تشنّ قناة المنار ومعها أصوات من بيئة حزب الله، حملة تحريض غير مسبوقة طالت صحيفة "نداء الوطن" ورئيس مجلس إدارة محطة MTV السيد ميشال المرّ، وتجاوزت هذه الحملة كلّ الخطوط الحمر عبر التلويح بهدر الدم واتهام هذه الجهات بالعمالة، في خطاب تخويني خطير أثار موجة استنكار واسعة. فقد وصف إعلاميون وناشطون مضمون تقرير "المنار" بأنه تضمّن تهديداً مبطّناً وتحريضاً علنياً يصل إلى حدّ التخوين، مؤكدين أنّ ما ورد فيه لا يندرج ضمن إطار النقد الإعلامي المشروع بقدر ما هو ترهيب منظّم يهدف إلى إسكات الأصوات الحرّة وبثّ الخوف في نفوس الصحافيين والمؤسسات الإعلامية. وبالفعل، تخطّى خطاب المنار حدود الخصومة السياسية إلى تبنّي نبرة عدائية سافرة ضد وسائل إعلامية لبنانية وصحافييها، ما يهدّد فعلياً حرية الرأي والتعبير في لبنان.
التقرير الذي بثّته المنار بحق MTV ونداء الوطن شكّل تحريضاً مباشراً على القتل، بحسب وصف جمعية "إعلاميون من أجل الحرية". فقد تجاوز الأمر انتقاد السياسات والخطاب الإعلامي إلى التخوين العلني واعتبار هذه المنابر "عملاء".
إنّ لغة التهديد بالقتل التي استخدمتها المنار ضدّ المرّ ومؤسساته الإعلامية حوّلت الخلاف السياسي إلى ما يشبه الفعل الإرهابي. فبدل أن تردّ المنار على MTV ونداء الوطن بحجج إعلامية أو نقاش موضوعي، اختارت شيطنة هذه المنابر والتحريض على أصحابها والعاملين فيها. والخطورة هنا تكمن في تحويل الإعلام من ساحة للنقاش والنقد إلى ساحة لتصفية الحسابات بالتهديد والتخوين، بما يمهّد فعليًا للتصفية الجسدية للمستهدفين. وقد حذّرت جهات عديدة من أنّ هذا الخطاب التحريضي الدموي قد يفتح الباب أمام تعرّض صحافيين ومؤسسات حرّة لاعتداءات محتملة، خاصة في مناخ الانقسام والتوتر الحالي. فحين تُعلن المنار خصومها السياسيين عملاء وخونة وتستهين بسلامتهم، فإنها فعلياً تضعهم في مرمى الاستهداف وترفع الغطاء عن أيّ اعتداء قد يطاولهم لاحقاً، لا سمح الله، سواء من جهات متطرّفة أو حتى لتبرير أيّ فعل عنفي قد تلجأ إليه أطراف معادية.
لفهم خلفيات هذا الهجوم، لا بدّ من وضعه في سياقه السياسي. تأتي حملة المنار التحريضية في وقت يشهد فيه لبنان تحولات داخلية لا تصبّ في مصلحة نهج حزب الله. فبعد الحرب الأخيرة وتداعياتها، ارتفعت الأصوات الحرّة تطالب باستعادة الدولة قرارها ووضع حدّ لهيمنة منطق السلاح. وقد برز ميشال المرّ كأحد هذه الأصوات الصلبة، حيث لعب دوراً مسؤولاً في كشف الحقائق والدفاع عن السيادة وحرية الكلمة بعيداً عن أي مساومات. ولعلّ موقف المرّ الداعم لمواقف رئيس الجمهورية الأخيرة، الداعية لالتزام لبنان مسار التهدئة الإقليمي والسير نحو مفاوضات سلام تحفظ للدولة هيبتها وسيادتها، كان بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لحزب الله. إذ اعتُبر تقارب المرّ مع نهج الدولة وسيادتها تحدياً مباشراً لنفوذ الحزب، فسارعت أبواق الممانعة الإعلامية إلى الهجوم المضاد عبر تخوين المرّ ووسائل إعلامه ووسمها بالعمالة.
إنّ توقيت الحملة ليس صدفة. فحزب الله يعيش حالة ارتباك في ظلّ المتغيرات الإقليمية والضغوط الداخلية المطالبة بنزع ذرائع الممانعة، بعد أن ظهر أنّ سلاحه بات عبئاً على لبنان. وفي خضمّ ذلك، وجد الحزب في نداء الوطن وMTV وميشال المرّ "عدوًاً" داخلياً مناسباً يصوّب عليه سهامه الإعلامية علّه يُلهي جمهوره ويجيّشه بخطاب المؤامرة والتخوين.
إلى جانب ذلك، يذكّرنا سجلّ المنار بأنّ هذه ليست المرّة الأولى التي تستخدم فيها القناة التخوين تمهيداً للتصفية. فقد سبق أن شيطنت الرئيس الشهيد رفيق الحريري عبر تقارير عن "عمالته" وضرورة محاربة مشروعه الوطني قبيل اغتياله، وكذلك فعلت بالصحافيين الشهيدين سمير قصير وجبران تويني عبر إلصاق تهمة العمالة بهما قبل وبعد اغتيالهما. حتى الناشط هاشم السلمان، الذي قُتل أثناء اعتصام أمام السفارة الإيرانية، كانت المنار قد حرّضت ضده واعتبرت دمه مستباحاً. والأمر نفسه تكرّر مع الناشط لقمان سليم الذي تعرّض لحملة تخوين شرسة من أبواق الممانعة قبل أن يُغتال بدم بارد، ولم تتورّع المنار عن التهليل لمقتله. هذا النمط الموثّق يوضح أنّ خطاب التخوين من جانب إعلام حزب الله ليس مجرد مبالغة لفظية، بل هو عملياً إشارة انطلاق قد تسبق الاستهداف الجسدي للمغضوب عليهم.
يبدو أنّ الحزب، المحرَج محلياً ودولياً، يلجأ مجدداً إلى أساليبه المعهودة: فبركة عدو داخلي وتلفيق اتهامات عمالة بحقه لشحن بيئته وإسكات خصومه. وكلّ ذلك يؤكد مأزق الحزب العميق اليوم، إذ بات جمهوره بحاجة إلى قضايا مفتعلة وغير حقيقية لإبقائه على أهبة الاستعداد للموت في سبيل شعارات بالية. إنها محاولة للهروب إلى الأمام عبر تصدير أزماته إلى الداخل الإعلامي واستثارة الغرائز المذهبية؛ فخطاب المنار المموَّل إيرانياً يقوم أساساً على غسل أدمغة بيئة الحزب وزرع عشق الموت والدمار والمآسي في عقولهم، وتكفير كلّ من هو خارج طائفتهم أو معترض على هيمنتهم. هكذا يسعى الحزب لتثبيت سرديّته وإسكات أيّ صوت معارض عبر شيطنته ووضعه في خانة العدو الداخلي أو الطابور الخامس.
في مقابل هذه الحملة المفبركة، جاءت ردود الفعل الدفاعية من مختلف الأوساط الإعلامية والحقوقية صارمة وواضحة في الوقوف مع نداء الوطن وMTV وميشال المرّ. فقد شددت جمعية "قل لا للعنف" على أنّ ميشال المرّ يعدّ من أبرز الأصوات الوطنية الصلبة التي تميّزت بدورها في كشف الحقائق، الأمر الذي جعله عرضة لحملات التشويه والترهيب. فشخصية المرّ الإعلامية والسياسية اتسمت بالجرأة والوضوح في مناصرة القرار الحرّ، ورفض الخضوع لأيّ وصاية أو تهديد. هذا ما أثار حفيظة أصحاب مشروع الهيمنة ودفعهم لمحاولة إسكات صوته عبر الترهيب. إلا أنّ سجلّ المرّ الإعلامي يشهد له بالثبات على مبادئ حرية التعبير والتعددية: فحتى في أوج الحملات عليه، لم يسلك درب التشنج أو الإقصاء. والمفارقة أنّ ميشال المرّ، ورغم تخوين الممانعين له، أصرّ خلال الحرب الأخيرة على استخدام توصيف "الشهداء" لمن سقطوا من مقاتلي حزب الله، لقناعته بأنهم لبنانيون أولاً وأخيراً. كما أنّه لم يُغلق أبواب مؤسساته الإعلامية في وجه ضيوف من طرف الثنائي الشيعي خلال كلّ السنوات الماضية؛ بل استمرت شاشة المرّ باستضافة شخصيات من محور الممانعة في نشراتها وبرامجها السياسية، حيث يُدلون بآرائهم وينتقدون خصومهم ويخوّنون من يريدون! وكلّ ذلك من على شاشة MTV نفسها! هذا السلوك المهني المنفتح يبرز التزام المرّ بحرية الرأي واحترام التعددية، على عكس من يتهمونه زوراً. وبالتالي، فإنّ حملة التخوين التي تستهدفه اليوم لا تعدو كونها وسام شرف على صدره وصدر كلّ إعلامي يرفض الانصياع لسلطة القمع والترهيب.
كذلك دافعت صحيفة "نداء الوطن" عن نفسها بقوة في وجه افتراءات المنار. وجاء في ردّ الصحيفة البليغ: "إذا كنتم حزب الله فنحن صوت الله، لأن صوت الله دائماً الحقّ والحقيقة" هذا الردّ يحمل دلالة عميقة على إيمان القائمين على "نداء الوطن" برسالتهم، فهم منارة إعلامية في مقابل منابر التضليل والتخويف. وأكدت إدارة نداء الوطن أنها ستستمرّ بالتصدي لمحاولات كمّ الأفواه بجرأتها المعهودة وصراحتها. إنه تحدٍّ صريح من قبل الصحيفة: لن ترهبنا فزّاعة "التخوين" ولا وعيد أصحاب الأصابع المرفوعة بالتهديد، ولن يُسكتها ترهيب. وقد لخّصت نداء الوطن رسالتها لـالمنار بعبارة صارمة: سنردّ على المحطة التحريضية بصراحتنا وجرأتنا المعهودتين، ولسنا آبهين لتهديدها ووعيدها كما لم نأبه له يوماً حتى في أحلك الظروف.
قوبلت حملة المنار التحريضية بإجماع على إدانتها والدفاع عن المستهدفين بها. فما جرى اعتداءً صريحاً على حرية الرأي والتعبير المكفولة دستورياً، ومحاولة لترهيب كلّ صوت حرّ يرفض الخضوع لمنطق السلاح وهيمنة الحزب على الدولة والإعلام. وفي هذا السياق، صدرت دعوات لمحاسبة كلّ من حرّض وشارك في هذا الخطاب التخويني. حركة "نحو الإنقاذ" مثلاً عبّرت عن تضامنها الكامل مع ميشال المرّ واعتبرت حملة المنار تعدّياً على أمن الإعلاميين وحرية الصحافة، ودعت النيابة العامة التمييزية والمجلس الوطني للإعلام إلى التحرّك الفوري لمحاسبة المسؤولين عن هذا الخطاب الدموي حمايةً لكرامة الإعلام اللبناني وحريته. فالقانون اللبناني واضح في تجريم التحريض على العنف والقتل، ولا يمكن السكوت على خطاب يُهدر دم مواطنين وصحافيين تحت أيّ ذريعة. إنّ التضامن الواسع الذي أبدته الأوساط السياسية والإعلامية مع MTV ونداء الوطن اليوم هو في الجوهر تضامن مع لبنان الحرّ في وجه ثقافة القمع والتهديد.
وفي المقابل، فإنّ كلّ من سكت أو برّر أو شارك في حفلة التخوين هذه يساهم في ضرب أسس الحياة الديمقراطية. فلا مجال للحياد حين يُهدَّد صحافي أو مؤسسة إعلامية بالتصفية لمجرد ممارستهما دورهما في مساءلة السلطة وكشف الحقائق. لقد ولّى زمن الوصاية الذي كمّم الأفواه وقنّن الحريات، ولن يعود. ولبنان الذي دفع صحافيوه وكتّابه والناشطين أغلى الأثمان في مواجهة الإلغاء والصوت الواحد، لن يقبل بالعودة إلى عهود الترهيب مهما كانت الظروف. إذاً، المطلوب اليوم موقف حازم من الجهات القضائية وهيئات الرقابة الإعلامية لوقف هذا التدهور الخطير. فالإعلام لا يمكن أن يتحوّل إلى ساحة مباحة للتهديد بالقتل من دون عقاب. وإنّ إفلات المحرّضين من المساءلة اليوم سيشكّل سابقة خطيرة تُغري بالمزيد غداً.
ختاماً، نقولها بالفم الملآن: إنّ حرية الإعلام والتعبير في لبنان خطّ أحمر لن يُسمح بتجاوزه. وحملة المنار الأخيرة، بما انطوت عليه من تخوين وتحريض مرفوضين، ارتدّت على مطلقيها إذ أكدت صوابية ما تنشره نداء الوطن وMTV من حقائق. لقد أثبتت هذه المنابر أنّها مرآة لنبض الرأي والقرار الحرّ، ولذلك يُراد إسكاتها. ولكن هيهات! إذا كان البعض يعتبر نفسه "منارة" للسلاح والتطرّف، فنحن المنارة الوطنية للإعلام الحرّ؛ وإذا كان يدّعي صفة "حزب الله" فنحن صوت الله، صوت الحقّ والحقيقة الذي لا يعلو عليه زور ولا ترهيب. وسوف يبقى هذا الصوت حراً، عالياً، ومدوّياً في وجه كلّ من يحاول إخماده.