يقف كتاب "البحث عن اليقين" لأنطوان بديع مظلوم، على حافة الوجع الإنساني حين يبلغ أقصاه، حيث تتكسّر اليقينات أمام صمت السماء، ويتحوّل الإيمان من طمأنينةٍ إلى ساحة صراع. في هذه السيرة الفلسفيّة الصادرة عن "دار سائر المشرق"، لا يُروى الألم كحدثٍ عابر، بل كزلزالٍ يضرب الروح فيسقط كلّ ما شُيّد فيها من صورٍ عن العدل والرحمة والمعنى. إنه اعترافٌ مرّ، واحتجاجٌ صريح، وصوت إنسان يبحث في الخراب عن الله، أو عن سببٍ واحد يبرّر استمرار الحياة وسط الفقد. هذا النص رحلة مواجهة مع الجرح، ومع السؤال الذي لا يهدأ: لماذا يصمت الله حين نصرخ؟.
تنشر "نداء الوطن" فصلًا من هذا الإصدار بعنوان "حين صمَتَ الله".
رفعتُ صلواتي إليه… صرختُ حتى بُحَّ صوتي. صلّيتُ كما لم أفعل يومًا. لم أطلب شيئًا منه لنفسي. لم أساومه، ولم أمارس الابتزاز عليه. كنتُ فقط أركع، وأبكي، وأتوسّل إليه… من أجل أخي. طلبت منه أن يراه، وأن يمدّ يده إليه، وأن يُعيد إليه النَفَس، الحركة، الرجفة، الضوء في عينَيه. لكنه كان صامتًا. لم يكلّمني. لم يُعطِني علامة. لم يفتح لي نافذة صغيرة من رجاء. لم يرسل ملاكًا، أو حُلمًا، أو حتى حفنة أمل أتشبّث بها. وللحظةٍ، أحسستُ أن الله وحده، ربّما، لم يعد يكفيني؛ فناديتُ قدّيسيه جميعًا، واحدًا واحدًا، كما لو أنني أُقيمُ محكمةً سماويةً واستدعي الشهود. توسّلت إليهم أن ينزلوا، وأن يضعوا يدهم على جراحِ أخي، وأن يوقفوا نزيفه كما في حكايات المعجزات التي رافقت طفولتي؛ لكن شيئًا لم يحدث. كأن أبواب السماء كانت مُغلقة بإحكام، أو كأنها كانت تشاهد، بصمت مريب، فيلمًا لا تنوي التدخلَ في نهايته.
إنّه الصمتُ المدوّي. من هذا الصمت، بدأ كلّ شيء فيّ يتغيّر. فقد تشكلت مفاهيمي على فكرة أن الله يُصغي، ويسمع أنين الأمّ، ويرتجف لصوت الصلاة، ويهرع لنجدة مَن يرفع إليه يدَيه. لكن، حين رفعتُ يديَّ، لم يستجب؛ فكان الصمت. راودتني أسئلة كثيرة: هل كان مشغولًا بصلواتٍ أُخرى؟ هل هو موجود معي أصلًا؟ هل سَمِعَني وتجاهَلني؟ أم أنني لم أكن مهمًا، بالنسبة إليه، بما يكفي ليستجيب لي؟
لم أعد أفهم شيئًا. ولا عدتُ أرغب في أن أفهم أيّ شيء عنه. لماذا أُصلّي لإلهٍ لا يجيب؟ هل نعبده لأنه حقًا موجود، أم لأننا نخاف أن لا نعبدُهُ؟
كنت كطفلٍ ضائع في صحراءٍ لاهبة، ينادي أباه، لكن صدى صوته يعود إليه. هو الله، تربّيتُ على حضوره، والآن أشكّ في وجوده. قد أجدهُ يومًا، ولكن، هل بالطيبة والقوّة التي أخبرتني أمّي عنهما فيه؟ هل هو فعلًا يعرف ما يجري من حولي، وفي المستشفيات؟ في غرف العناية، وفي جنازات الصغار، وفي أعين الأمّهات التي لا تجفّ من دموعها، محدّقة في السماء من دون ردّ؟ هل كان يجب أن يُذبحَ الطفل في داخلي لكي أتعلّم الحكمة؟ هل كانت دماء أخي ثمنًا ضروريًا لدرسٍ في الإيمان؟
صمتُه كان أعلى من كلّ جلبة، وأقسى من كلّ أنواع عدم الاستجابة، وأبرد من كلّ موت. من هذا الصمت، بدأتْ رحلة أخرى: رحلة الضياع الروحي، والشكّ، والتمرّد، والصراع؛ رحلة كسر الإيمان، والبحث عن إلهٍ جديد، أو نكران للإله القديم في أعماقي. صرتُ رجلَ الأسئلة، التي ليس لها إجابات شافية ومنقذة لضياعي. صرتُ رجلًا منافقًا أدّعي وجوده أمام مَن يؤمن بوجودهِ. لكنني أخفيها أحيانًا… وفي داخلي… كنتُ أصرخ:
– أين كنتَ، يا الله، حين ارتجّت الأرض من تحت أقدامنا؟ أين كنتَ، حين انطفأت عينا إلياس ولم أستطع أن أمدّهُ بعينَيّ؟ أين كنتَ، حين وضعتُ يدي على قلبه أرجوك أن تترك فيه نبضًا واحدًا؟ لماذا لم تفعل شيئًا؟ لماذا بدا وجهك بعيدًا، وغائبًا عن المشهد؟ لماذا جعلتَ السماء تسمع ولا تُجيب؟ لماذا سكبتَ الألم في قلبي حتى آخر قطرة؟ لماذا أخذت إلياس؟ لماذا تركتني أنا؟ ماذا كنتَ تفعل حين مات؟
صمتك، يا الله، هو ما جعلني أتكلّم، لأوّل مرّة، لا بصوت المؤمن، بل بصوت المجروح الذي لم يجد مَن يضمّده. هل كنتَ معه على سُلّم الموت؟ لم ألمحك في وجه الطبيب؟ ولا في نبضات قلوبنا، ولا في نظرة أمّي حين كانت تُصلّي لك، وتنتظر شيئًا لم يأتِ. ظننتُ أنك معنا في مكانٍ ما أعلى، وأقرب إلينا من السكوت.
قل لي، يا غفورُ يا رحيمُ، لماذا نولد؟ ولماذا نموت؟ وما الذي يجعل هذه الحياة تستحق أن تُعاش إذا كانت نهايتها هكذا، دون موعد، دون معنى، دون عدالة؟ هل كان لأخي أن يُقتل خطأً برصاص العائلة؟ أهذا هو عدلك؟ أهذا هو تدبيرك؟ هل تمزح السماء معنا؟ هل هذه الحياة مجرّد تجربة قاسية لتسلية الآلهة؟ لماذا نُعطى أملًا، ثمّ يُسحب مِنا كأنه الوهم؟ هل المعجزة مجرّد فخ؟ هل الحبّ نفسه صار امتحانًا؟ لماذا نُطالب بالإيمان، ولا يُعطى لنا إلّا الصمت؟ لماذا أنت غير عادل، أو غير موجود، أو غير مبالٍ؟
أيّها الذي يسمّونك "إله"، إن كنت موجودًا، فأجبني ليس ككونكَ إلهي، بل كخصمٍ يحترم وجعي. هل تراني؟ هل تسمعني الآن، وأنا أكتب عنك، لا كمتديّن بل كمنكسر؟
لقد هدمتني، وهدمتَ، في داخلي، كلّ الصور التي رسمَتها الطقوس. لم تعد صلاتي صلاة؛ صارت محاكمة، وأنا القاضي، والشاهد، والضحيّة.
أريد أن أصدّق أنك موجود، لكن كلّ ما حولي يقول العكس. أهذه يدك، أو إرادتك، حين يتوقف قلب شاب في الثانية والعشرين؟ أهذا وجهك حين تبكي أمّ ابنها أمام تمثال العذراء، وتعود إلى البيت وحدها؟ أهذا وعدك أن تسكت حين نصرخ، أن تغيب حين نحترق، أن تراقبنا من بعيد دون أن تُجيب؟ إن كنتَ محبّة، فأين كانت هذه المحبّة؟ وإن كنتَ حريّة، فلماذا كلّ هذا القيد؟ وإن كنتَ نورًا، فلماذا هذا الظلام؟ لقد تعبتُ من الإيمان الذي لا يجيب، ومن كتبٍ مقدّسة لا تمسّ جُرحي، ومن تعزيات لا توقف الموت، ومن صلواتٍ تموت واقفة.
يا مَن يُدعى الله، إن كنتَ حقًا هناك فأجب، أو اُصمت إلى الأبد، لكن لا تطلب مني أن أؤمن دون أن أصرخ. لن أسكت بعد اليوم. لن أُصلّي لك صلاة شكر. لن أُبارك اسمك كما يريدونني أن أفعل، بل سأصرخ، سأكتب، سأبقى ألعنكَ في كتبي حتى أراك وجهًا لوجه. وإن كان لا بدّ أن نلتقي يوم الدينونة، فلن أركع، بل سأقف وأضع كلّ أسئلتي أمامك - سؤالًا بعد سؤال - حتى تُجيب، أو حتى تعترف أنك تركتني وحيدًا في منتصف الجحيم. لن أستسلم لصمتكَ، ولن أختبئ خلف صلاة أو صرخة. سأبقى واقفًا، متحدِّيًا، حتى تعرف أن الإنسان يمكن أن يصرخ في وجه الله نفسه، وأن قلبه يرفض أن يقبل الظلّ بدل النور.
رحل إلياس، لكنك لم تنقذهُ من الغيبوبة. لم ترحم أمّي بعد غزارة صلواتها إليك، ولم تستجب لي بعد مناجاتي لك في العتمة. أخي لم يعد موجودًا، وأنا لا أجد سببًا واحدًا وجيهًا لفقدانه. أيّ معنى يمكن أن أعلّقه على غيابه؟ أيّ حكمة تُقال لأخٍ يرى أخاه يُنتزع منه، كما يُسحب الحلم من يد نائمٍ بائس؟
تقولون لنا: "كلّ شيء لخير الذينَ يحبّون الله." فهل موت إلياس كان "خيرًا"؟ هل انهيارنا، وتمزق قلب أمّي، وغربتي في ذاتي، كانت ضمن "الخطّة"؟ أيّ إله ذاك الذي يخطّط للدموع؟ أيّ إله ذاك الذي يُدرّبنا على الموت باسم الحبّ؟ أنا لا أفهم هذا الوجود، ولا أصدّق أن فيه منطقًا. وأسأل بتمرّد صريح: لماذا نولد إن كنا سنفقد من نحبّهم فجأة؟ لماذا نحبّ إن كان الحُبّ يُذبح دائمًا في النهاية؟ لماذا نصبر، ونصلّي، ونؤمن، إذا كانت النهاية مكتوبة سلفًا، وغير قابلة للتعديل؟ هل هذه الحياة امتحان؟ وما ذنبنا إن لم نطلب نحن أن نولد؟ مَن طلب هذا الألم؟ مَن وقع على هذه التجربة؟ مَن قال إن هذا العالم صالح؟ وما معنى الإله، إن كان لا يمنع الرصاصة، ولا يوقف النزيف، ولا يُعيد الراحل؟
قل لي، أيّها الغائب: لماذا خلقتنا؟ لنتألّم؟ لنفقد؟ لنبكي؟ لنكبر، ثمّ نموت؟ ما هذه المسرحية الثقيلة التي لا أحد يضحك فيها؟ ولماذا تصرّ على الصمت؟ أم أنك لا تصمت بل غير موجود من الأصل؟
أنا لا أريد أن أُومن فقط، بل أُريد أن أفهم. وما دمتَ ترفض أن تُفهِمني، فدعني أرفض أن أُحبّك. هذا ليس إلحادًا، بل احتجاجٌ وجوديّ على إلهٍ لا يصغي، وعلى كونٍ لا يعوّض، وعلى حياةٍ لا تعتذر.
