معرض "کما في السماء كذلك على الأرض"! مجموعة أيقونات من تأثير وتراث مدرسة القدس في فلسطين وبلاد الشام عامة، منذ طور المسيحية الأساس حتى بداية القرن الماضي، تصوِّر حياة السيد المسيح ومراحل وجوه القداسة، إلى المواقع التاريخية في القدس.
هذه الأيقونات بتوقيع الفنانين الفلسطينيين خرّيجي مدرسة القدس بإدارة الرهبان اليونانيين، والذين تأثروا بنهج المدرسة الأيقونية في روسيا القيصرية. إشارة إلى أنّ هذه الأيقونات البيزنطيّة المقدسية زيّنت الأديرة والكنائس في لبنان وسوريا...
بين فناني تلك الفترة (القرن التاسع عشر) برزت أسماء: حنا القدسي ويوحنا صليبا وإسحق نقولا الأورشليمي وسواهم.
نشأ الفن الأيقوني من التقاليد البيزنطية في القسطنطينية، وامتدّ إلى البحر المتوسط فالمشرق العربي. لا تعتبر الأيقونة لوحة زخرفية، بل تمثل حالة عبور روحي كنافذة إلى السماء، وتخضع لمواصفات لاهوتيّة صارمة ومُعبّأة بالرموز الليتورجيّة. أما اعتماد الذهب، فللدلالة على الجلال الإلهي.
شكّلت مدرسة القدس تيارًا فنيًّا مقدّسًا خلال القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر داخل المشهد المسيحي في فلسطين، وامتلك خصائص مميّزة. ومن عوامل انتشار نتاجها، إقبال الحجّاج العرب والأوروبيّين على اقتنائها تذكارًا وتَيمُّنًا بالأماكن الإيمانيّة، ككنيسة القيامة وجبل الزيتون، ما أوجد سوقًا تجاريةً مزدهرة.
تحتلّ المدرسة الروسيّة في فن الأيقونات موقعًا مميَّزًا في تاريخ الفن المسيحي المشرقي، إذ استطاعت أن تتحوّل من امتداد بيزنطي إلى مدرسة مستقلة متكاملة، لعبت دورًا محوريًّا في تشكيل الوعي الروحي للأمّة الروسيّة – قبل الإمبراطوريّة الروسيّة القيصريّة وبعدها - وإذا بالأيقونة تتحوّل إلى لغة لاهوتيّة بصريّة، وسلاح روحي في مواجهات الاضطرابات السياسية.
يُعتبر Andrei Rublev الراهب والفنان الروسيّ (توفي سنة 1427 تقريبًا)، أحد أعظم الأيقونيّين في العصور الوسطى وأهمّ من عَبّر عن الروحانيّة السلافيّة الأرثوذكسيّة. "أيقونة الثالوث المقدس" تُعتبر ذروة الفن الروحي الروسي.
من سمات المدرسة الروسيّة، أن الأيقونة ليست لوحة، بل نافذة على العالم الآخر. ويبرز في معالمها الهدوء الداخلي - بياض الوجوه - نظرات الرحمة والتجرّد عن المادة، ثم أضيفت عليها لاحقًا الهالات الزخرفيّة والثياب الموشاة بالذهب. أما الأثر الديني والثقافي للمدرسة الروسيّة، فقد شكّلت الأيقونه جزءًا مهمًّا في حياة الروس اليوميّة واحتلّت صدارة البيوت والكنائس والمتاحف وتحوّلت إلى نوع من "إنجيل مصوّر".
كما سجّلت الأيقونة ذاكرة وطنيّة جامعة للأحداث التاريخية، كحماية القيصر فلاديمير من غزوة التتار، وملحمة انتصارات روسيا في حروبها. ودخل الإرث الأيقوني في التوثيق المصوّر، عبر فيلم "Andrei Rublev" للمخرج الروسي الشهير Andrei Tarkovsky في العام 1966.
بناءً على ما تقدّم، هل يصحّ الكلام على حداثة فنية مقدّسة تحاكي أنماط العصر؟ وهل تلتقي الروحانيّة القديمة مع حساسية الإنسان المعاصر؟
الفن المقدّس التقليديّ علّم الإيمان وطقوسيّاته، وفتح نوافذ استشراف الغيب، وحافظ على جوهر العقيدة من التحوير.
السؤال: هل الحداثة المقدّسة، إذا صحّ التعبير، تسعى إلى نوع من القداسة الجديدة؟
مع القرن العشرين، انكسرت جميع القوالب الكلاسيكيّة في فن الرسم، وصياغة الشعر، وطروحات المسرح، وأساليب السرد الروائي، وسواها. واتجه الإنسان إلى اعتماد الرمزيّة في أشكال الفنون، وتوسّع معنى الفن المقدّس ليشمل نواحي الحياة، وطرح الأسئلة الوجوديّة والماورائيّة وقلق المنشأ والمصير، وسواها من الأسئلة الفلسفيّة، وأكثرها بقي بلا أجوبة. ذلك أن الإنسان في سعيه الحثيث إلى المعرفة المطلقة والتعبير عنها بالأدوات والأشكال الموجودة، لا يزال أسير جاذبية الأرض بالرغم من ارتياده الفضاء واكتشاف المجرات!
يمكن القول، بالعودة إلى الأيقونة التاريخيّة وفكرة المعاصرة، أن العلاقة تبقى تكامليّة عبر جسر الحضارة الدائم الوجود الذي يجمع بين قداسة القديم وجرأة الحديث. وتبقى حقيقة ثابتة، أن الفن المقدّس عبر الأجيال، سطّر تاريخًا من عطش الإنسان إلى المطلق، إلى الله.
*معرض "كما في السماء كذلك على الأرض" - أيقونات من القدس - حتى 17 كانون الثاني 2026، في "دار النمر للفن والثقافة" - كليمنصو، بيروت.


