يشارك الإصدار الأدبي الأوّل للإعلامية كاتيا دبغي "يوميّات السيّد كوفيد" في "معرض الشارقة الدولي للكتاب"، الذي يُقام بين 5 و16 تشرين الثاني الجاري. ويُعدّ هذا الكتاب الصادر عن "دار سائر المشرق"، توثيقًا إنسانيًا صادقًا لمرحلةٍ استثنائية عاشها العالم بأسره خلال جائحة كورونا، إذ تمتزج بين صفحاته المذكّرات الشخصية بالتأملات الوجدانية والتحليل النفسي العميق. ومن المقرّر أن تلتقي دبغي قرّاءها في حفل توقيع خاص يُقام قريبًا في لبنان، لتشاركهم كواليس تجربتها الكتابيّة.
الكتاب ينبثق من اختبارات إنسانية عميقة عاشتها كاتيا دبغي بكل تفاصيلها، بين الخوف والرجاء، بين العزلة والحنين إلى الحياة كما كانت، على ما تقول الكاتبة في حديثها مع "نداء الوطن". وتضيف أن هذا العمل لم يكن مجرّد تسجيلٍ جافّ لوقائع زمنٍ استثنائي، بل هو محاولة لاستعادة نبض العالم في أكثر مراحله هشاشة، حيث دوّنت المؤلّفة يوميّاتها على فتراتٍ متقطّعة، راصدةً بعينٍ متأملة ما يدور حولها من مَشاهد وصُور وأصوات، وما يختلج في داخلها من مشاعر وأسئلةٍ لم تجد إجابة بعد.
باشرت المؤلفة في كتابة يومياتها في العام 2020 ولغاية العام 2023 في توثيق متقطّع للحياة في زمن كورونا. وتشير كاتيا دبغي إلى الأسباب التي دفعتها لنشر الكتاب بعد مرور خمس سنوات على الجائحة، وهي تأريخ وتوثيق لمرحلة ربّما لن تتكرر، ممّا قد يفيد أي باحث يرغب في دراسة تداعيات الفيروس في الحياة اليومية لمدة قاربت الثلاث سنوات، حيث كتبت دبغي بلسان كل من عايش وعاصر سنوات كورونا المجنونة، وهي على ثقة بأنّ كل من سيقرأ الكتاب سيستعيد مشهدًا أو ذكرى معينّة ، ليس في لبنان فحسب بل في كل أنحاء العالم .
تلك السنوات التي عاشت فيها البشرية على إيقاع القلق والانتظار، تحوّلها صفحات الكتاب إلى مرآةٍ تعكس التحوّل البشري الذي أحدثته الجائحة في النفوس قبل الأجساد. فدبغي لا تكتفي بسرد الوقائع أو نقل الأخبار، بل تمزج بين التوثيق والبوح، وبين المعلومة والتجربة، لتقدّم نصًا نابضًا بالحياة، يجعل القارئ شريكًا في الرحلة، لا مجرّد متلقّ سلبي.
بين السخرية والرمزية
اختارت دبغي عنوان "يوميّات السيّد كوفيد" بذكاءٍ يجمع بين السخرية والرمزية؛ فـ "السيّد" هنا ليس شخصًا من لحمٍ ودم، بل هو وجهٌ متخيَّل لحقبةٍ عبثت بكل المُسلَّمات، وفرضت حضورها القاسي على التفاصيل الصغيرة والكبيرة في الحياة. أرادت الكاتبة أن تخلّد هذه التجربة وتمنحها بعدًا تأمليًا يتجاوز حدود الزمان والمكان.
مواجهة الخوف والعزلة
وتكشف المؤلِّفة أنّ الكتاب يغوص في أعماق التجربة الإنسانية التي عاشها العالم خلال زمن الوباء، متناولًا الخوف بكل ظلاله وتجلّياته: من رهبة المرض، إلى فاجعة الفقد، إلى القلق الوجودي من غدٍ غامض لا ملامح له. فالخوف هنا لا يأتي بوصفه شعورًا عابرًا، بل كحالةٍ وجودية أعادت تشكيل وعي الإنسان وعلاقته بنفسه وبالآخرين.
يركّز الكتاب أيضًا على العزلة، تلك التي لم تكن جدرانًا مادية فحسب، بل أيضًا عزلة نفسية وروحيّة دفعت البشر إلى مواجهة ذواتهم من دون أقنعة. فيرصد التغيّرات الدقيقة في سلوك الناس وتفكيرهم، وكيف أعادت التجربة صياغة الكثير من المفاهيم التقليديّة السابقة.
وفي خضمّ هذه المذكّرات، يضيف العمل بُعدًا فلسفيًا وتحليليًا، إذ تتناول المؤلّفة المواقف بجرأة المراقب وبصدق المجرّب، كاشفة عن اعترافاتٍ شخصيّة ومصارحاتٍ عميقة تنبع من تجربة ذاتية ولكنها تمسّ الوجدان الجمعي. لم تكن العزلة مجرّد انقطاعٍ عن العالم، بل كانت فرصةً للعودة إلى الداخل، للتأمُّل في معنى الحياة، ولإعادة اكتشاف التفاصيل الصغيرة التي أهملها الإيقاع السريع للحياة.
من بين صفحات "يوميّات السيّد كوفيد"، تتسرّب لمحات من الإيمان والتأمل، إذ يتحوّل الصمت والتقوقع على الذات إلى مساحة حوارٍ صامت بين الإنسان وربّه، وإلى لحظة امتنانٍ للنعم البسيطة التي بدت فجأة أعظم مما كانت عليه.
مَشاهد وتوثيق
تتوقف كاتيا دبغي في إصدارها الجديد عند مشاهد إنسانية مؤثرة تهزّ الوجدان، حيث من أكثر اللحظات إيلامًا ما ترويه عن إضطرارها للابتعاد عن والدَيها، لا بدافع الإهمال بل من فرط الخوف عليهما. وفي مقطعٍ آخر، تصف الكاتبة مشهد البابا فرنسيس وهو يصلّي وحيدًا في ساحة الفاتيكان الفارغة، رمزًا لعزلةٍ كونيةٍ شملت المؤمنين جميعًا، حيث بدا العالم واقفًا على حافة صمتٍ جماعي لم يشهد له التاريخ مثيلًا.
تجربة صادقة
اعتمدت دبغي في كتابها أسلوبًا سرديًّا يقوم على المذكرات الشخصية مشوبة ببعض السخرية، مبتعدة عن النمط الصحافي التقليدي، ومستخدمة لغةً قريبة من القارئ تنبض بالعفوية، تتخللها أحيانًا عبارات عامية شاعت خلال زمن الجائحة. هذا الخيار الأسلوبي منح النص طابعًا حميمًا، الأمر الذي يجعل القارئ يشعر وكأنه يعيش التجربة ذاتها، بكل ما فيها من قلقٍ وتأملٍ وسخريةٍ مرة. كما يشكّل الكتاب مرجعًا ثريًا لأي باحثٍ مهتمّ بدراسة تأثيرات الجائحة على تفاصيل الحياة اليومية، إذ تمزج الكاتبة بين الوصف الدقيق والتحليل النفسي العميق.
دروس وعِبَر
ترى كاتيا دبغي في نهاية حديثها أن كتابها يسلّط الضوء على مجموعةٍ من الدروس العميقة، داعيةً القارئ إلى التوقف أمام الزمن الاستثنائي لا باعتباره مرحلةً عابرة، بل مساحةً للتأمل وإعادة النظر في الذات والعالم. فالأزمات، برأيها، ليست مجرّد محطات مؤلمة، بل فرصٌ لاكتساب وعيٍ جديد
بهذا المعنى، يتحوّل الكتاب إلى دعوة للتأمُّل الجماعي، ورسالة تتجاوز حدود المكان والزمان، تذكّرنا بأن في كل أزمة حكاية تستحق أن تُروى، وأن في كل تجربة درسًا يمكن أن يُنير طريق الغد.
الغلاف
يحمل غلاف "يوميّات السيّد كوفيد" بصمة الفنانة رولا دلي التي استطاعت بريشتها أن تختصر روح الكتاب ومناخه الداخلي. اختارت ألوانًا زاهية تتناقض عمدًا مع سوداوية المرحلة، لتمنح الغلاف طاقةً من الدفء والأمل. تعكس اللوحة العالم الداخلي للبيوت خلال زمن الجائحة، حيث اجتمع الخوف بالعائلة، والصمت بالحنين، والعزلة بالإبداع.
أمّا عن جمهور "يوميّات السيّد كوفيد"، فتوضح دبغي أنها تستهدف قاعدة واسعة لا تحدّها فئة عمرية أو اجتماعية بعينها، لأن الجائحة، ببساطة، كانت تجربةً كونية عاشها الجميع. فبغض النظر عن الفروقات الطبقية أو المذهبية أو الثقافية، وجد الناس أنفسهم أمام المشاعر ذاتها، والأسئلة نفسها حول المعنى والمصير.
الكاتبة تخاطب القارئ من موقعٍ إنساني مشترك، لتوحّد القرّاء حول تجربةٍ واحدة جامعة، وتقدّم لهم فرصةً لإعادة التأمل في ما عاشوه من مشاعر وتحديات خلال زمن كورونا.
ختامًا، تضع كاتيا دبغي بين أيدي قرّائها مرآةً صادقة تعكس ملامح مرحلةٍ غيّرت وجه العالم. فكتاب "يوميّات السيّد كوفيد" هو دعوةٌ صادقة لرؤية الإيجابية الكامنة في قلب الأزمات، وللعودة إلى الذات البشريّة الطاهرة والبريئة.

