شادي معلوف

وثائقي "Carmen A Baalbeck"... للتاريخ

3 دقائق للقراءة


من حسن طالع الأجيال التي ستأتي بعدنا، أن تطوّر التقنيات سهّل إمكان التقاط الصور والاحتفاظ بأحداث الزمن الحالي بالصوت والصورة لعقود طويلة آتية. لن يكون إذًا من الصعب على من سيخلفنا على هذه الأرض، بعد 40 أو 50 أو 100 سنة وربما أكثر، البحث عن وثيقة مصوّرة لحدث جرى على سبيل المثال عام 2015 أو 2025 أو 2100، كما نجهد نحن اليوم حين نرغب في استعادة أول إطلالة لفيروز مثلًا في "مهرجانات بعلبك الدولية" عام 1956، أو عندما نرغب في مشاهدة وديع الصافي ونجاح سلام وهما يقدّمان عرض "نهر الوفا" في وادي نهر الكلب الأثري عام 1965، أو لقطة لصباح تمتطي الحصان الذي حملها إلى حفل افتتاح فندق "قصر الأمير أمين" في بيت الدين سنة 1974.

فمنذ سنوات قليلة، صار كلّ من يحمل في يده هاتفًا، موثِقًا للأحداث والمناسبات واللحظات النادرة، بل وصارت المشاهد المصوّرة بيد وعين الهواة مصدرًا في أحيان كثيرة لما تبثه لاحقًا الوسائل الإعلاميّة التقليديّة.

لكن رغم ذلك، يبقى للتصوير والتوثيق المحترف أهميّته وقيمته التي تحفظ الأحداث للأجيال المقبلة، بالصوت النظيف والصورة النقيّة والتوليف المحترف. وهذا ما لجأ إليه المخرج جهاد مخايل ومعه "لجنة مهرجانات بعلبك الدوليّة" حين قرّروا تصوير كواليس التحضيرات لعرضَي "أوبرا كارمن" اللذَين قُدِّما في 25 و 26 تموز 2025 ضمن "مهرجانات بعلبك الدولية". 

خرج مخايل من هذه المهمّة بشريط يوثِق لقطات من التدريبات التي جرت قبل العرضَين في القلعة التاريخيّة، ومقابلات أجراها فريق الوثائقي مع فريق العرض الأوبرالي، من مخرج وممثلين ومغنين ومصمم أزياء وكوريغراف وقائد فرقة موسيقية وغنائية ومصمّمة الصوت ورئيسة لجنة المهرجان، وآخرين من القيّمين على الحدث الفني الذي شهده لبنان الصيف المنصرم، رغم الأوضاع الدقيقة التي كانت سائدة في البلد عامةً ومنطقة البقاع تحديدًا.

شريط "Carmen A Baalbeck" الذي عُرض للمرة الأولى أمام جمهور من أهل الثقافة والفن والسياسة والصحافة والمجتمع مساء الخميس الفائت، في صالة "Grand Cinema" في مجمّع "ABC" - الأشرفيّة، شكّل وثيقة فنية تاريخيّة للتحضيرات والاستعدادات التي سبقت تقديم عرض عالمي ارتدى الحلّة اللبنانيّة بأفكار وأنامل وأصوات وتقنيات محليّة زادته تألّقًا وتميّزًا. 

بذلك تكون الجهة الإنتاجيّة والفنية التي قدّمت هذا العمل، قد ساهمت في حفظ لحظات ربما لن تتكرر، ستبقى بتصرّف الأجيال المقبلة التي ستحظى حين ترغب وبسهولة، بفرصة إعادة مشاهدة ما كان يومًا محطّة مميّزة من التاريخ الحديث لأول مهرجان فني دولي أقيم في لبنان، فيما هو يستعدّ في العام 2026 للاحتفال بذكرى 70 سنة على انطلاقته.

فهل يكون من مفاجآت إحياء الذكرى 70 لانطلاقة "مهرجانات بعلبك الدولية"، فتح خزائن أرشيف المهرجان ونشر ما بقي فيها من مشاهد مصوّرة أو صور أو مقتنيات من لياليه التاريخيّة والأعمال والوجوه البارزة التي مرّت به؟ نأمل وننتظر.