب يظن أنه سيكسب محبّة الجميع، لكنه في النهاية يجد نفسه وحيدًا. فالكثير من الناس يعتادون لطفه ويعتبرونه أمرًا بديهيًا. ليلى، وهي معلّمة مدرسة، تقول: "كنت أظن أن اللين مع الطلاب سيجعلهم يحبونني أكثر، لكنهم فقدوا احترامهم لي لأنني لا أقول "لا" أبدًا".

هذه الحالات تتكرّر في العمل، في الصداقات، وحتى في العلاقات العاطفيّة، حيث يتحوّل اللطف المفرط إلى طريقٍ ممهّد للاستغلال العاطفي أو النفسي.


الطيبة لا تعني التنازل عن النفس

الشفاء من متلازمة "الإنسان الطيّب" يبدأ بفهم بسيط: اللطف لا يعني إلغاء الذات. يمكن للإنسان أن يكون عطوفًا وصادقًا في الوقت نفسه، أن يساعد من يحبّ من دون أن ينسى نفسه في الزاوية. قول "لا" ليس أنانية، بل مهارة ضروريّة للحفاظ على الصحّة النفسية.

من المهم أن نتذكّر أن قيمتنا لا تُقاس بعدد من أرضينا، بل بقدرتنا على أن نكون صادقين مع أنفسنا. فالطيبة الحقيقية لا تستهلكنا، بل تضيء فينا التوازن بين العطاء والحفاظ على الذات.

في النهاية، ليس المطلوب أن نتوقف عن أن نكون طيّبين، بل أن نتعلّم أن نكون طيّبين بحكمة. لأن أجمل أنواع اللطف هو ذاك الذي يبدأ من الداخل… حين نعامل أنفسنا أولًا بالرحمة التي نمنحها للآخرين.