تقرر أن تكون أول زيارة خارج صرح الفاتيكان لأول بابا أميركي في التاريخ، البابا لاوون الرابع عشر، إلى تركيا ويليها لبنان. لهاتين المحطتين البابويتين أبعاد تاريخية ومدلولات سياسية لافتة. بالطبع مناسبة مرور 1700 سنة على انعقاد مجمع نيقيا الكنسي عام 325م، تحت إشراف الإمبراطور قسطنطين الذي كان قد اعتنق المسيحية قبل بضع سنوات، أنتج قانون الإيمان النيقوي - القسطنطيني الذي يردده المؤمنون المسيحيون كل يوم أحد حول العالم بصرف النظر عما إذا كانوا ينتمون إلى الكنائس البيزنطية والشرقية أم الغربية اللاتينية أو البروتستانتية. بنصّ لا يتعدى الـ 135 كلمة تقريبًا يلخص قانون الإيمان هذا جميع الأسس والمرتكزات اللاهوتية للإيمان المسيحي. وقد أُضيفت كلمة للنص الأصلي من قِبل الكنيسة الكاثوليكية بعد الانشقاق الكبير عام 1054م حول انبثاق الروح القدس. من غير المعقول التفكير بنقطة انطلاق أخرى نحو الوحدة لأي عمل مسكوني جاد وجامع بين الكنائس المسيحية على اختلاف تراثاتها من دون الرجوع إلى قانون الإيمان هذا والارتكاز عليه. لذلك تأتي زيارة البابا هذه إلى تركيا مناسبة لإحياء جهود الوحدة بين كنائس الشرق والغرب بالعودة إلى الأصول اللاهوتية المشتركة في العقيدة والتي استمرت بثباتها رغم الانشقاق طيلة 1700 سنة حتى يومنا هذا.
ويبدو أن بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية المسكوني بارثولوميو قد طلب من البابا لاوون التوسط لدى السلطات التركية لإعادة معهد اللاهوت الأرثوذكسي الشهير الموجود في جزيرة خالقي ببحر مرمرة قرب اسطنبول إلى الكنيسة البيزنطية بعد مصادرته عام 1971.
أما الزيارة البابوية للبنان بعد المحطة التركية فتأتي في فترة حرجة من تقلبات الأوضاع في البلد الصغير المتخبط باستمرار على الشاطئ الشرقي للمتوسط. يسأل البعض: لماذا لبنان؟ ليس لأن فيه عددًا كبيرًا من القديسين، ولا لأن عدد المسيحيين فيه ملفت بحجمه الديموغرافي. لطالما جذب لبنان عبر تاريخه اهتمام الفاتيكان بتعدديته المذهبية. ولكن الأهم بين مميزات لبنان كون مجتمعه المسيحي الأصيل والمتجذر بالأرض يتميز بحرياته الفردية والجماعية عن سائر المجتمعات المسيحية الموجودة في بلدان الشرق الأوسط الإسلامية. فبالرغم من اشتداد التحديات المتتالية عبر العصور والتي واجهت مسيحيي هذا الجبل والساحل، والتضحيات الجمَّة من دماء وموارد التي قدمها المسيحيون هنا بتصدّر رأس الحربة أي الموارنة، فقد صمدت الحريات واستمر الوجود الحر ولم يرزح هؤلاء المسيحيون تحت نير الذمية أو الانحدار إلى مواطنين من الدرجة الثانية في ديارهم بعكس باقي المجموعات المسيحية الشرق أوسطية. إن المنتظر من قِبل الفاتيكان ومن البابا لاوون الرابع عشر تحديدًا التشديد أولًا وآخرًا على الحرية، والتي هي مستقلة عن الدور أو الرسالة وشرط أساسي لهما، إذ إن الحرية الكيانية المجسّدة بالعيش كأحرار متأصّلة بصميم الكرامة البشرية المعطاة مباشرة من الخالق. فلا دور ولا رسالة بغياب الحريات الأساسية كحرية التعبير وحرية المعتقد والإيمان التي تشمل حرية تبديل القناعات الدينية أو تغير الدين بكل الاتجاهات، وتعترف الدولة اللبنانية منفردةً بهذه الحرية الأخيرة. الوجود الحر بالفعل يجسد كل هذه وسواها. "لبنان الرسالة" لا يتحقق بمجرّد عيش مجموعات غير متجانسة جنبًا إلى جنب فحسب، بل من خلال التركيز بدايةً على الحريات التي هي من صميم الطبيعة البشرية، وصيانتها وحمايتها وعيشها. فالاختبار التاريخي يعلّمنا أنه عندما تعيش مجموعات متفاوتة بمستويات الحرية مع بعضها البعض لمدة طويلة غالبًا ما تنتقل عدوى الحرية من الأكثر حريةً إلى الأقل. أما انعدام الحرية عند الجميع فلا يضمن ولادتها لدى أي فئة بشكل سحري أو محتم. فالحرية في آخر المطاف هي الأحرار الأحياء.
واذا كانت الحرية هي الشرط الأول والأساسي المبرِّر لقيام لبنان ووجوده، فإبعاد لبنان عن أي مؤثرات خارجية ظلامية مناهضة للحرية والليبرالية ومعادية لانفتاحه على الخارج، لا سيما على العالم الحر، هو السبيل الوحيد لحماية وصيانة حرياته. أفضل مسار لتأمين ذلك يكون من خلال الحياد الإيجابي المكرَّس إقليميًا ودوليًا، أي رسميًا. إن روما، عن لسان الحبر الأعظم بنفسه، مدعوة لاحتضان حياد لبنان علنًا وبصراحة. البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي تكلم مرارًا عن ضرورة إرساء الحياد كالنهج الأفضل للبنان مع جيرانه وأشقائه العرب وأصدقائه في الغرب والعالم. وكي لا يصبح الحياد المرجو رديفًا لحالة "فراغ القوة"، يجب على الدولة أن تحتكر بيدها كل سلاح غير شرعي إلى جانب الشرعي منه، وذلك بمساعدة أصدقاء لبنان الضامنين لحياده. اليوم حريات لبنان بخطر، لذا يطلب اللبنانيون من قداسة البابا لاوون استعمال اتصالاته الواسعة وتوجيه صلواته الحارة لتسليط الضوء على التهديدات المحدقة بهذه الحريات.
الوقت يداهم لبنان والمسؤولين فيه. ما سيقوله البابا في زيارته التاريخية بالغ الأهمية لكنه وحده غير كافٍ لتخليص لبنان. على المسؤولين في الدولة اللبنانية إظهار الشجاعة التاريخية والتحلي بالصدق الصارم والقيام بالخطوات العملانية المطلوبة للمباشرة بالرحلة الطويلة نحو النجاة والتعافي. فالهروب إلى الأمام، والتمادي في إضاعة الوقت وتفويت الفرص النادرة انتهى زمنهما. وبالطبع الإسراف بالتذاكي، والذي كلّفنا الكثير في الماضي، يُنبئ بالأسوأ إذا لم نتعظ. العالم كله معنا، لكن المأساة أنه يبدو أننا نحن لسنا مع أنفسنا.
أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية الأميركية (متقاعد)