رمزي ديشوم

حزب الله واللعنة العائدة

3 دقائق للقراءة

منذ تحرير الجنوب اللبناني في الخامس والعشرين من شهر أيار سنة 2000 كانت أمام "حزب الله" واحدة من ثلاث معادلات:

الأولى: أن يسلم سلاحه للدولة، وأن ينخرط فيها، في جميع مؤسساتها، انخراطاً شرعياً، يجعله واحداً من أركانها "الشرعيين"، قسيماً لحركة أمل، أو بديلاً عنها.

الثانية: أن يفتح هوامش جديدة لحركته، وأن يختلق شرعية أوسع، كأن يقول: كنت أقاتل دفاعاً عن لبنان، والآن أقاتل دفاعاً عن القدس (مثلاً)، نعم ستكون شرعية مرفوضة دولياً، محبوبة جماهرياً، وعندها سيكون الحزب مطلوباً دولياً.

الثالثة: أن يجعل لبنان السلطة والدولة سلطة ودولة "مقاومة"، بأن يحكم الدولة اللبنانية بمؤسساتها التشريعة والتنفيذية والقضائية بأغلبية كبيرة، ولم يكن أمامه إلا أن يرتقي ب"حلفائه" من جميع الطوائف من مرتبة التبيع إلى مرتبة الشريك، وعندها سيكون لبنان السلطة والدولة مرفوضاً دولياً...

يلعب "حزب الله" منذ التحرير إلى يومنا هذا ويلاعب الدولة اللبنانية بين هذه المعادلات الثلاثة:

- فهو منخرط في الدولة: يمتلك كتلة برلمانية وازنة، بل كانت في الدوررات السابقة الكتلة الغالبة، وحصة وزارية واضحة، وكانت في الحكومات السابقة الحصة الضامنة... وليس منخرطاً فيها: يعطل البرلمان متى ما شاء، ويسقط الحكومة متى ما شاء، ويعطل الحياة العامة وحتى الخاصة متى ما شاء.

- وهو يرسم الهوامش لحركته ويمحوها متى ما شاء، يعلن انضباطه بالمعادلة اللبنانية وخروجه عنها في نفس الخطاب، ويضع الحدود اللبنانية لحركته ويتخطاها في نفس الزمان، ويقدس الصيغة اللبنانية ويلعنها في نفس الصلاة.

- وهو "يشارك" بعض اللبنانيين في الوجود العسكري، وفي الحضور البرلماني والوزاري والقضائي، ولا يشاركهم، حيث ينتخب لشركاء السلاح من كل طائفة أراذلها، لا أفاضلها، ويرشح للبرلمان والوزارة من كل طائفة منبوذيها، لا ممثليها، ليستولي بهم على المزيد من مراكز الدولة ودوائرها، ليكونوا أدواته "غير الطائفية" في مشروعه الطائفي.

فهل ما زالت أمام "حزب الله" بعد معركة الإسناد وما نتج عنها من تداعيات محلية وإقليمية هذه الهوامش للمناورة؟

لا شكّ أنّ الهوامش كلها قد ضاقت عليه، مجتمعة فبكل تأكيد، ومفرقة لم يبق له منها إلا تسليمه السلاح وانخراطه المدني السلمي، لا العسكري الأمني، في الدولة، هذا هو الهامش الوحيد المتاح أمامه اليوم، ولكن بفارق كبير بينه اليوم وبين ما قبل حرب الإسناد، أن انخراطه هذا سوف يكون بشروط الدولة والمجتمع الدولي، وليس بشروطه هو، كما لو أنّه فعل بعد تحرير الألفين. ولا داعي أبداً لأن نذكر بالذي تغير بين هاتين الفترتين...

الخسارة الكبرى التي مني بها لبنان جراء تقافز "حزب الله" على هذه الهوامش الثلاثة أنّ لبنان الدولة والسيادة والاستقلال الذي كان رهيناً بيد الحزب للمشروع الإيراني سوف يصبح اليوم بتعنت الحزب رهيناً للمشروع الإسرائيلي، خاصّة بعدما ألقيت إلى الحزب حبال النجاة عشرات المرات من قبل المجتمع العربي والدولي فرفضها كلها، بل ساوى في خطابه السياسي والتعبوي بين إسرائيل الدولة العدوة وبين السعودية(مثلاً) الدولة العربية وماهى بينهما، ليجد نفسه أخيراً بين خيارين انتحاريين: الانتحار في قتال إسرائيل، أو الانتحار في الاستسلام لها.

من منظور ديني ترجع اللعنة على صاحبها إذا لم يكن الملعون مستحقاً لها، فهل أكثر "حزب الله" من لعن غير المستحقين؟؟؟

كاتب ومؤلف لبناني