رئيس الحكومة نواف سلام، يعترف بصراحة تاريخية، والنائب فؤاد مخزومي يتكلم عن السلام كسبيل للازدهار.
لقد قال الرئيس نواف سلام ما لم يجرؤ كثيرون من جيله على قوله: "أنا وجيلي أخطأنا في الماضي بتغليب تعاطفنا مع القضية الفلسطينية وبالدعوة لحرية العمل الفدائي على حساب لبنان، وحَمَّلنا لبنان أكثر مما يحتمل". هذا الاعتراف الشجاع ليس مجرد جملة عابرة في هواء السياسة؛ إنها لحظة مفصلية يجب أن تكون نقطة تحوّل في وعي بعض المجتمعات اللبنانية. فحين تقرّ أعلى سلطة سنّية بهذا الخطأ التاريخي الذي ساهم في تفجير الحرب اللبنانية، التي كان جزءًا منها أهليًا، يصبح لزامًا علينا أن نستخلص العِبر ونمنع تكرار الأخطاء. لقد آن الأوان لتغليب المصلحة اللبنانية دون أي مجاملة، فقد دفع البلد ثمنًا باهظًا لمواقف عاطفية أو لمساومات سياسية قصيرة النظر.
الاعتراف بخطايا الماضي يجب أن يتبعه عمل جريء للمستقبل. وما طرحه الرئيس سلام يُحتّم علينا فتح النقاش السياسي الرسمي حول صيغة نظامنا الداخلي، بما في ذلك الانتقال إلى الكونفدرالية أو على الأقل إلى فدرالية موسّعة تضمن عدم وقوعنا مجددًا رهينة مغامرات فئة أو حزب. لأن البلد اليوم مثقل بأزمات وجودية، من انهيار مالي إلى ازمات دستورية، وجذور هذه المشكلات، سياسية تتعلق ببنية النظام. إن المطالبة ببحث الكونفدرالية ليست خيانة للوحدة، بل محاولة لإنقاذها بشكل عادل ومستدام. يشرح مفكرون أن الفدرالية التقليدية قد لا تفيد في ظل بقاء مكونات تفرض أجندات خارجية على الدولة، مؤكدين أن أي فدرالية بلا حلّ لمعضلة سلاح "حزب الله" ستكون كمن يطبّق فدرالية هشّة مدمرة بدل أن تكون حامية. أما الكونفدرالية، بصفتها تقسيمًا إداريًا أكثر استقلالية، فيراها البعض السبيل العلمي لإخراج الدولة من دويلة الميليشيا. قد يبدو الطرح صادماً، لكنه على الأقل يكسر المحرّمات ويفتح الباب أمام تفكير جديد خارج قيود النظام الذي شلّته التوافقات المجوّفة. فكما اعترف الرئيس سلام بخطأ التنازل عن سيادة الدولة في الماضي، علينا اليوم عدم التردد في إعادة صياغة عقدنا الاجتماعي إذا كان ذلك السبيل الوحيد لتجنيب بلادنا ندماً جديداً وكوارث أعظم من التي نعيشها حالياً.
في المقابل وفي السياق نفسه، النائب فؤاد مخزومي يجاهر برؤية واقعية تربط بين السلام والازدهار. هذا الموقف، ليس تفصيلًا عابراً عندما يخرج من نائب سنّي بيروتي كفؤاد مخزومي، ليعلن بالفم الملآن أن السلام هو درب الازدهار، ويشرح لماذا هذا المبدأ جوهري لمستقبل لبنان. في خضم مزايدات محور الممانعة وصخب شعارات الحرب المفتوحة، يصدح صوت مخزومي بالبراغماتية والرؤية الثاقبة. كما رحّب سابقًا، بالاتفاق الأخير بين إسرائيل و حماس واعتبره خطوة مهمة نحو إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، موجّهاً التحية للرئيس الأميركي دونالد ترامب على جهوده. وأكد مخزومي أن لبنان والمنطقة يستحقان مستقبلاً قائماً على السلام والحوار والاحترام المتبادل. هذه الجرأة في الربط بين السلام والاستقرار الداخلي تعيد إلى الأذهان خطاب الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي آمن بأن لا إعمار ولا ازدهار بلا استقرار وسلام. واليوم، نرى القيادات السنيّة تعود إلى ذاك النهج الرؤيوي، بعد ان ابتعدت عن سياسة ربط النزاع التي اتبعها الرئيس سعد الحريري مع "حزب الله" وحلفائه، تلك المساومات التي أدخلتنا في جمود قاتل وأبقت الدولة رهينة اللا قرار. يدرك مخزومي أن تجاهل سؤال السلام الإقليمي وتحصين الداخل ليس إلا دفناً للرؤوس في الرمال، فيما البلد يغرق. نعم، السلام يتطلب شجاعة في الرؤية واتخاذ القرار، لكنه السبيل الوحيد ليحيا اللبنانيون بكرامة وازدهار، بعيداً عن مغامرات المحاور الإقليمية وصراعاتها التي لا تنتهي.
نحن أمام مواقف سنّية متقدّمة تتطلّب الترجمة الفعلية على أرض الواقع. تصريح الرئيس نواف سلام يجب أن يتبعه تحرك حكومي وشعبي لبدء نقاش جدي حول مستقبل النظام اللبناني. ودعوة النائب فؤاد مخزومي الصريحة إلى جعل السلام هدفًا وطنيًا ينبغي أن تتحول إلى استراتيجية رسمية تقودها الدولة، بدل البقاء رهينة تجاذبات المحاور. لقد تعب اللبنانيون من دفع فواتير حروب الآخرين على أرضهم. ومن حق هذا الشعب أن ينعم أخيرًا باستقرار حقيقي يفتح باب الازدهار الاقتصادي والتطور الاجتماعي. الطريق شاق ولا يخلو من عرقلة المتضررين، لكن الجرأة السياسية التي شهدناها في هذه المواقف تمنح بصيص أمل. فلنقف جميعًا، بلا حياد زائف، خلف من يجرؤ على قول الحقيقة واتخاذ الخطوات الشجاعة. عندها فقط يمكن أن نمنع الندم في المستقبل، ونكتب فصلاً جديداً يُنقذ لبنان مما يتخبّط فيه، نحو دولة حديثة تصون السلام الداخلي وتحجز لها مكاناً تحت شمس الازدهار.