تمّت في الأشهر القليلة الماضية عدّة مفاوضات غير مباشرة أبرزها المفاوضات الأميركية الإيرانية برعاية سلطنة عمان لحلّ مسألة السلاح النووي وأيضًا المفاوضات غير المباشرة بين دولة إسرائيل وحركة "حماس" لإنهاء الحرب القائمة بينهما وتبادل الرهائن برعاية إمارة قطر ثمّ الولايات المتحدة الأميركية وأيضًا المفاوضات غير المباشرة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية بوساطة سعودية وأميركية وغير ذلك من النزاعات بين باكستان وأفغانستان وبين تايوان وكمبوديا وسواها.
أوّلًا - تعريف المفاوضات غير المباشرة في القانون الدولي
المفاوضات برعاية وسيط في القانون الدولي هي عملية تفاوض تتمّ بين أطراف متنازعة برعاية طرف ثالث محايد يهدف إلى تسهيل الحوار وإيجاد الحلول الوسطى بهدف التوصّل إلى إنهاء النزاع أو إتمام هدنة موقتة أو تبادل الرهائن أو إطلاق الأسرى وسوى ذلك من مهمات إنسانية. ويمكن أن يكون الوسيط دولة أو منظمة دولية أو شخصية مستقلّة.
إن وسيلة المفاوضات غير المباشرة محدّدة في المادة الثالثة والثلاثين من ميثاق الأمم المتحدة المتعلّقة بحلّ النزاعات التي تنشأ بين الدول بصورة سلمية والتي تنصّ على ما يلي:
يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يؤدي إلى تهديد السلم والأمن الدوليين، أن تلتمس حلّه بادئ ذي بدء بطريق المفاوضات، والتحقيق والوساطة، والتوفيق والتحكيم، والتسوية القضائية، أو أن تلجأ إلى المنظمات الإقليمية، أو غيرها من الوسائل السلمية التي تختارها.
كما أن المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة تنصّ على أن الأطراف المتنازعة يجب أن تسعى إلى حلّ النزاعات بالطرق السلمية بما في ذلك المفاوضات.
ثانيًا – المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل منذ العام 1949 ولغاية العام 2023
هناك حالة عداء قائمة ومستمرّة بين لبنان وإسرائيل منذ العام 1948 بسبب احتلالها دولة فلسطين وقد تسبّبت هذه الحالة في أضرار كبيرة على كل المستويات وتحمّلت الدولة اللبنانية وما زالت تتحمّل وحدها في كثير من الأحيان كلّ هذه الأضرار باستثناء بعض التعويضات المقدّمة من بعض الدول الشقيقة والصديقة.
لكن حالة العداء القائمة تخلّلتها مفاوضات غير مباشرة من خلال دول وسيطة أو منظمات دولية وقد توصّلت هذه المفاوضات في مراحل زمنية مختلفة إلى النتائج التالية:
1 - اتفاق الهدنة وقد تمّ توقيعه في 23 آذار 1949 وهو جزء من سلسلة اتفاقات وقعتها إسرائيل مع الدول العربية المجاورة بما في ذلك مصر والأردن وسوريا بهدف وقف إطلاق النار وتحديد خط الهدنة والحدود وإنشاء منطقة منزوعة السلاح وإنشاء لجنة الهدنة المشتركة.
2 – قرار الأمم المتحدة رقم 425 الصادر في 19 آذار 1978 وملحقاته وقد تمّ إقراره نتيجة المفاوضات غير المباشرة بهذا الشأن وقد ألزم إسرائيل وقف أعمالها العسكرية وسحب قواتها من جميع الأراضي اللبنانية وأنشأ قوات اليونيفيل محدّدًا مهامها كما يلي:
تأكيد انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان.
استعادة السلام والأمن الدوليين.
مساعدة حكومة لبنان في ضمان عودة سلطتها الفعلية في المنطقة.
علاوة على ذلك، أكدت قرارات ملحقة أخرى صادرة عن مجلس الأمن تمديد تفويض اليونيفيل ووسّعت نطاقها.
3 - اتفاق 17 أيار 1983 في عهد الرئيس أمين الجميّل بين لبنان وإسرائيل وقد تمّ التفاوض بشأنه برعاية أميركية في ظلّ ظروف صعبة بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. وقد تضمّن بنودًا تتعلّق بإنهاء حالة الحرب وانسحاب إسرائيل بصورة كاملة خلال فترة لا تتجاوز 12 أسبوعًا وإنشاء منطقة أمنية تحت إشراف الدولة اللبنانية وإنشاء مكاتب ارتباط لتنسيق المسائل الأمنية والتجارية بين الطرفين. لكن هذا الاتفاق لم يصبح نافذًا لأن رئيس الجمهورية لم يقرّه بسبب التوترات السياسية حينذاك علمًا أن مجلس النواب وافق عليه.
4 - تفاهم وقف إطلاق النار الإسرائيلي اللبناني (يعرف أيضًا باسم تفاهم نيسان) وهو اتفاق مكتوب غير رسمي بين إسرائيل و "حزب اللّه"، تمّ التوصل إليه بفضل الجهود الدبلوماسية للولايات المتحدة، والتي أنهت الصراع العسكري بين الجانبين في 26 نيسان 1996.
وينصّ الاتفاق على إنهاء الهجمات عبر الحدود على أهداف مدنية، كذلك الامتناع عن استخدام القرى المدنية لشن هجمات. كما تمّ تعيين لجنة رصد لتنفيذ تفاهمات عناقيد الغضب، مؤلفة من ممثلين من الولايات المتحدة وفرنسا وسوريا وإسرائيل ولبنان. وتنعقد اللجنة لرصد ومناقشة أي انتهاكات بين الجانبين.
5 - اتفاق 1701 الصادر في آب من عام 2006 وينص على وقفٍ كامل للعمليات القتالية، ووضع نهاية للحرب الحاصلة في ذلك العام بين إسرائيل ولبنان التي استمرّت 34 يومًا حينها.
وقد تضمّن القرار الطلب من "حزب اللّه" الوقف الفوريّ لكلّ هجماته ضد إسرائيل، كما طالب إسرائيل بالوقف الفوري لكل عملياتها العسكرية، وسحب كلّ قواتها من جنوب لبنان.
وألزم القرار الحكومة اللبنانية نشر قواتها المسلّحة في الجنوب بالتعاون مع قوات اليونيفيل، وذلك بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي إلى ما وراء الخط الأزرق.
أوجب القرار إيجاد منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني جنوبي لبنان، تكون خالية من أي عتاد حربي أو مسلحين، باستثناء ما هو تابع للقوات المسلحة اللبنانية وقوات اليونيفيل وطلب تطبيق بنود اتفاق الطائف، والقرارين 1559 و 1680 بما في ذلك تجريد كلّ الجماعات المسلّحة اللبنانية من سلاحها وعدم وجود قوات أجنبية إلّا بموافقة الحكومة اللبنانية.
ثالثًا – المفاوضات غير المباشرة المستمرّة منذ العام 2024 دون توقف
وقد نتج عن هذه المفاوضات الاتفاق على إجراءات محدّدة لتطبيق القرار 1701 وذلك بتاريخ 27 تشرين الثاني 2024 وقد تمّ بوساطة أميركية متضمّنًا بنودًا تفصيلية يمكن تحديد بعضها كما يلي:
"تتوقف إسرائيل عن تنفيذ أي عمليات عسكرية ضد الأراضي اللبنانية، بما في ذلك استهداف المواقع المدنية والعسكرية، ومؤسسات الدولة اللبنانية، برًا وبحرًا وجوًا وتوقف كلّ الجماعات المسلّحة في لبنان عملياتها ضد إسرائيل.
ينسحب الجيش الإسرائيلي تدريجيًا من جنوب لبنان، ويكمل انسحابه في أجل لا يتعدّى 60 يومًا وتتم عودة المدنيين النازحين من الجانبين إلى ديارهم.
ينسحب "حزب اللّه" إلى شمال نهر الليطاني، الذي يبعد نحو 30 كيلومترًا شمالي الحدود مع إسرائيل وينشر الجيش اللبناني قواته في جنوب الليطاني.
يتولّى ممثلون عن الولايات المتحدة وفرنسا واليونفيل ولبنان وإسرائيل مراقبة وتنفيذ الالتزامات المتفق عليها كما تطلب إسرائيل ولبنان من الولايات المتحدة بالشراكة مع الأمم المتحدة تسهيل المفاوضات غير المباشرة بينهما بهدف حلّ النقاط المتنازع عليها على طول الخط الأزرق ويخضع بيع وتوريد الأسلحة إلى لبنان للرقابة والسيطرة من قبل الحكومة اللبنانية".
لكن كلّ هذه القرارات والمفاوضات غير المباشرة لم تأت بأي نتيجة نهائية ولم توفر السلام المطلوب على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية التي ما زالت في حالة متوترة كما أن البلدات في تلك المنطقة ما زالت مدمّرة بالكامل ولم ترد أي مساعدات إلى لبنان كما هو حاصل في غزة لأننا نعيش في حالة عزلة مقنعة ولا يوجد أي خطة للإعمار وإعادة المدنيين وما زالت الغارات الإسرائيلية على وتيرتها التصاعدية ليس فقط على الحدود بل في مناطق بعيدة ما يتسبّب في أضرار مستمرّة دون أي توقف وعلى كافة المستويات منذ فترة طويلة.