الأب أثناسيوس شهوان

مجمع نيقية وألوهة المسيح

5 دقائق للقراءة
كنيسة الآباء القديسين (نيقية القديمة في إزنيك التركية)

منذ بداية وجود الإنسان، وهو يبحث عن سرّ الوجود والخالق، معبرًا عن هذا البحث من خلال النقوش والرسوم والعبادات المتنوعة، مقدّمًا الأضاحي والذبائح، ومناشِدًا بالكلمات، ومرتلًا بالأغاني، وراقصًا، مستخدمًا الموسيقى وأشكال التعبير الأخرى. ومع مرور الزمن، ظهرت تعدديّة الآلهة والفلسفات المختلفة، لكنها بدأت تدريجيًا تميل نحو إله أعلى كوني غير منظور، حيث يشبه الاتحاد به ذوبان نقطة ماء في محيط واسع.

في المقابل، جاءت النبوءات لتتحدث عن مجيء مخلّص إلهي، بدءًا بالوعد الذي أعطاه الرب للإنسان الأول عند سقوطه بالخطيئة، موجهًا كلامه إلى الحيّة، رمز الشيطان، كما ورد في سفر التكوين: "وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ" (تكوين 3: 15).

فالعبارة "يسحق رأسك" تشير إلى أن يسوع سيميت الموت على الصليب ويفجّر الجحيم بقيامته المجيدة، أما "تسحقين عقبه" فتعني أنه سيصلب، علمًا أن الرب جاء إلى الصليب طوعًا. واستمر الوعد من جيل إلى جيل، مرورًا بإبراهيم وإسحاق ويعقوب وكل الأنبياء. ومن أبرز النبوءات: "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ" (إشعياء 9: 6)

وبذلك كان يسوع المسيح المنتظر ومشتهى الأمم، واسم "يسوع" يعني: "الكائن – الله يخلّص". ولم تقتصر النبوءات على الشعب اليهودي، بل شملت الأمم أيضًا، كما يظهر مثلًا في مجيء المجوس من الشرق طلبًا ليسجدوا له.

بولس الرسول، الذي كان سابقًا فريسيًّا، أعاد قراءة النبوءات بعد أن هداه المسيح، فكتب مخاطبًا الجميع "وَأَمَّا الْمَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِهِ. لاَ يَقُولُ: «وَفِي الأَنْسَالِ» كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ: «وَفِي نَسْلِكَ» الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ" (غلاطية 3: 16).

بقي موضوع التجسّد الإلهي وصيرورة الخالق إنسانًا صعب القبول لدى البعض، واعتبر أن نزول الإله إلى مستوى الإنسان مستحيل، وعند البعض الآخر تشريكًا بين الألوهة والإنسانيّة. إلّا أن الإيمان المسيحي يرى في ذلك اتحادًا إلهيًا - بشريًا كاملًا في شخص الرب يسوع المسيح، دون اختلاط أو انقسام، مع التأكيد على الثالوث القدوس الواحد في الجوهر بين الآب والابن والروح القدس، والثلاثة إله واحد بلا فارق زمني في الوجود. كما أن الإنسان، مخلوق على صورة الله، ليس نجسًا، والله لا يمكن أن ينجّس لأنّه صاحب السلطان الأقوى وإلا أصبح الذي ينجّسه أقوى منه.

لم يتعظ أريوس من تحذيرات بطريركه، الذي عقد مجمعًا محليًّا في الإسكندرية حوالى عام 318م لتصحيح تعليمه، فطُرد من الكهنوت لكنه استمر في نشر هرطقته، رغم محاولات العديد من الأساقفة لتقويمه. وكثر أتباعه في أرجاء الكنيسة من أساقفة وكهنة، فكان لذلك انعقاد المجمع المسكوني الأول في نيقية عام 325م بعهد القديس قسطنطين الكبير.

من المهم جدًا أن نعرف أن المجمع لم يبتدع أي شيء جديد، بل أعلن الإيمان المستقيم الذي تسلّمه الرسل القديسون من الرب مباشرة، والمحفوظ في الكنيسة بواسطة الروح القدس. وقد نُظم في المجمع القسم الأول من دستور الإيمان، من "أؤمن بإله واحد" إلى "الروح القدس"، بينما نُظم القسم الثاني لاحقًا في المجمع المسكوني الثاني عام 381م.

حضر المجمع 318 أسقفًا من كل أنحاء الكنيسة، وأعلنوا حرمان تعليم أريوس، الذي ينكر ألوهة يسوع ويجعل منه وسيطًا بين الله والناس، ضاربًا بذلك جوهر الثالوث القدّوس. هذا يتعارض مع أقوال يسوع نفسه: "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يوحنا 10: 30)، الذي اعتبره اليهود تجديفًا مباشرًا مساويًّا نفسه بالله وأرادوا رجمه، وكذلك جوابه لقيافا عندما سأله: "أَأَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ الْمُبَارَكِ؟" فأجاب: "أَنَا هُوَ" (مرقس 14: 62).

تشير الآيات المذكورة وأخرى إلى ألوهيّة يسوع ووحدانيّته الجوهريّة مع الآب والروح القدس. وكلمة "ابن" لا تعني أن الله انجب أو تجوّز، بل تعني أن للابن الطبيعة الإلهية للآب (Homoousios)، لذلك، نقول عن يسوع إنه "مولود غير مخلوق"، أي أنه كان إلهًا موجودًا قبل التجسد، وظلّ إلهًا بعد التجسد، وبالتالي له طبيعة إلهية كاملة وطبيعة بشرية كاملة، متحدتان في شخصه الواحد.

تكمن خطورة تعليم أريوس في أنه ينكر ألوهة الرب يسوع المسيح، ويلغي الثالوث القدوس، وينسف محبّة الله اللامتناهية، ويهدم كل التدبير الإلهي الخلاصي للإنسان، لأن الإله تجسّد ليمنحنا النعمة الإلهيّة ويعلّمنا كيف نتأله بها. فالتجسّد هو تعبير عن فيض هذه المحبّة.

في الخلاصة، المسيحية ليست مجرد دين قائم على شرائع وقوانين، بل هي كشف إلهي يهدف إلى خلاص الإنسان ونيله الحياة الأبدية. وبدون التجسّد، لا وجود للمسيحية على الإطلاق. قد يكون أريوس أراد الدفاع عن وحدانية الله، لكنه قيّد محبّة الله بمنطق بشري محدود، مقيّدًا قدرة الخالق بمحدوديّة المخلوق، متكبّرًا ومتعنتًا، ولم يرتفع ويمتد إلى مشروع الله الخلاصي، بل حاول فرض آرائه الشخصية عليه.

فلو سألنا: من يستطيع أن يمنع الله من أن يتجسّد؟ الجواب: لا أحد. وماذا كانت لتكون محبّة الله لنا لو لم يتحد بنا؟ لا شيء. وعلى أي حبّ إلهي كنا سنتكلّم لو لم يتجسّد الله؟ لا كلام.

الاعتراف بألوهة يسوع وفهم التجسّد الإلهي يكونان بتلقف محبّة الرب لنا، لأن الله أبٌ محبّ، ومجيئه إلينا هو أسمى تعبير عن هذه المحبّة، التي تقترب من الإنسان وتتحد به لتمنحه الخلاص والحياة الأبديّة. إلى الرب نطلب.