«أروع ما يمكن أن نفتتح به هذا اليوم العظيم هو ما قاله سيد شهداء الأمة السيد حسن نصرالله، قائد هذه المسيرة وملهمها ومربي أجيالها: عندما نستشهد ننتصر.»
ما قرأته عين الشيخ نعيم قاسم، أمين عام الحزب، من جوهر انتصار معركتي «الإسناد» و«أولي البأس» في خطاب يوم الشهيد، قرأته كذلك نتيجةً للمغامرة والمقامرة غير المحسوبة التي قادها الحزب: اتفاق وقف إطلاق النار الذي رأت فيه عين قاسم ربحًا للحزب وخسارة لإسرائيل. فالعين لم ترَ سوى جنوب الليطاني كحيّز جغرافي وحيد تُسحب منه المظاهر المسلحة لغير الجيش اللبناني، حتى إن تفسير قاسم لهذا السحب والانسحاب التَفّ على المضمون الحقيقي بعبارة «عدم وجود أي مظاهر مسلحة لغير الجيش اللبناني المسؤول عن الأمن في تلك المنطقة». إسرائيل خسرت بهذا الاتفاق لأنها خرجت، ويجب أن تخرج بحسب الاتفاق من دون أن تحصل على مكاسب عدوانها؛ فالانسحاب هنا ربح مقبول بالنسبة إلينا. ومع ذلك، عاد قاسم وقال: «إسرائيل محتلّة لكل لبنان بطيرانها وعدوانها، وبإدارة أميركية... هذه هي الصورة... إسرائيل لا تريد أن تخرج».
في موضوع الذرائع والحجج، لم تستطع عين قاسم أن تخفي قوله: «لم تتمكن إسرائيل من خلال كل هذه الاعتداءات والخروقات أن تجرّ المقاومة أو لبنان إلى تبادل يؤدي إلى إعطاء ذريعة لإسرائيل بأنها لم تنفذ الاتفاق». وحتى في هذا الموضع بدا أن قاسم يقرأ «تطمينًا من الرابح إلى العدو الخاسر» بقوله: «كل أمن المستوطنات كان موجودًا بشكل عادي وطبيعي، ولا تستطيع إسرائيل أن تدّعي بأن أمنها معرض للخطر... لا توجد مشكلة على أمن المستوطنات». وأقرّ كذلك: «حجة إسرائيل بالأمن المستقبلي... هي الآن حققت أمنها وتعتدي، وواضح أن القدرات الموجودة عندها تحفظها لفترات طويلة من الزمن». وحتى ذريعة «استعادة العافية من ناحية القدرات والإمكانات العسكرية» قرأها قاسم «انتصارًا» بينما بدت للعيون تراجعًا، حين قال: «نحن عم نتعافى بحضورنا الطبيعي في بلدنا. مجتمعنا حيّ، مجتمعنا قوي، مجتمعنا آمن بالمقاومة، آمن بالتحرير. هذه قوة الحقيقة... دائمًا نقول: قوتنا بالإيمان والإرادة، ليست القصة قصة الإمكانات... قوة مقاومتنا بإرادتنا وإيماننا، دماء شهدائنا زادتنا قوة وعزّة. تضحيات أهلنا أنارت طريق عزتنا».
أما في ما يخص بند «حصرية السلاح» فكانت عين قاسم ضيقة، فاعتبر أن الحكومة اللبنانية لم تجد في البيان الوزاري سوى «حصرية السلاح» وأنها تدّعي أنها تسعى لذلك «لِنزع الذرائع من العدو الإسرائيلي». هكذا يدحض قوله السابق الذي حوّل ربح الاتفاق إلى التفاف وتبرير، ويعكس تناقضًا في قراءة «حصرية منع المظاهر المسلحة» في جنوب الليطاني مقابل «حصرية السلاح» على كامل الأراضي اللبنانية.
كذلك ضاقت عين قاسم حين توسع الحظر من جنوب الليطاني ليشمل كل لبنان كما نصت عليه القرارات الدولية، ومنها القرار 1701 وبنود اتفاق 27 تشرين الثاني 2025؛ فضمن خطاب القسم والبيان الوزاري وقرارات الحكومة وخطة الجيش قال: «ممنوع على لبنان أن يكون قادرًا على إطلاق صاروخ واحد باتجاه العدو»، بينما كانت عينُه منفتحة على ضمان أمن شمال الأراضي المحتلة وسلامة المستوطنات المغتصبة، كما سلف ذكره في خطابه.
وفي شأن التدخّل الأميركي والغربي والعربي قال قاسم: «هم بالحقيقة يتدخلون في مستقبل لبنان: كيف سيكون جيشه؟ كيف سيكون اقتصاده؟ كيف ستكون سياسته؟ وكيف سيكون موقعه؟» ولو فتح قاسم عينه جيدًا لرأى التوسّل والتسول من تلك الدول المانحة لتقديم المساعدات والهبات والقروض والدعم وإعادة الإعمار والإصلاح المالي والاقتصادي، والمساهمة في تسليح الجيش وتمويله لنشر سلطة الدولة على كامل أراضيها. ولو دقق في بنود اتفاق وقف إطلاق النار لقرأ في ختامه: «كما تعتزم الولايات المتحدة وفرنسا قيادة الجهود الدولية لدعم بناء القدرات والتنمية الاقتصادية في جميع أنحاء لبنان، من أجل تعزيز الاستقرار والازدهار في هذه المنطقة».
أما تهديد قاسم حين قال: «استمرار العدوان بهذا الشكل بالقتل والتدمير لا يمكن أن يستمر، ولكل شيء حدّ... نحن أمام خطر وجودي حقيقي، ولذلك من حقنا أن نفعل كل شيء في مواجهة هذا الخطر الوجودي»، فقد رأينا مثله ونتائجه، وربما ما لم تره عين قاسم: ففي 22 أيلول 2006، وبعد شهر على «انتصار الحزب الإلهي»، قال نصرالله: «هل ستحول الحكومة اللبنانية الجيش اللبناني إلى وحدة عداد شكاوى وتسجيل خروقات؟ هذا معيب في حق الجيش اللبناني». وسجّل في 12 تشرين الأول 2012 أن «الخروقات الجوية الإسرائيلية بلغت 20864 منذ صدور القرار 1701». وفي 30 أيلول 2017 قال: «إذا لم تعالج قضية الخروقات الإسرائيلية بالوسائل السياسية، فنحن سنبحث عن وسيلة للعلاج». وأكد في 25 آب 2019: «من الآن فصاعدًا، سنواجه الطائرات المسيّرة الإسرائيلية عندما تدخل سماء لبنان وسنعمل على إسقاطها».
وقد رأت العيون ما أحدثته وتحدثه هذه الخروقات وتلك الطائرات طوال الفترة الممتدة من آب 2006 إلى ما بعد آخر تهديد أطلقه الشيخ نعيم قاسم في خطاب تاريخ 11 تشرين الثاني 2025، والذي ختمه كما بدأه بوجهته الحتمية: «نحن استشهاديون بالمنهج والعطاء والاتجاه والنتيجة. عندما نستشهد ننتصر».