"مذكّراتي"... كاظم الخليل (جزء ثالث أخير) - من كواليس مداولات الطائف عام 1989

9 دقائق للقراءة

بعد الجزأين الأول والثاني من مذكرات الوزير والنائب السابق كاظم الخليل، اللذين نشرتهما "نداء الوطن" في الأسبوعَين الماضيَين، تنشر اليوم جزءًا ثالثًا وأخيرًا من كتاب "مذكّراتي" الصادر عن "دار سائر المشرق". يميط الخليل في هذا الجزء من الكتاب، اللثام عن الكثير من الأسرار المتعلقة بظروف الحرب في لبنان (1975)، والأوراق المقترحة لإنهائها، وأسباب انهيار العلاقة بين "الجبهة اللبنانية" وسوريا، والمعارك بين قوى "الجبهة" و "الحركة الوطنية"، كما ما بين الأحزاب المكونة لـ "الجبهة اللبنانية". ويستعرض أيضًا المراحل والتحولات السابقة لانتخاب الرئيس بشير الجميل، والتالية لاغتياله، وصولًا إلى "اتفاق 17 أيار" وأوضاع الجنوب والجنوبيين خلال تلك الفترة. ثمّ يُتوّج مذكّراته بالإضاءة على مداولات "مؤتمر الطائف"، كاشفًا عن الأفكار التي حملها إليه والأدوار التي لعبها لتمكين الاتفاق من تجاوز مطبّات عديدة. ومن هذا القسم ننشر الفصل التالي. 

صباح 14 تشرين الأول، أرسل الأمير سعود يدعوني للاجتماع به في جناحه الخاص في الساعة الثامنة مساءً، فلبّيت الدعوة، وإذ بي أجد هناك كلًّا من أعضاء اللجنة والأخضر الإبراهيمي وحسين الحسيني وصائب سلام وأمين الحافظ ورشيد الصلح، وعادل عسيران.

بعد أن رحّب الأمير بنا وامتدحنا، قال: "تعلمون أنه قد مضى على وجودكم في هذا المكان أكثر من اثني عشر يومًا، وما زلتم في منتصف الطريق. ولا أعتقد بأنّ العُقد المتبقيّة من أحكام الوثيقة يُسوّى أمرها بالسرعة المطلوبة، فأميركا أنهت حروبها، وأعلنت استقلالها، ووضعت دستورها في خلال اثني عشر يومًا. والقضيّة اللبنانية لا تتشابه وحرب توحيد أميركا. كلّكم تعلمون بأني وزميلَيّ وزيرَيّ خارجية المغرب والجزائر، عندنا مسؤوليات وافرة، وملزمون بحضور جلسات "جمعية الأمم المتحدة"، وقد تخلّينا عن كلّ مسؤولياتنا ولازمنا واجبنا مع قضيّتكم لمساعدتكم على الوصول إلى حلّ القضيّة اللبنانية وإنقاذ بلدكم من عثراته. لذلك أنا وزميلَيّ نرجوكم أن تبذلوا ما بوسعكم لاختصار الوقت، والعمل من أجل توحيد كلمتكم، وإنقاذ بلدكم من مصائبه".

شكره صائب سلام، ووعده، باختصار كلّي، بعمل ما في وسعنا من أجل الإسراع في إنهاء القضيّة. وسكت الآخرون، فتولّيت الجواب. وقلتُ: "من المفروض علينا أن نكون صريحين ونبسط قضيّتنا على حقيقتها. هي بالنسبة إلينا لا تقل صعوبة وتعقيدًا عمّا كانت عليه القضيّة الأميركية بالنسبة إلى الأميركيّين. فمشاكلنا لها عدّة مصادر ومفروض أن نعالج كلّ مصدر على حدة، وبالأساليب والوسائل التي تصلح له، وفي مقدّمها وجود السوريّين وعمّالهم العديدين، والفاعلية الإسرائيلية وعمّالها، وتغلغلها في بعض الأوساط اللبنانية، واستخدامها لكثيرين من اللبنانيّين بحكم احتلال مئةٍ وعشرين قرية لبنانية، و "منظّمة أمل" وما ألحقته وتلحقه في طول البلاد وعرضها، مما لا مجال لشرحه وتفصيله، و "حزب الله" وتعصّبه ودعوته لإقامة جمهوريّةٍ إسلامية، وانتشاره السريع، والأموال المتدفقة عليه، وصرفها بسخاء من أجل دعوته المهيمنة على البلاد، والدولة التي تشدّ أزره وتدعمه. أما المنطقة الشرقية، ففيها الجنرال عون وأهدافه ومراميه، و "القوّات اللبنانية" وهيمنتها على مساحةٍ واسعة من البلاد، فهي تقيم جيشًا منظمًا ومسلَّحًا، ولها هيكلية دولة بكلّ دوائرها. ووراء هؤلاء، الدولة العراقية التي تمدّهم وتدعمهم بالسلاح والمال. هذه بعض مشاكلنا، وليست كلّها، فأيّها ستأخذون على عاتقكم تسويتها وإنقاذنا منها؟".

وتابعتُ قائلًا: "أنا مؤمنٌ بأنكم تعملون من أجل تسوية علاقتنا مع سوريا، وإذا سُوّيت تنتهي عقد كثيرة غيرها. تطلبون منا أن نستسلم لمشيئة السوريين، لتنتهي قضيّتنا معهم. ونحن فريق كبير في البلاد يرى العكس تمامًا، وإذا قدِّر واستسلمنا وانتهت قضيّتنا مع السوريين لمصلحتهم ولغير مصلحتنا، فهل نكون قد حققنا تسوية عادلة؟ وهل يستسلم جميع أفراد هذا الفريق؟ وإن قدّر ذلك، فهل تنتهي قضيّة إسرائيل واحتلالها ودسائسها؟ وهل ستحول دون تدخل العراقيين والمدّ العسكري والمالي؟ وهل ستقلع إيران عن دعمها لـ "حزب الله" التي تنفق بواسطته ومن أجل انتشاره، خمسة وعشرين مليون دولار أميركي في كلّ شهر؟ إذا قدّر واستسلمنا للسوريين، فهل اللجنة الثلاثية العربية العليا ومن تمثل من العرب، ستساعد لبنان وتنقذه من كلّ ما هو نازل به، وقد ذكرت بعضه؟ لستُ مؤمنًا بقدرة القمّة العربية، حتى وهي مجمعة العزم والإرادة، على إنقاذ لبنان إذا لم تستعن بعزم وإدارة دولية كلّنا يعرفها وهي سبب كلّ علتنا. هذه هي قضينا أبسّطها لكم باختصارٍ كلّي، ولكني أعدكم بالعمل على استجابة رغبات المملكة وإنهاء قضيّتنا مع السوريين".

شكرني الأمير على كلمتي ووافق رفاقي النواب على ما بسطته. وقد حرصتُ في الواقع على أن تكون مُحكمة، أصغى إليها النواب وتناقلوها، وسمعت عليها الكثير من الاستحسان.


تحريك الأمور وتسريعها

بناء على الانتهاء من وضع صيغة الاتفاق الدستوري، واقتناعًا بقدرتي على تذليل الموضوع السياسي مع نواب "المنطقة الشرقية"، قصدتُ في اليوم التالي، 15 تشرين الأول، مقرّ الصحافيّين في فندقٍ قريب من القصر، وعقدتُ مؤتمرًا صحافيًا. فرحّبوا لعزمي على الحديث معهم، وارتاحوا كلّ الارتياح حين أعلنت لهم بأننا كنواب اتفقنا، وقد ثبت أنه لم يكن بيننا سوى خلاف شكلي زال بمجرد أن اجتمعنا وتداولنا وتصارحنا. وها أنا أنقل للعالم هذه الحقيقة كي أؤكّد أن الدخلاء على ديارنا والمهيمنين على مقدّراتنا هم من يفتعلون الخلافات ويضخمونها ويسوّقونها في كلّ المجتمعات، ولأثبت للرأي العام الدوليّ الذي يتظاهر بالاهتمام بقضيّتنا، أننا قد اتفقنا وأننا بحاجة لتأييده، عندما نبحث الموضوع السياسي العائد للوجود السوري على أرضنا وتسلّطه علينا علّه يقف إلى جانبنا.

[...] أسرع الفريق الذي لا يرغب بأن يتفق لبنان، وهو الذي يستوحي عمله من الخارج، إلى الصحافيين يستنكر ما قلتُه ويؤكّد أن النواب لم يتفقوا. وانصرف ليتصل بأسياده ويتلقى التعليمات منهم، وقد راقب الصحافيون ذلك. وأخذ بعض النواب يوعز إلى زملائه بأن ينكروا عليّ ما أعلنته، وبأن اتّفاقًا لم يحصل بين المؤتمِرين، وأن القضيّة اللبنانية لا تزال معقدة. وهكذا عقد النائب زاهر الخطيب مؤتمرًا صحافيًا، حيث عقدت مؤتمري، وأعلن ما طُلب منه. لكن الكلّ، وفي مقدّمهم الصحافيون كانوا على اطّلاعٍ على الاتصالات الهاتفية التي تمّت بالخطيب، فهذا الفريق لا يرى أن من مصلحته إتمام أي اتفاق وإنهاء الأزمة اللبنانية.

في اليوم التالي، حملتُ الرئيس الحسيني وأعضاء اللجنة على إعلان الاتفاق، وانصرفنا نعالج الموضوع السياسي، وسط انقسام حاد بين النواب. الفريق المسلم يقول بضرورة بقاء الجيش السوري على الأراضي اللبنانية، والعمل بحرفية ما ورد في الوثيقة، وخلاصته أن يبتدئ الانسحاب السوري من بعض المناطق اللبنانية إلى منطقة البقاع بعد مرور سنتَين على تصديق الإصلاحات الدستورية التي وردت بالوثيقة من قبل السلطات اللبنانية. وعندها تتفق الحكومتان اللبنانيّة والسوريّة على مراكز الوجود السوري على الأراضي اللبنانية.

أما الفريق المسيحي، فمقسوم إلى ثلاث فرق، فرقة لا ترضى بالوجود السوري على أرض لبنان، وتطلب انسحابه فورًا من كلّ الأراضي اللبنانية، وفرقة تريد أن تختصر مدّة السنتَين لتصبح سنة واحدة، وأن تقرّر الحكومة اللبنانيّة بالاتفاق مع الحكومة السوريّة مواضع انتشار القوّات السوريّة، وفريق ثالث، المرشحون لرئاسة الجمهورية، ويهمّهم إرضاء الحكومة السوريّة ليؤمّنوا مساندتهم بانتخابات الرئاسة، ولكنهم لا يجرؤون على الإدلاء بآرائهم، بل يحومون حول الموضوع [...].


نجاح مشروع الطائف يتوقف على تدخلي

صباح 17 تشرين الأول، زارني السيّد رفيق الحريري في جناحي الخاص موفدًا من الأمير سعود الفيصل، وهو من مدينة صيدا ومساعده في أعمال المؤتمر. قال إن الأمير أوفده إليّ ليبلغني أن المؤتمر سيفشل، وهذا صدمة بالغة الأهّمية لجلالة الملك، لأن الموضوع يتعلّق بكرامته وسمعته، وإن سبب فشله تشبّث المسيحيين برفض الوجود السوري على أرض لبنان، بالشكل الذي ورد بالوثيقة الدستورية، وخلافاتهم في ما بينهم وخشيتهم من العودة إلى مناطقهم، وانتقام العماد عون منهم. وأضاف:

- بإمكانك إنجاح المؤتمر وإفشاله، واللجنة، لا سيّما الأمير، تعلّق على تدخلك أملًا بالغًا، وهي واثقة بأن نواب "المنطقة الشرقية" يؤمنون بك، ويعملون برأيك، ويقدمون على هو ما مطلوب منهم، إن أعلنت قبولك.

- لا أُخفي عليك وعلى الأمير، بأني لم أعمل حتى الآن من أجل إنجاح المؤتمر، كما لم أعمل على إفشاله، وإنكم اعتمدتم سواي، وهم أخذوا على عاتقهم تحقيق ما ترومونه، فليستمرّوا بما قاموا به، وعندما يعلنون فشلهم أفكّر بما يمكنني أن أفعله.

- ثبت لدينا بأنهم عاجزون عن تحقيق ما طلبناه منهم، وتحقق لدينا فشلهم، والأمر لم يعد يتحمّل التجارب والمحاولات، والأمير كان عازمًا على أن يأتي شخصيًا ليطلب منك ذلك، ولكن مكالمة هاتفية وردت إليه من جلالة الملك لاستيضاحه واقع الحال. وهو سيطلب منك ما أطلبه بعد أن ينصرف جماعة من النواب ينتظرون مقابلته.

وعدتُ الحريري بالعمل على تحقيق ما يرغب به الملك، وسأنتظر بحث الموضوع مع الأمير. وبعد فترةٍ قصيرة، اتصل بي الأمير وقال: "إني آتٍ لزيارتك"، فأجبته: "كلّا، أنا آتٍ إليك"، وأصرّيت على أن أقوم بزيارته، لأنه أتى من قبل ولم أزره. وقال: "إذا كنت تصرّ، فلتكن زيارتك بعد ساعة". وافقتُ على ما طلب، وانتظرتُ انقضاء الساعة، وانصرف الحريري ليلقاني في مكتب الأمير.

في هذه الأثناء، حضر إلى جناحي أكثر من عشرة نواب. وقبل دقائق من نهاية الساعة المضروبة، وإذ بالأمير يدخل علينا، وظهر عليّ وعلى النواب أننا فوجئنا بزيارته، فهم كانوا يعلمون أني على موعدٍ معه. بادرهم بالقول: "إن زيارة كبيرنا كاظم بك واجبة في كلّ حين، ونأتي إليه لنتزوّد بالحكمة والرأي السليم". وفهموا من أقواله أنه آتٍ ليبحث معي بعض المواضيع، فخرجوا جميعًا. وأخذ يمتدحني ويعلّق على أعمال المؤتمر ثم طلب إلي أن أعمل من أجل إنجاحه، مشيرًا إلى أن الملك مطّلع على ذلك. فوعدته بالمساهمة في تسهيل الأمور.