وكأن البحر ما عاد ملاذًا آمنًا لمخلوقاته لتنمو فيه وتتكاثر بل مرتعًا للتلوث والنفايات والمياه المبتذلة تعيث فيه فسادًا يقضي على ثروته السمكية المقيمة التقليدية ويترك المجال مفتوحًا أمام أنواع غازية مؤذية لم تعرفها مياهه من قبل. ما يجري تحت مياه بحرنا الزرقاء يستدعي الهلع.
بين اختفاء التوتيا من شواطئ لبنان وتراجع "سلطعون" الرمل وظهور السمكة "النفاخة" السامة تتنامى المؤشرات التي تدل على أن البحر ليس بخير وأن مخلوقاته تستغيث. البيئيون، الصيادون والغواصون أصغوا إلى صرخات الاستغاثة بعد أن لمسوا ما يعانيه البحر. معاناة يحاولون نقلها إلى أصحاب القرار علهم يعيدون للبحر أنفاسه. ولكن هل يستجيب هؤلاء أم يصمّون آذانهم تحت الماء كما يصمونها على اليابسة؟
المهندس مالك غندور رئيس التجمع اللبناني للبيئة يقول إن الشاطئ اللبناني يتميز بخصائص فريدة ومميزة في حوض البحر المتوسط حيث يتداخل البر والبحر كما في رأس الشقعة ورأس البياضة وحيث تلتقي المياه العذبة بالمياه المالحة عند المصبات النهرية مثل مصب الليطاني عند القاسمية والمياه الناتجة عن برك رأس العين الأثرية. ويشكل كل ذلك بيئة فريدة بالتنوع البيولوجي إضافة إلى تنوع الشواطئ ما بين رملية تصلح للسباحة والترفيه وصخرية تحضن الكثير من الأنواع الفريدة. ومن جهتهم، يروي بعض الغطاسين المحترفين عن وجود آبار مياه ساخنة تخرج بألوان متنوعة من قعر البحر كما عن وجود ينابيع مياه حلوة ضمن المياه المالحة.
ولكن للأسف هذا البحر الغني المميز يعاني، رغم وجود تفاوت في حال مياهه بين منطقة وأخرى، نتيجة عوامل عديدة ويصدر مركز علوم البحار التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية تقريرًا علميًا سنويًا يورد فيه نسبة تلوث المياه في كل منطقة من مناطق الشاطئ.
رئيس الاتحاد اللبناني للغوص والإنقاذ ونائب رئيس الاتحاد الدولي علي المقداد، يشرح من خلال خبراته العملية في الماء، أن حالة السوء إلى ازدياد، وأن تراكم العوامل المؤذية يساهم في تفاقم النتائج، بحيث باتت هناك مناطق لم يعد من الممكن الغطس فيها بسبب انعدام الرؤية تحت الماء مثل محيط مكب الكوستا برافا. ويعدّد المقداد مجموعة أسباب أدت على مر العقود إلى وصول بحر لبنان إلى هذه الحال السيئة وإلى شبه تدمير لثروته السمكية: المجارير والمياه الآسنة التي تصب في البحر، عصارات النفايات التي تخرج على شكل مادة سوداء لزجة كالنفط تحت الماء قرب مكبات النفايات وتلوث كل ما حولها من حياة بحرية، المواد الكيميائية التي تصب في البحر من المسابح والمنتجعات وعبر الصرف الصحي مثل الكلور والمنظفات وغيرها. هذا إضافة إلى النفايات الصلبة وأبرزها البلاستيك الذي لا يتحلل في الماء إلابعد مئات السنين. وأخطار أكياس البلاستيك على الأسماك شديدة، حيث تحملها المياه إلى المنخفضات والوحليات القريبة من الشاطئ، وهي الأماكن التي يبذر فيها السمك عادة فيعيق وجودها عملية التبذير. وإليها تضاف نفايات المستشفيات والمسالخ. ومؤخرًا جاءت معامل غسل الأوحال لاستخراج الرمل منها ورمي الوحل في البحر أو في أقنية الصرف، لتزيد من سوء حال المياه وتمنع الرؤية فيها.
كذلك يورد المقداد سلسلة من الأسباب المتعلقة بالصيد، والتي تؤدي إلى تدهور حال البحر وتؤثر بشكل مباشر على الثروة السمكية فيه، وأبرزها: السموم التي تستخدم بهدف اصطياد الأسماك، حيث أنها لا تؤثر فقط على السمكة، بل على دورة الحياة البحرية ككل من الأسماك إلى الديدان والأصداف والطفيليات وحتى الطيور. وكذلك الصيد بالديناميت الذي يقتل كل الكائنات البحرية المتواجدة في محيط انفجاره لا الأسماك فقط، ويقضي على بذور الأسماك وبيوضها. ومثله الصيد العشوائي في أوقات غير صحيحة يكون السمك فيها صغيرًا، أو الصيد الجائر بشباك ذات فتحات صغيرة تعلق فيها كائنات بحرية لا تصلح للأكل يتم رميها في ما بعد على الشاطئ. وهذا ما أدى إلى إتلاف موائل اليرقات والكميات الكبيرة من الأسماك الصغيرة وسبّب ضغطً على المخزون أو الذخيرة كما تسمى في عالم الصيادين.
أنواع تختفي وأخرى تجتاح
نتيجة تراكم هذه العوامل ونقص التنوع الحيوي، تدهورت الثروة السمكية في بحر لبنان، كما يشرح مالك غندور، ما أثر على الإنتاج وعلى عائدات الصيادين الذين يعتمدون في معظمهم على أساليب الصيد التقليدية، ويعانون من نقص في الدعم للصيد الحرفي ما اضطر لبنان إلى استيراد جزء كبير من حاجاته من الأسماك. كذلك، بدأ لبنان يشهد تدريجيًا اختفاء بعض الأنواع البحرية مثل "التوتيا" هذه الثمرة البحرية الشهية التي افتقدها محبوها بوضوح في السنوات الأخيرة. ويشرح غندور أن أسباب اختفاء التوتيا وغيرها من الأصناف من البحر اللبناني، يعود إلى عدة عوامل، أهمها: التلوث والتسرب النفطي الذي حصل في عام 2006، إضافة إلى التغيرات المناخية التي أدت إلى ارتفاع درجة حرارة المياه وزيادة الملوحة، وكذلك زيادة المغذيات العضوية، فضلًا عن الصيد الجائر. هذه العوامل مجتمعة أدت إلى اختناق البيئة البحرية وعدم ملاءمتها لحياة التوتيا، ما أدى إلى انقراضها من شواطئ لبنان.
وكأن بحر لبنان لم يكتف بخسارة بعض كائناته الأصلية المستوطنة، لتأتيه أنواع غازية من الخارج وتشهد اجتياحًا لمياهه مثل: سلطعونات البحر الأحمر وقناديل البحر التي تضاعف عددها 100 مرة وسمكة الهر وسمكة الأسد السامة. وهذه الأنواع، تهاجر عبر قناة السويس من البحر الأحمر وتساهم في تغيرات بيئية في الحوض الشرقي للمتوسط، وفي المنظومة الحيوية البحرية. ويُعتقد أن وجودها مرتبط بارتفاع حرارة المياه. وتستوطن هذه الأنواع الغازية عمومًا بشكل مجموعات في المناطق الرملية، وتتغذى على اللافقريات وتستولي على موائل الأسماك المقيمة، وتساهم في تدمير الحاجز الطبيعي واستقرار التوازن البيئي.
مؤخرًا، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، بدأت تنتشر الفيديوات لدلافين وقروش وحيتان تسبح في بحر لبنان ما أثار دهشة كبرى. لكن في الواقع، هذه المخلوقات البحرية كما سلاحف البحر، موجودة في المتوسط منذ آلاف السنين. ويعتبر البحر اللبناني ممرًا هامًا لهجرة العديد من الحيوانات البحرية مثل السلاحف. ومؤخرًا، تم تسجيل وجود دلفين الأوركا أو "الحوت القاتل"، كما يسمى، وهو عادة يعيش في إيسلندا، ويشكل وجوده أمرًا نادرًا في هذه المنطقة. أما الدلافين التي كانت تستوطن عائلاتها مياه لبنان، وتمر عبرها في رحلة هجرتها السنوية، فقد شهدت تراجعًا نتيجة الصيد بالديناميت. وتروي مدينة صيدا قصة معروفة عن صياد صيداوي قتل دلفينًا صغيرًا، فانتقمت منه الأم برمي طفله عن المركب، وإغراقه في البحر. بدورها أسماك القرش، ليست ظاهرة جديدة. فبعض أنواعها موجود في المتوسط منذ آلاف السنين. لكن الشواطئ اللبنانية شهدت مؤخرًا ظهورًا لهذه الأنواع بأحجام كبيرة، ما أدى إلى إثارة الخوف لدى السابحين. وعمومًا، تعتبر التغيرات المناخية أحد أهم الأسباب لتغير سلوك الحيوانات وتوزعها الجغرافي.
كل هذه الكائنات البحرية التي تشكل ثروة للبنان، مهددة اليوم بفعل التلوث. علمًا أن تلوث الأسماك، ليس مرتبطًا بمحيطها المباشر، إذ يمكن للسمك القادم أن يحمل تلوثًا أيضًا. وتشير بعض التقارير التي بقيت سرية بعد دراسة أجريت لمدة خمس سنوات على الأسماك في لبنان، إلى وجود مواد كالزئبق والرصاص واليورانيوم في بعض الأنواع. لكن هل يشذ لبنان في ذلك عن البلدان التي يستورد منها اصنافًا من الأسماك المجلدة مثل فيتنام وغيرها من بلدان الشرق الأقصى؟ وهل يراقب السمك المستورد إلى لبنان جيدًا لضمان خلوه من هذه المواد؟
أين المليفا والسلطان ابراهيم؟
يشرح الغواص علي المقداد بدوره كيف بدأ الغطاسون والصيادون، يلاحظون غياب الكثير من الأسماك والأنواع التقليدية عن شواطئ لبنان مثل سمكة الدقور والدرقنة والسلطعون الرملي وصدفة أم الخلود وبعض أنواع الديدان. كما يلاحظون تراجعًا مخيفًا في أعداد الأسماك، حتى كاد الأمر يصل إلى حد الانقراض في المناطق غير العميقة بحيث تراجعت الذخائر السمكية إلى نحو 10 % مما كان متواجدًا سابقًا.
الأمر ذاته، يؤكده نائب رئيس أصحاب المراكب في جبل لبنان ونائب رئيس اتحاد تعاونيات لبنان لصيادي الأسماك طوني نقور الذي يقول إن الثروة السمكية في لبنان فُقدت بسبب الإهمال البيئي، وباتت معدومة كليًا في بعض المناط. فالبناء والاعتداءات على الشواطئ ورمي الردم والصخور في البحر، عوامل ساهمت في اختفاء الشطوط الصالحة للصيد، وأجبرت الصيادين على الذهاب بعيدًا للبحث عن الأسماك. واحترقت الأرض البحرية ومياه البحر سوداء بسبب الصرف الصحي والمعامل ونفايات مسلخ بيروت والأسماك هشلت.
ويقول نقور: "في الماضي، كنت أخرج بعشر شبكات من 60 مترًا وأعود بكميات من الأسماك ساهمت في تربية أولادي وتعليمهم أفضل تعليم. اليوم، ومع 60 قطعة من الشباك، بالكاد نؤمن قوتنا اليومي. كنا نصطاد 60 كلغ من سمكة السلطان ابراهيم، اليوم بالكاد نحظى بكيلوغرامين منه. المليفا وهو من الأسماك المطلوبة في لبنان، بات موسمه قليلاً فيما الزلاق اختفى".
وليزداد الأمر سوءًا، أثر انحباس المطر على مواسم الصيد. فالرياح والأمطار والأمواج تدفع ببعض الأسماك والأنواع مثل الصبيدج والأخطبوط والقريدس نحو الشاطئ، وتزيد بذلك أمكانية صيدها. لكن أكياس النايلون والنفايات الصلبة والردم تعيق وصولها إلى الشاطئ، فيما تلعب الأسماك الغازية مثل سمكة النفاخة دورها في التهام السمك الصغير في شباك الصيادين.
الحل في المحميات
في خضم هذه الصورة السوداوية لبحر لبنان، تبرز نقاط ضوء لا يمكن تجاهلها أبرزها، الوعي البيئي لمشاكل البحر. وفي هذا الإطار، قام "التجمع اللبناني للبيئة" الذي يضمّ جمعيّات عديدة، منها حوالى 120 جمعية منتشرة في كل لبنان، لتنسيق وتفعيل العمل البيئي بواسطة المشاركة في صناعة القرارات وتحديث التشريعات البيئية، بطروحات لتطوير وحماية المحميات البحرية بهدف رفع مستوى الوعي البيئي والمشاركة المجتمعية، وذلك بالتعاون مع الإدارات الرسمية والبلديات وصيّادي الأسماك والمخطّطات الدولية المعنية بشبكة المحميات البحرية.
وقد بدأ "التجمّع" حاليًا إطلاق شبكة المحميات البحرية MPAs لإعادة بناء الحياة البحرية بالتعاون مع وزارة البيئة، وبالشراكة مع جامعة البلمند وبدعم من الاتحاد الأوروبي وبالتعاون مع الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة IUCN، وأخذ "التجمّع" على عاتقه تحويل هذه الاستراتيجية من النظرية إلى التطبيق على الأرض، بالتعاون الوثيق مع وزارة البيئة والوزارات والإدارات المعنية، بحيث تمّ تفعيل الخطة الوطنية لحماية الأنواع البحرية الحساسة، وتشكيل شبكة فعالة للمناطق المحمية للحفاظ على التنوع البيولوجي الساحلي بناء على المعطيات العلمية، واقتراح أطر قانونية لتشغيل وإدارة المحميات البحرية إضافة إلى تنظيم حلقات دعم وتواصل للتأثير على السياسات العامة.
ومن المحميات البحرية القانونية، محمية جزر النخيل ومحمية شاطئ صور وشاطئ العباسية. ومن المحميات البلدية، محمية أنفه والقليلة والمنصوري. وثمة محميات قيد الإعلان، مثل أنفه وراس الشقعة وجبيل. أما المواقع الهامة للحماية فهي: البترون، المدفون، الروشة، ضهور صيدون والناقورة إضافة إلى المصبات النهرية.
لكن رغم هذه الجهود يبقى المطلوب أكبر لحماية كل الشاطئ اللبناني ورفع التعديات عنه وإعادة الحياة إلى البحر.