عصر الثلثاء 29 آب 1978 وصل المطران رولان أبو جوده إلى دير سيدة ميفوق، الذي أصبح يعج بالنازحين والتقى الأهالي المفجوعين الذين راحوا يخبرونه عن معاناتهم. وتباحث مع رئيس الدير والرهبان وبعض المخاتير بقضية المفقودين، والعوائق التي تعيق تقديم المساعدات العاجلة.
لم يمكث طويلًا، فغادر ومن معه إلى بكركي، وكان النواب: حبيب كيروز، جورج سعاده، بطرس حرب، جبران طوق، وطارق حبشي في انتظارهم حيث التقوا البطريرك خريش.
خلال اللقاء قدم أبو جودة شرحًا مفصلًا حول حقيقة الوضع المفجع في المناطق التي زارها. المهجرون الذين أصبحوا في العراء وما عادوا يملكون إلا الثياب التي هربوا بها، والذين بقوا في قراهم ما عاد لديهم أي شيء من مقومات الحياة، وقضية المحتجزين والمفقودين، فقدّم الدكتور جورج سعاده لائحة بأسماء 75 مواطنًا من منطقة البترون لا يزال مصيرهم مجهولًا، إضافة إلى لائحة بأسماء 18 ضحية سقطت خلال الأيام الماضية ولم يكن وضع منطقتي بشري دير الأحمر أفضل، بحيث أن معظم القرى أصبحت شبه فارغة من الأهالي واتفق أن يتوجه المطران صفير صباح اليوم التالي، إلى الديمان للبقاء إلى جانب الأهالي ووقف مغادرتهم قراهم ومنازلهم.
من بكركي، انتقل النواب والمطران أبو جوده إلى القصر الجمهوري والتقوا وزيري الداخلية والعمل والشؤون الاجتماعية، وتباحثوا في الحاجات الملحة لمناطق البترون وبشري ودير الأحمر، خاصة رش القرى بالمبيدات ودفن الجثث التي لم تدفن بعد في كور والعديد منها كانت لا تزال في الحقول وتحت أنقاض المنازل، خاصة بعد أن فاحت الروائح منها.
أما بخصوص وضع المهجرين، فاتفق على أن تقوم الهيئة العليا للإغاثة بتسجيل الأسماء وتوزيع المساعدات في عدد من المراكز التي حددت وهي: دير راهبات المحبة عجلتون، معهد الرسل جونيه، أنطش جبيل، مدرسة الدون بوسكو في الحصون، مطرانية قبرص في أنطلياس، مدارس راهبات الوردية والعائلة المقدسة والقلبين الأقدسين في جبيل، دير معاد، دير عنايا، دير ميفوق، مهنية دوما.
الأربعاء 30 آب وكعادته نهار الأحد، وصل المطران رولان أبو جوده إلى البترون يرافقه المدبر الأب توما مهنا موفدًا من الآباتي قسيس، والتقيا في دير الآباء الكبوشيين لاوون الحويك مسؤول "كاريتاس" في الشمال الذي كان يتحضر للصعود إلى قرى وسط منطقة البترون مع شاحنات المساعدات لتوزيعها على من بقي من الأهالي، واتفقوا على توجيه شاحنات إلى الديمان لتوزيعها في منطقة بشري.
من البترون صعد المطران أبو جوده إلى وسط البترون يرافقه الأب مهنا والخوري فرنسيس البيسري والأب ميشال يوسف الكبوشي ورئيس أنطش البترون الأب مرتينوس حرب وانضم إليهم رئيس دير كفيفان الأب يوسف عجيل.
وصلوا دير جربتا الذي كان يعج بالمهجرين من أبناء القرى المجاورة، وحثهم المطران أبو جوده على العودة إلى منازلهم والبقاء في قراهم مهما كانت الصعاب، وبالفعل عاد في اليوم ذاته العديد من الأهالي إلى بيوتهم.
في دير جربتا، وصلهم خبر حملته دورية درك كانت تتفقد المنطقة، يشير إلى أن القوات السورية عند جسر عين عيا، منعت رئيس دير حوب الأب نعمة الله يونس من إكمال طريقه إلى البترون وأرغمته على العودة إلى جرد البترون، وكان يركب سيارة بطرس فارس أنطون الهاشم المعروف بأبو أنطون.
وعندما حاولت دورية الدرك الاستفسار عن سبب منع رئيس دير حوب من إكمال طريقه، رد أحد الضباط: إنهم عملاء، أديرتهم هي مخازن أسلحة ويأوون فيها "رجال عصابات" من "الكتائب" و"الأحرار".
عبثًا حاولت دورية الدرك إقناع الضباط بالسماح للأب يونس بإكمال طريقه، لكن من دون جدوى، فقرر أبو أنطون العودة مع كل ركابه إلى تنورين وعدم ترك الأب يونس على الطريق.
من دير جربتا صعد المطران أبو جوده ومرافقوه إلى عبدللي وتولا، وعندما حاولوا التوجه إلى دير معاد، منعتهم القوات السورية على اعتبار أن المنطقة ما تزال منطقة عمليات عسكرية.
كان المشهد في عبدللي مؤلمًا: بيوت فارغة وأضرار في الكنيسة التي دُنست، وأخبرتهم القلة الباقية عن هول ما مر عليهم والتجاوزات التي تقوم بها القوات السورية خلال مداهمتها المنازل المقفلة، حيث يقومون بتكسير الأبواب وبعثرة المحتويات وسرقة الكثير من الحاجيات، وبالفعل شاهد المطران أبو جوده ومن معه منازل مشلّعة الأبواب ومكسّرة ومحتوياتها مبعثرة.
من الأخبار المفجعة التي سمعوها، ما رواه يوسف بطرس بركات الذي أخبر أن الجنود السوريين ولحظة وصولهم إلى قرب منزله أوقفوه قرب حائط المنزل وأهانوه وضربوه، ثم تقدم منه جندي وأمره بإحضار "معول ورفش"، وبعد أن أحضرهما أمره بحفر قبره بيده، فراح يحفر في الحقل الملاصق للمنزل وهو يصلي والجنود يضحكون عليه، وبعد أن أنهى حفر حفرة بطول حوالى المترين وعرض متر وبعمق حوالى النصف متر، وكان اعتقد أن ساعته قد دنت، أمره الجنود بالمغادرة وعدم الخروج من المنزل، فدخل منزله وهو يحمد ربه أنه ما زال على قيد الحياة.
إلى دير معاد وصل المطران أبو جودة والوفد المرافق لتفقد المهجرين. كان الوضع مأسويًّا بعد تأخر وصول المساعدات، وما من قدرة على إغاثة الجميع، ولا يمكن الطلب من الأهالي العودة إلى قراهم، بحيث أن القوات السورية ما تزال تقطع طريق الوصول من معاد إلى وسط البترون، فتم الاتفاق مع ضباط ثكنة المدينة الكشفية الذين كانوا أقاموا موقعًا لهم قرب الدير لحماية الأهالي على تسيير قافلة لمن يرغب بالعودة إلى ساحل البترون، ومنه صعودًا إلى قرى الوسط على أن يرافقها ضباط من الجيش وكهنة ورهبان من دير معاد.
معاناة الخوري سمير الحايك والأب سليم رزق الله الكبوشي
باشر كهنة الرعايا تسجيل أسماء المفقودين من أبناء رعاياهم وتسليمها للخوري سمير الحايك والأب سليم رزق الله الكبوشي، اللذين جالا في القرى والبلدات الفارغة، وفي بعض الأوقات يصلان إليها ليلًا رغم المخاطر التي واجهتهما، لا سيما المضايقات التي تعرضا لها من العناصر السورية، لكنهما صبرا على كل المضايقات والإهانات، وأكثر من مرة شاهدا الموت أمام أعينهما، لكنهما لم ييأسا أو يخافا، بل استمرّا في رسالتهما.
تبين بعد التدقيق بالأسماء، أن العديد ممن اعتبروا في عداد المفقودين كانوا تائهين في البراري ووصل معظمهم إلى أديرة جربتا ومعاد وميفوق ومنطقة جبيل، فيما عاد البعض الآخر إلى قراهم.
لدى الخوري سمير الحايك والأب سليم رزق الله الكبوشي والأب يوسف عجيل وباقي الكهنة والرهبان الذين كانوا يتفقدون القرى والبلدات، كم هائل من أخبار تلك المرحلة خاصة ما تعرضوا له من مضايقات وإذلال على الحواجز السورية المنتشرة على طرقات البترون، وكم من مرة أنزلوا من سياراتهم وأوقفوا لساعات على الحواجز السورية وأخضعوا لتحقيقات حول جولاتهم التفقدية على قرى المنطقة، كما أرغموا مرات على نقل الضباط والجنود السوريين في سيارتهم، ولكن رغم كل الصعاب التي واجهوها، لم ييأسوا وظلوا يتفقدون قرى المنطقة وحتى ليلاً، ويساهمون مع ضباط وجنود الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، في نقل العديد من الشبان الذين كانوا مختبئين في قراهم، إلى خارج منطقة البترون، ونقل الكثير من الحاجيات من الأهالي لأولادهم الذين خرجوا من قراهم.
إلى منطقة الجبّة
صباح الأربعاء، غادر المطران نصر الله صفير بكركي، يرافقه المونسنيور إميل شاهين إلى الديمان للبقاء إلى جانب الأهالي، وكانت رحلة عذاب شاقة. وصلا عند جسر المدفون وانتظرا قدوم ضابط الارتباط في الجيش اللبناني لمرافقتهما، لكنه لم يصل وبعد انتظار ساعة تقريبًا تابعا طريقهما، وعند الحاجز السوري عند مفرق عين عكرين أوقفوا السيارة لأكثر من ساعة وأرغم من فيها على النزول منها لتفتيشها، ثم سمح لهم بالمغادرة. وعند حاجز قنات كانت المأساة. أكثر من ساعة ونصف، والمطران صفير ومن معه جالسون في السيارة، لا يسمح لهم بالنزول منها أو المتابعة أو العودة، إلى أن وصل "جيب" للجيش اللبناني هابطًا من جبة بشري وكان فيه ضابط الارتباط الملازم أول حسن طوط، الذي تعرف على ركاب سيارة المطران. وبعد مباحثات مع الضباط السوريين سُمح للمطران صفير بإكمال طريقه، وخوف تعرضه لمضايقات أخرى، سار الملازم أول طوط أمامه.
في حدث الجبة، حاولت القوات السورية، منع المطران صفير من إكمال طريقه، لكن الملازم أول طوط أصرّ على إيصاله إلى الديمان تنفيذًا للأوامر التي معه: أخيرًا دخل المطران صفير ومن معه إلى الصرح البطريركي بعد معاناة لساعات.
يقول المونسنيور إميل شاهين: ما واجهناه يومها كان قمة العذاب، وما كنا نتصوّر أن نُعامل هكذا من قبل جيش نظامي، حتى لم يسمح لنا بالتحدث مع أي ضابط ولا بالعودة.
تابع: لم نكن وحدنا من تعرضوا للإهانة، فركاب كل السيارات العابرة على ندرتها تعرضوا للكثير من الإهانات وكنا نشاهد الجنود يصفعونهم ويركلونهم ولا نستطيع فعل أي شيء، لا بل كنا متخوفين من أن يصل الدور إلينا.
أما الملازم أول طوط فيقول: كان ذلك النهار من أسوأ الأيام التي مرت علينا، فيومها قررت قيادة الجيش في الشمال عدم السماح للضباط المسيحيين بالتوجه إلى الأقضية المسيحية الشمالية، التي دخلتها القوات السورية، حيث حصل أكثر من إشكال بينهم وبين الضباط السوريين المتمركزين داخل الكنائس. وكانت قيادة الجيش في الشمال، لفتت نظر القيادة السورية إلى أنه لا يمكن للضباط المسيحيين لا سيما الموارنة منهم مشاهدة كنائسهم مدنسة والجيش السوري متمركز فيها ويبقون ساكتين، ولكن لم يتجاوبوا معنا، فكان القرار أن نكتفي ببعض الضباط المسلمين الذين رغم المرارة التي كنا نشعر بها، ونحن نشاهد تدنيس الكنائس وإهانة الأهالي، صبرنا ولم يكن لدينا حل آخر: كان علينا إنقاذ الناس أولاً. ختم بالقول: حقيقة مشهد المطران صفير ومن معه عند الحاجز السوري في قنات كان مؤلمًا جدًّا ومستفزًا ولا أنساه.