محمد دهشة

يحفظ الذاكرة خوفًا من الفقدان

ميلاد قسطنطين وقع كتابه "كنيسة وقديس"

3 دقائق للقراءة

من بين حجارة الكنائس القديمة وأصداء الأجراس التي رنت في فضاء البلدة، خطّ ميلاد الياس قسطنطين بحبر الذاكرة صفحات كتابه الأول: "كنيسة وقديس"، في احتفال رعاه المطرانان إيلي حداد ومارون العمّار، واحتضنته بلديّة عين الدلب في صالون كنيسة القديس باسيليوس، بحضور شخصيات دينية وسياسية وثقافية وأبناء البلدة.

لم يكن التوقيع مجرّد حدث ثقافي، بل أشبه بقدّاسٍ للذاكرة؛ إذ أعاد قسطنطين في مؤلَّفه رسم ملامح عين الدلب عبر تاريخها الوجودي، موثقًا كيف استوطنتها العائلات المسيحية من الموارنة والروم الملكيين الكاثوليك، وكيف قامت كنائسها حجرًا فوق حجر، بعرق الرجال وأيدي النساء، وبمحبةٍ سرت في تفاصيل المكان كما يسري النور في الزجاج الملوّن للنوافذ الكنسيّة.

الكاتب قسطنطين تحدّث في كلمته عن الدافع العميق الذي حرّكه لوضع كتابه حول "عين الدلب وقديسيها"، موضحًا أنه استجاب لنداءٍ داخلي يختلط فيه الشغف بالخشية من ضياع تاريخ هذا المكان المقدّس وملامحه في غياهب النسيان. فقد أراد أن يحفظ ذاكرة البلدة وأن يصون جوهرها الروحي والإنساني من التلاشي. وبيّن أن كتابه لا يقتصر على سردٍ زمني للأحداث، بل هو رحلة بحثٍ في التاريخ السياسي والاجتماعي والديني الذي شكّل وجدان المكان وأهله.

اعتمد الكاتب المنهج العلمي في توثيقه، فاستند إلى وثائق أصلية وشهادات حقيقية من كبار السن والموثوقين، وقارن بين الروايات للوصول إلى أقرب صورة للحقيقة، جامعًا بين الدقة الأكاديمية وصدق التجربة الإنسانية.

واعتبر قسطنطين أنّ هذا العمل ليس مجرد كتابٍ بل محاولة لحماية الذاكرة من الضياع، مؤكدًا أن التاريخ، بما يحمله من أفراح وآلام، يشكّل زادًا للمستقبل. وختم بالقول إن توقيع هذا الكتاب هو فعل إحياءٍ للوعي التاريخي، ونافذةٌ تضيء كنائس عين الدلب وقديسيها، ليظل عبق الذاكرة شاهدًا على الهوية والإيمان.

أما المطران إيلي حداد، فحيّا الكاتب على هذا العمل قائلًا إنّه "أحيا التاريخ ليبقى للتاريخ"، معتبرًا أنّ قسطنطين جمع بين الإيمان والعلم، فحوّل ذاكرة البلدة إلى سجلٍ حيّ لا تمحوه الأيام، ليبقى نوره شاهدًا على وحدة الكنيسة والناس في هذه البقعة التي لطالما شكّلت ملتقى للحوار والتلاقي بين الروح الإسلامية والمسيحية في الجنوب اللبناني.

بين تراتيل الكنيسة وكلمات الترحيب، بدت عين الدلب كأنها تستعيد ذاتها عبر أوراق الكتاب، إذ لم يكن الاحتفال بولادة مؤلَّفٍ فحسب، بل بولادة ذاكرةٍ جماعيةٍ تعيد وصل ما انقطع بين الماضي والحاضر، وتؤكد أن توثيق التاريخ ليس عملًا أرشيفيًا باردًا، بل فعل حبّ وانتماء يردّ للبلدة روحها، ويمنح الأجيال المقبلة جذورًا تسقيها الذاكرة والإيمان.

وفي ختام اللقاء، أقيم حفل استقبال في صالون الكنيسة حيث وقع قسطنطين نسخ كتابه للحضور، تاركًا في كلّ توقيع أثرًا يشبه الوعد بأن الذاكرة ستبقى ما دامت تُروى وتُصان.