"حكايةُ واقعٍ... سيكون" عنوان الإصدار الجديد الذي أطلقته أخيرًا الكاتبة الدكتورة ندى أحمد جابر، والذي يفتح أفقًا جديدًا في المشهد الروائيّ العربيّ، كتجربة فكرية وسرديّة تمزج بين الخيال العلميّ والواقع الإنسانيّ. الرواية الصادرة عن "الدار العربية للعلوم ناشرون"، تأخذ الكاتبة من خلالها القرّاء، في رحلةٍ تخيّلية تمتدّ إلى العام 2225، أي إلى ما بعد 200 سنة من اليوم، لتطرح تساؤلًا جوهريًا: كيف سيكون العالم عندما تتحقق نبوءات العلماء وتصبح التنبّؤات العلميّة واقعًا معاشًا؟
تنسج الكاتبة ندى أحمد جابر في نصّها عالمًا مستقبليًا نابضًا بالحياة، لا يقوم على الفانتازيا أو الخيال الجامح، بل على خيالٍ علميّ قريب من الواقع، مستند إلى ما توصّل إليه العلماء فعلًا وما يُتوقع حدوثه خلال العقود المقبلة. تقول جابر في هذا السياق إن الفكرة الأساسية التي تحاول تسليط الضوء عليها هي كيف سيكون العالم بعد أن يتحقق ما يتنبّأ به العلماء. ومن خلال هذا التصوّر، تسعى المؤلِّفة إلى رصد التحوّلات الكبرى في حياة الإنسان بعد قرنَين من الزمن، حين تغدو التكنولوجيا جزءًا لا ينفصل من الوعي الإنساني ذاته، ويتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى شريك في التفكير واتخاذ القرار، لا مجرّد أداة مساعدة.
من البحث العلمي إلى الرواية
تؤكّد الدكتورة ندى أحمد جابر في حديثها إلى "نداء الوطن" أن روايتها الجديدة "حكايةُ واقعٍ... سيكون"، تُعتبر نقلة نوعيّة في مسيرتها الفكرية، إذ تختلف جذريًا عن مؤلَّفاتها السابقة التي حملت طابعًا بحثيًا وأكاديميًا صرفًا.
فبعد مسارٍ طويل في البحث العلمي، وضعت جابر مؤلّفات أكاديميّة لاقت انتشارًا واسعًا، مثل "الإعلام الدولي والتواصل الثقافي" الذي يُعدّ من أبرز المراجع في الدراسات الإعلامية العربية، إذ يتناول الإعلام الموجّه للمنطقة العربية ويحلّل أدواته ومنهجه في مخاطبة الجمهور، كما يناقش دور الإعلام في بناء الجسور الثقافية بين الشعوب في ظلّ العولمة والاتصال الكونيّ، وقد اعتُمد الكتاب في عدد من الجامعات العربية.
أما كتابها "في قرية ماكلوهان"، فهو عمل فكريّ نقديّ يستعيد مفهوم "القرية الكونية"، حيث تدرس جابر أثر التحوّلات الرقميّة والتكنولوجيّة على الهوية الثقافية وطرق التواصل في العالم الحديث، في مقاربة تجمع بين العمق النظري والرؤية النقدية للواقع الإعلامي الجديد.
في عملها الجديد، اختارت جابر كسر القوالب البحثية الصارمة لخوض تجربة روائية مختلفة. فإذ بها تستبدل الأرقام والمفاهيم بالشخصيات والأقدار، لتصوغ عالمًا متخيّلًا يقوم على حقائق علميّة ومرتكزات إنسانية، في مزيجٍ يُثير الدهشة والتأمّل في آنٍ معًا. وتتبدّى في رواية "حكايةُ واقعٍ... سيكون"، روح الخلق بعد التحليل، إذ تتحوّل الكاتبة من باحثةٍ تلاحق التطوّر العلمي إلى روائيةٍ تمنح هذا التطوّر وجوهًا ومصائر، وتمنح القارئ تجربة فكرية وعاطفية غنيّة. وكأنها تقول من خلال عملها إن المعرفة لا تكتمل بالبحث وحده، بل بالخيال الذي يمنحها الحياة.
الإلهام بين الغيب والعلم
عن ولادة فكرة الرواية، تكشف جابر أنها خُلقت من شرارةٍ فكريّة جمعت بين البحث العلمي والتأمُّل الفلسفيّ. فخلال إعدادها دراسة حول الذكاء الاصطناعي والتطوّر التكنولوجي، انفتحت أمامها أسئلة عميقة عن مصير الإنسان في عالمٍ تحكمه الخوارزميات، وبدأ الخيال ينسج خيوطه الأولى: ماذا لو انزلقت باحثةٌ، بخطأٍ زمني، إلى عالم الميتافيرس؟ وماذا لو وجدت نفسها في العام 2225، تعيش بين أناسٍ من المستقبل، وتكتشف أن ما كان يُتنبّأ به صار واقعًا ملموسًا؟
من هنا، وُلدت الرواية مازجةً بين العلم والخيال، بين الواقع الممكن واللامرئيّ الغامض، لتُقدّم تجربةً قرائيّة مدهشة ومختلفة، تُلامس أسئلة الوجود والقدر.
وفي عمق العمل، ينبض تأمُّلٌ فلسفيّ مستوحى من مقولةٍ للدكتور مصطفى محمود: "كلّ غيب هو ماضٍ عند اللّه". هذه الفكرة، التي ترى أن ما لم يحدث بعد هو في علم الله ماضٍ مكتمل، تتحوّل في الرواية إلى خيطٍ خفيّ يربط بين الغيب والعلم، وبين الإيمان والمعرفة، لتُتوَّج النهاية بمفاجأةٍ رمزيّة تؤكّد أن المستقبل — مهما بدا بعيدًا — قد كُتب سلفًا في مسوّدة الخلق.
لغة شفافة وطرح عميق
اعتمدت ندى أحمد جابر في كتابها، على لغةٍ تنبض بالصفاء والدقة، تجمع بين البساطة والعمق، وبين الدهشة الفكرية واللمسة الإنسانية. لم تستسلم لإغراء الفانتازيا أو الغرائبية، بل تمسّكت بخيطٍ واقعيّ متين يشدّ الخيال إلى أرض المعرفة، لتصوغ نصًّا يوازن بين جمال السّرد وإيقاع الفكرة.
اللغة في الرواية ليست مجرّد وسيلة للتعبير، بل هي كائنٌ حيّ يعكس تطوّر الوعي البشري في عالمٍ متحوّل، يختلط فيه الحقيقي بالافتراضي. بعَين الباحثة وحسّ الروائية، تنسج الكاتبة عالمًا سرديًّا يفيض بالصُّور والمَشاهد المشوّقة، لكنّه يستند إلى منطقٍ علميّ ومعرفيّ راسخ، يمنح النص مصداقيّة فكرية نادرة في أدب الخيال العلمي العربي.
تقدّم الكاتبة أسلوبًا سرديًا شفافًا، يقترب من القارئ من دون أن يتنازل عن عمقه، فيدعوه إلى التفكير بقدر ما يأخذه إلى الحلم. وبهذا المزج المرهف بين الخيال والعلم، والفلسفة والعاطفة، تُعيد ندى جابر للرواية العربية روحها المعاصرة، وتؤكّد أن الخيال العلميّ يمكن أن يكون نافذة للتأمّل الإنساني، لا مجرّد رحلة في المجهول.
تترك رواية "حكايةُ واقعٍ... سيكون" للكاتبة ندى أحمد جابر، بصمة فريدة في أدب الخيال العلمي العربي، إذ لا تكتفي برسم مستقبل محتمل، بل تحوّل القارئ إلى شاهد على صراع الإنسان مع ذاته ومع تحوّلات العالم من حوله. هي دعوة للتأمل في أثر العلم على الحياة، ولإعادة النظر في القيم والقرارات التي تشكّل مستقبلنا، مع تذكير رقيق بأن الخيال حين يستند إلى المعرفة والوعي، قادر على فتح أبواب الفهم والإحساس بما هو قادم، قبل أن يصبح حاضرًا حقيقيًا.

