ميشال معيكي

سلسلة: "قامات ثقافية" (12)

ميشال بصبوص: مجنون جمال أخصَبَ الحجر!

4 دقائق للقراءة
ميشال بصبوص

"كان والدي كاهنًا وخطّاطًا. أثناء خدمتي لقدّاسه، كنتُ أراقب ذوبان الشمع على المذبح وتكوُّن الأشكال. تعلّمتُ منه كيفية صبّ الشمع العسلي في القصب، فصرتُ أذوّب الشمع في وعاءٍ وأصبُّه في دلو ماء، فتتكوّن أشكال غريبة جميلة. بعدها بدأت مرحلة التعامل مع الصخر".

عام 1945 وبمنحة من وزارة التربية، دخل ميشال بصبوص "الأكاديمية اللبنانية للفنون". وبسبب ضيق حاله وبالتواطؤ مع حارس المبنى، ولتوفير بعض الليرات، كان ينام سرًّا في غرفة التدريس على فراش "الموديل"!

كتب في مذكّراته: "خلال معرض التخرّج، زارنا وزير التربية حميد فرنجية، وسأل عن منحوتاتي جورج حيمري مدير التربية، عن ذاك الفتى- الموهبة، وأمر بإعطائي مِنحةً سنوية لإكمال دراستي".

في فرنسا، أكمل ميشال بصبوص دراسته الفنية وتعرّف إلى المتاحف ومحترفات كبار النحاتين، وتشبّع من مدارس النحت الحديث ومن حلقات الحوار في مقاهي باريس الأدبية والفكرية.

راشانا وتعني بالآرامية: أنا الرأس، قرية هانئة حوّلها ميشال بصبوص مع أخوَيه لاحقًا ألفرد ويوسف، إلى متحف في الهواء الطلق. مطلع ستينات القرن الماضي وبالتعاون مع أنطوان ملتقى، تحوّلت راشانا إلى مسرح عبر مهرجان سنوي، على ضوءِ القناديل وقبل وصول الكهرباء إليها. فاحتضنت أعمالًا مسرحيّة مقتبَسة من روائع الأدب العالمي، فشاهد الجمهور اللبناني: "ماكبث" لشكسبير، و"الجريمة والعقاب" لدوستويفسكي. كما أدّت فرق عالمية عروضًا مُمسرحة وراقصة، بينها "Palma" الإيطالية.

كانت لحظةً تاريخية رائعة، حقق عبرها ميشال بصبوص حلم حياته بتحويل راشانا إلى فسحةٍ للثقافة والفنون!

هذا البصبوص، أحد أعمدة النحت الحديث في لبنان والمنطقة.

منذ خمسينات القرن الماضي، بدأ ميشال بصبوص صياغة مساره التشكيلي الخاص، بين الحجر والخشب والبرونز، في حوار مشاجرة - مساءلة بين المادة والإزميل والخيال. فجمعت أعماله التجريد في الإغراء البصريّ. لم يبحث بصبوص عن الكمال في الشكل. كان همّه الوصول إلى الإيقاع الداخلي في كتلة المادة. صار النحت معه لغة هوية تعبّر عن انتماء إلى مطلق إنساني!

لقد جعل قريته راشانا متحفًا فنيًّا بلا جدران، وصار الفن المتجذر بالأرض وطناً بحد ذاته.

من ميزات بصبوص قدرته العميقة، الإصغاء إلى الحجر وإيقاعاته الخفيّة عن الإدراك البصري. بهذا المعنى، أعاد تعريف علاقة الإنسان بالحجر، ومن صخور لبنان صاغ أبجدية حديثة للفن، وحوّل النحت إلى فسحة للتأمُّل عبر الإزميل والمطرقة وشرارات الحديد...

في الخمسينات، لم ينخرط في التيارات الغربية الصاخبة التي هيمنت على المشهد الثقافي الفني في أوروبا وفرنسا خاصةً، فابتكر لغة فريدة من التجريد الخالص إلى الرمزية الانطباعيّة، والمزاوجة بين تشكيلات الغرب وروحانية الشرق، وخاصة من الأسطورة والحلم.

قول في كتابه "ميشال بصبوص" عن "منشورات الجامعة اللبنانية":

"بعد رجوعي من باريس استأجرت محترفًا في بيروت قرب "زهرة الإحسان" وكان كاراجًا حوّلته محترفًا، واستعملت إحدى الزوايا، كغرفة نوم. وبدأت العمل بنشاط، فتحوّل محترفي إلى مكان لقاءات مع الفنانين اللبنانيين والأجانب. وكان في تلك الفترة نشاط كبير بين الفنانين اللبنانيّين لممارسة حريّة التعبير وتفتيش كلّ منهم عن طريقة مميّزة. وكان لنا في ذلك الوقت مركز لقاء آخر وهو مقهى "La Palette". فكنا نلتقي يوميًا تقريبًا جميع الذين يهتمّون بالفنون الجميلة، فنتبادل الآراء والأحاديث الفنيّة من مسرح ورسم ونحت وموسيقى.

وفي يوم من الأيام، جاءني أنطوان ملتقى طالبًا أن يلعب مسرحيّة في راشانا، بين التماثيل. فاتفقنا أن يلعب وفرقته مسرحية "ماكبث". لم يكن يوجد طرقات ولا كهرباء ولا مسرح. فبِهمَّة أهالي القرية ونشاط شبابها تمّ الاتفاق على استعمال أرض تخصّ الوقف وأنهينا تمهيد الأرض، واستعملت لتمثيل المسرحية. وكان عدد المشاهدين للحفلتين، ما يناهز 1500 نسمة. وقد ساهمت الصحافة مساهمة فعّالة، فكتبت عن النشاط الفني الجديد الذي جمع بين النحت والمسرح على مدى أربع سنوات متتالية، فمثلت مسرحية: "جريمة وعقاب" لدوستويفسكي، و"ضاعت الطاسة"، اقتباس إدوار بستاني، وقدّمت "فرقة نانسي" "ملوك ثيبا"، وقدّمت فرقة "Palma" الإيطالية ملهاة".

صباح الخير أيها المستريح في رحم الصخر!

ميشال بصبوص، مجنون جمال أخصَبَ الحجر...



النحات ميشال بصبوص

من منحوتات ميشال بصبوص

منحوتة من أعمال ميشال بصبوص

من أوراق ميشال بصبوص

متأملًا صنع يدَيه