خطرت لي مرّة فكرة عجيبة: كيف أُسكِنُ الناس فيك يا قلبي؟ هل أنت عمارة شاهقة فيها طوابق ومصاعد وبوّاب؟ مستحيل! أنت تكره الزحام، تحبّ البيوت المنفردة، تلك التي يحيطها الشجر والسكينة، فيك أناسٌ يسكنون تلالًا عالية في بيوتٍ مشرفةٍ على الغيم، وأناسٌ في السهل، ببيوتٍ فسيحةٍ تُغني فيها الريح، وآخرون عند النهر، بيوتهم من خشب رطب تعبق بالحنين، وبعضهم عند البحر، بخيامٍ من القصب المرصوص برِقة. وفيك أيضًا، كما في كلّ المدن، مَن رحلوا وتركوا المفاتيح على الطاولة، ومَن بقوا على الرغم من انتهاء عقد الإيجار العاطفيّ منذ دهرٍ. لكن المضحك أن لا أزمة سكن فيك يا قلبي، فحتى الذين جرحوني، لهم زاوية صغيرة فيها شبّاك مطلّ على الذكرى.
مع الأيام يا قلبي العجيب، يا دولاب الـ "spare" المهذب في صندوق عربتي العاطفية، صرتَ على مرّ الأعوام كالعجلة الاحتياطية، ساكنًا، صامتًا، منسيًّا في عتمةٍ أنيقةٍ، لا يُستدعى إلّا في الكوارث، حين تنفجر عجلة من العجلات الأربع للحياة، ولا عجب بأن ثمة بطلًا صغيرًا ينتظر دوره في فيلمٍ بلا مَشاهد بطولية.
أراك أحيانًا في خيالي تتنحنح داخل الصندوق وتقول بلهجةٍ متعبة: "آه، تذكّرتِني الآن؟ وأين كنتِ حين مررنا فوق عشرين مطبٍّا بلا رحمة؟" فأبتسمُ لك باستهزاءٍ رقيقٍ وأدعوك همسًا أن تهدأ يا قلبي، فدوامك جزئيّ، وعقدك موسميّ، إذ إنك موظف احتياط في شركة القلب المحدودة.
هل يحق لك أن تزعل؟ ربّما. وهل ألومك إن اشتقتَ إلى الزفت والبحص والمطبّات القديمة؟ ربما لا. لكن الحقيقة يا قلبي لقد سئمتُ إصلاحك عند كلّ خيبة ونفخك بعد كلّ انكسار. ابقَ هناك، ساكنًا، متقشفًا، حتى إشعارٍ عاطفيّ جديد.
إدارة القلب المحدودة
يا قلبي العزيز، لقد اكتشفتُ مؤخرًا أنك مؤسسة بيروقراطية عريقة، شعارها: "نعتذر عن العطل العاطفي، يرجى المحاولة لاحقًا". في قسم المراسلات تُسجّل الرسائل غير المرسلة بخط اليد، ثم تُختم بختمٍ باهتٍ كُتب عليه: "سوف أرسلها يومًا ما".
يستقبل قسم الاستقبال لديك، الأحاسيس ناقصة الأوراق، ويطلب منها شهادة ميلاد الشعور قبل الدخول. أمّا قسم المحاسبة، فهو الأكثر نشاطًا، إذ يسجّل الخسائر العاطفية بالحروف العريضة، ويطالبني بتقارير أسبوعية عن عدد الدقات الضائعة.
ليس لديك قسم الاستقالة. طبعًا - فمن يدخلك يبق فيك إلى الأبد كموظفٍ منسيّ على سلّمٍ إداريّ لا ينتهي. الكمبيوتر المركزي لا يعرف زر "Delete"، فقط الحفظ تحت مسمّى خيبة جديدة.
موظف بلا علاوات
أحيانًا أشعر يا قلبي أنك أكثر مَن تعِبَ مِن قلبي. عقلي صار يعمل من المنزل، وضميري ربّما تحوّل إلى "Freelancer"، أما أنت؟ فموظفٌ بالساعة، بلا ترقية ولا مكافأة. تُستدعى وقت الحنين، تُوبَّخ وقت الغلط، وتُلام وقت الانفعال، حتى اكتسبت روحًا فكاهية سوداء، تسرّ في أذني بمرارةٍ لامعة: "أنا لستُ عضلةً متعبة أنا نكتةٌ في كتاب الأحياء!".
بيان رقم 1
منذ مدّة، أعلنتْ إدارتك يا قلبي أنه يُمنع منعًا باتًا على العواطف السابقة محاولة الدخول من المنافذ الخلفية، فقلبي تحت الصيانة الدورية، وقد يُعاد تشغيله في أي لحظةٍ دون سابق إنذار. أقرأ البيان أحيانًا بصوتٍ عالٍ أمام المرآة، وأضحك، أضع أحمر شفاهي، وأخرج وكأنك تتقمّصني يا قلبي في بذلةً رسمية، لأنني أنا تلك التي تصنع من وجعها نكتة، ومن نكتتها خيبةً تبرق كنجمة. فليعلم الداني دون القاصي، أنك يا قلبي لم تعد طريًّا كالكرز، لقد صرتَ هشًا كبسكويتٍ منسيّ في علبة. ومع ذلك، لا تزال تسخر من نفسك في المرآة وتتنهّد في وجهي: "يا سلام، كنتِ ستنسينني لو لم تعطسي اليوم!". فأطمئن يا سيّد "spare" بأنك ما زلتَ شغالًا!
قسم الشكاوى والاقتراحات
فيك يا قلبي قسم صغير متعب اسمه: "الشكاوى والاقتراحات". كان من المفترض أن يستقبل الملاحظات من الزوّار السابقين، "القهوة باردة، الحب بارد أكثر، والموظف المسؤول يردّ بعد ثلاث سنوات". لكن الموظف، خليّة عصبية متقاعدة، قدّم استقالته بعد تلقيه ثلاثمئة شكوى متطابقة: "قلبي لم يفهمني!". الآن الأوراق مكدّسة في الأرشيف بجانب آلة طباعةٍ لا تعمل إلّا على الورق العاطفي المقوّى.
بين الأوراق أجد تعليقات طريفة مثل: "الرجاء تحديث نظام الحبّ للإصدار 2.0"، و "يرجى عدم استخدام القلب أثناء القيادة أو أثناء الغيرة". وآخر كتب بخطّ طفوليّ: "نقترح إضافة مواقف للذكريات الموقتة". وفي نهاية اليوم، تجلس يا قلبي أمام الشكاوى، تحتسي قهوتك المُرّة وتعلن ببرود إداريّ أنه جرت مراجعة الطلب، ولن يُتخذ أي إجراء... حتى إشعارٍ عاطفيّ جدّي.
قسم المفقودات والذكريات
هناك في ركنٍ سريّ منك يا قلبي، مخزنٌ صغيرٌ يشبه مستودع المحطات القديمة، لا يدخله أحدٌ إلّا أنا، أحيانًا بالخطأ، وأحيانًا بحثًا عن شيءٍ نسيته منذ دهر. على الرفّ الأول نظارات حبّ قديمٍ مكسورة، وفي الزاوية علبة فيها مفاتيح الكلام الذي لم يُقل، وفي المنتصف دفترٌ عتيقٌ عنوانه: "ذكرياتٌ يُرجى لمسها بالابتسامة فقط". كلّ شيءٍ هناك له رائحة غريبة، مزيجٌ من عطرٍ راحلٍ ودمعةٍ تبخرت قبل أن تسقط. أقرأ أحيانًا ورقةً بخطّي القديم تقول: "لا بأس ستضحكين غدًا". فأضحك فعلًا، لأن "غدًا" صار "أمس" منذ زمنٍ بعيد.
وما يدهشني أن هذا القسم منظمٌ بعنايةٍ مذهلة: الوعود الفارغة في علبةٍ شفافة، الخيبات الثقيلة في دُرجٍ مكتوب عليه: "يُرفع بحذر". وحين أغلق الباب، أسمع صوتًا صغيرًا من الداخل يهمس: "شكرًا لزيارتكِ، عودي كلّما ضيّعتِ شيئًا من عاطفتك".
قسم التدريب والتطوير العاطفيّ
لقد افتتحت يا قلبي مؤخرًا قسمًا جديدًا تحت شعارٍ لامعٍ مكتوب بخطّ "Comic Sans" على لافتةٍ رسميّة: "نحن لا نعلّم كيف لا نتألّم، بل كيف نتألّم بلباقة". وفي الصباح، تقيم ورشة بعنوان: "فن تجاهل الرسائل من دون الشعور بالذنب – المستوى المتقدّم"، يليها تمرين عملي في قول "عادي" من دون أن ترتجف النبرة. بعد الظهر، تُقدّم محاضرة تفاعلية عن: "اللامبالاة في سبع خطواتٍ ونصف"، مع اختبارٍ نهائيّ في كيفية التصرّف بلطفٍ أثناء الانهيار الداخليّ. ويحضر الدورة بضع خلايا عصبيّة متحمّسة: عضلة شمالية متوترة، ونبضة متأخرة عن الجدول الزمني. وفي نهاية اليوم، تُوزع كتيّبًا بعنوان: "إدارة الأمل للمبتدئين"، مع تنبيهٍ واضحٍ على الغلاف: "الرجاء عدم تطبيق التمارين أثناء الاستماع للأغاني القديمة". وعلى الرغم من كلّ هذا الانضباط العاطفي، لا يزال القسم يعاني من التزامٍ متدنٍ، إذ ترتفع في كل جلسةٍ يدٌ خجولة من الزاوية الخلفية تسأل إن كان يُسمح بالحب خارج ساعات الدوام، فيُسجَّل السؤال ضمن خانة "الأسئلة الوجودية المؤجَّلة"، ويُؤجَّل الردّ إلى الفصل القادم من القلب.
وعدٌ يا دولاب الـ "Spare"
لن أرميك يا قلبي، لن أستبدلك ببطاريةٍ ذكيةٍ أو ذكاءٍ اصطناعيّ عاطفيّ، سأتركك هناك، تستريح وتراقب وتنضج. وحين أحتاجك فجأةً، في لحظةٍ غير محسوبة سأفتح الصندوق، أمسح عنك الغبار، وأهمس بخبثٍ لطيف: "هيا يا بطل حانت نوبتك، عُد يا دولاب الـ "spare"".
ها أنا أوقع استقالتي منك يا قلبي إلى حين إشعارٍ عاطفيّ آخر. إشعار قد يصل برسالةٍ مجهولةٍ في منتصف الليل أو برائحة قهوةٍ لا أعرف سبب اشتياقي لها. ستظلّ مغلقًا للصيانة، وسأعلّق على بابك لافتة: "قد نعود بعد قليل… أو بعد نسيانٍ طويل". سأرتدي لامبالاتي الرسمية وأمشي بثقةٍ مزيفةٍ كأنني تجاوزتُ كل شيء، بينما أنت تعزف أغنية حزينة على وترٍ مقطوع. ومع هذا، أعدك سرًّا أن أستدعيك عند أول مطبّ جديد، وأقول لك ضاحكة: "حضّر نفسك يا بطلي، قد تكون حانت نوبتك يا دولاب الـ "spare"!