المحامي إميل عون

قراءة قانونية لاتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024

11 دقيقة للقراءة

قراءة قانونية لاتفاق وقف إطلاق النار (لبنان - "حزب الله" - إسرائيل) 27 تشرين الثاني 2024.

شهد جنوب لبنان بين 2023 و 2024 مواجهة عسكرية دامية بين إسرائيل و"حزب الله"، انتهت بتفاهم واتفاق لوقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 (أي منذ سنة)، بوساطة أميركية وفرنسية. الاتفاق (1)  ليس "معاهدة دولية" رسمية بين دولتين لبنان وإسرائيل، وبالتالي ليس هناك "اتفاق سلام" بينهما، بل هدنة ووقف إطلاق نار بين إسرائيل و"حزب الله" تحديدً"وبشكل غير مباشر مع الدولة اللبنانية. الاتفاق متعدد الأطراف، غير معلن رسميً" بشكل كامل، لكنه يرتكز قانونيًا على القرار 1701 الصادر عن مجلس الامن، ويلزم الدولة اللبنانية والجيش اللبناني و"حزب الله" وإسرائيل ضمن إطار قانوني وواقعي معقد جدًا. نعالج باختصار أربع نقاط تتعلق بطبيعة الاتفاق، بعض التزامات الاطراف، العلاقة مع القرار 1701 ومسألة جغرافية تسليم سلاح "حزب الله".

أولا"، الطبيعة القانونية للاتفاق المذكور.

باختصار، الاتفاق ليس معاهدة دولية بحسب قانون المعاهدات، لأنه وفق اتفاق فيينا لسنة 1969، تتطلب المعاهدة طرفين دوليين (2)، و"حزب الله" ليس دولة، بل جهة مسلحة غير حكومية (3)، ولبنان كدولة لم يوقع رسميًا مع إسرائيل نظرًا لحالة الحرب القائمة ولعدم اعترافه بها كدولة. لذلك، يمكن أن يسمى هذا الاتفاق بـ"اتفاق هدنة" أو "تفاهم أمني" (4)  مرتكز بشكل أساسي على قرار مجلس الامن 1701، أي ما يوصف باتفاق ذات ترتيبات أمنية تنفيذية (5). وهذا النوع من اتفاقات وقف إطلاق النار العرفية معروف في الاجتهاد الدولي (6)، ويكتسب قوة قانونية من مجرد الإعلان والقبول المتبادل. كما سبق وأشرت، يتصل الاتفاق المذكور بتطبيق القرار 1701، لذلك يدخل تلقائيًا تحت مظلة القانون الدولي وواجبات لبنان كدولة عضو في الأمم المتحدة. أما بالنسبة لـ"حزب الله"، فإنه واقعيًا ليس ببساطة ميليشيا محلية، بل لاعب إقليمي مع موارد كبيرة وتنفيذ تفكيك بنيته التحتية يؤثر جوهريًا على كينونته واستقراره وكفاءته، وقد يرفض أو يساوم أو يهادن على التنفيذ الكامل (7). ولكن هو ملزم واقعيًا وسياسيًا لأنه طرف فعلي في النزاع، والدول الوسيطة كالولايات المتحدة الاميركية وفرنسا قد ضمنت التزامه. برأينا، يستند الاتفاق قانونيًا إلى ثلاثة مصادر متوازية، وليس فقط الى ميثاق الأمم المتحدة، بمعنى أن القرار 1701 يشكل الاطار الأساسي الملزم لكنه ليس المصدر الوحيد، فوقف اطلاق النار ذاته ليس هو القرار 1701، بل اتفاق لاحق ينفذ ضمن سقف القرار المذكور. أما المصدر الثاني، فيتجلى بكون الأساس القانوني المباشر لوقف اطلاق النار هو مضمون المادة 3 المشتركة من اتفاقيات جنيف 1949 "... يجوز لأطراف النزاع إبرام اتفاقات خاصة ..." وهو النص الذي يعطي الشرعية القانونية والصيغة الملزمة للطرفين وامكانية إشراك جهة مسلحة غير حكومية كـ"حزب الله"، وبالتالي يستند الاتفاق قانونيًا أيضًا الى اتفاقيات جنيف. أضف مصدرًا ثالثًا ألا وهو قواعد القانون العرفي الدولي التي تنظم على سبيل المثال وقف الأعمال العدائية والالتزام بوقف اطلاق النار وحماية المدنيين أثناء وقف النار، وهذه الأعراف ملزمة حتى لو لم تذكر صراحة" في الاتفاق.

ثانيًا، في بعض التزمات الفرقاء.

بحسب الاتفاق، "حزب الله" ملزم لأنه طرف فعلي في النزاع، والدول الوسيطة، أي الولايات المتحدة وفرنسا، ضمنت التزامه، والدولة اللبنانية التزمت أيضًا ببسط سلطتها جنوب الليطاني ونشر الجيش اللبناني. وهذا ما يجعل الاتفاق قابلًا للتنفيذ حتى لو لم يكن معاهدة، لأنه يرتبط بالتزامات لبنان الدولية. تلتزم إسرائيل بوقف الهجمات البرية والجوية والبحرية في لبنان (وهذا لم يحصل) (8)، ويتوقف "حزب الله" عن إطلاق الصواريخ والعمليات عبر الحدود. وهذا البند القانوني الكلاسيكي ليس بجديد من الناحية النظرية في اتفاقات وقف إطلاق النار، وبالتالي لا ينهي حالة العداء بين الفرقاء المتقاتلين ولكنه يقوم فقط بتجميدها. على اسرائيل أيضًا أن تنسحب من المواقع التي احتلتها خلال الحرب، والانسحاب واجب بموجب اتفاق وقف النار وبموجب القانون الدولي الإنساني، بمعنى عدم جواز ضم أو احتلال أي مناطق جديدة. من ناحية الدولة اللبنانية، تلتزم بانفاذ سيادتها عبر الجيش اللبناني حصرًا، وهذا يتفق داخليًا مع ما ينص عليه الدستور اللبناني في المادة 65 منه، أي بمعنى أن السلطة التنفيذية هي مسؤولة عن الأمن ولا يحق قانونًا لأي جهة غير الدولة حمل السلاح، وبالتالي ينسجم هذا البند مع واجبات الدولة اللبنانية، لكنه يصطدم بالواقع السياسي والعسكري الداخلي، وتحديدًا واقع قدرة الدولة اللبنانية على انفاذ خطوة حصر السلاح بقواتها الشرعية بشكل فعلي وليس ظاهري. أما بالنسبة لأهم بند قانوني في الاتفاق، فيتصل بموضوع تفكيك البنى العسكرية لـ"حزب الله" جنوب الليطاني وهو يتوافق كليًا مع مضمون القرار 1701 الذي يفرض منطقة خالية من "أي سلاح غير سلاح الدولة اللبنانية" ويتطلب التنفيذ على الأرض اجراءات متعددة كتفكيك مواقع، مخازن، منصات، أنفاق، مراكز مراقبة… أما المشكلة، فهي تكمن في عدم وجود نص واضح يحدد آليات التحقق والجهة أو الجهات المولجة بالمراقبة والتفتيش والملاحقة، أهي الدولة أم اليونيفيل أم لجنة دولية خاصة، مما يجعل البند المذكور ذات طابع نظري أكثر منه عملي. أما بالنسبة لموضوع حق الدفاع عن النفس، فهذا البند خطير جدًا على المستوى القانوني لأنه يعطي إسرائيل و"حزب الله" إمكانية الرد عسكريًا على "الانتهاكات"، والمشكلة كل المشكلة التي تطرح هنا هي في تحديد ماذا يعتبر انتهاكًا، فهل التحليق الجوي مثلاً يعد انتهاكًا ومن هي الجهة المولجة في تحديد ما هو انتهاك أم لا. وبالتالي فإن غياب المعايير الموضوعية هنا يبيّن مدى هشاشة الاتفاق وخطر انهياره عند حدوث أي طارئ.

ثالثا"، العلاقة بين القرار 1701 والاتفاق بالنسبة لنزع سلاح كل المجموعات المسلحة غير الحكومية.

بدايةً، من الضروري الاشارة بشكل عام الى أن الديباجة (أو المقدمة) في الاتفاقيات ليست ذات طابع ملزم مثل المواد اللاحقة التي تأتي في متن الاتفاقية، لكنها تستخدم لتفسير المضمون الملزم عند الحاجة (9). وفي قراءة موضوعية ومباشرة لديباجة اتفاق وقف إطلاق النار، والاشارة فيه الى القرار 1701، ان مبدأ نزع سلاح كل المجموعات المسلحة غير الحكومية يسري على كامل الأراضي اللبنانية وليس فقط على جنوب الليطاني، لأن هذا الالتزام موجود في القرار 1701 ذاته، ومما لا شك فيه أن اطار القرار (10) 1701 أكثر شمولًا من اطار الاتفاق 2024. في نفس الوقت، لا يتضمن صراحةً متن الاتفاق مسألة نزع سلاح "حزب الله" خارج الجنوب لكنه عندما يحيل إلى القرار 1701، فإن الإحالة (11) تذكر بأن نزع السلاح التزام مفروض على الدولة اللبنانية وفق القانون الدولي على كامل أراضيها. وعندما يشير اتفاق وقف النار في ديباجته إلى القرار 1701، فهذا يعني أنه يربط الاتفاق بالإطار الأشمل الذي يغطي كامل الأراضي اللبنانية، لكن الاتفاق ذاته يفرض ترتيبات تنفيذية متعلقة بالجنوب فقط، ولا يفرض عمليًا نزع سلاح "حزب الله" خارج الجنوب.

رابعا"، يطرح السؤال الأكثر أهمية: بحسب الاتفاق، هل على "حزب الله" تسليم سلاحه فقط في جنوب الليطاني؟

من خلال قراءة نص الاتفاق وتحليل المصادر، الجواب ليس واضحًا، وهناك تفسيرات مختلفة، لكن هناك دلائل قوية على أن الاتفاق ينص على نزع سلاح "حزب الله" بدءًا من منطقة جنوب الليطاني ولكنه لا يشير الى تفاصيل المرحلة اللاحقة المتعلقة بنزع سلاحه كله في كل لبنان. لنعد الى ما ورد في نص الاتفاق: ينص الاتفاق (12)  على أن "القوى العسكرية الرسمية اللبنانية… هي وحدها المسموح لها بحمل السلاح في منطقة جنوب الليطاني" (13). كما ينص الاتفاق أيضًا على أن الحكومة اللبنانية ستقوم بـتفكيك البنية التحتية غير المصرح بها لصناعة الأسلحة داخل لبنان، وتحديدًا "بدءًا من منطقة جنوب الليطاني… تفكيك جميع المرافق غير المصرح بها، ومصادرة الأسلحة غير المصرح بها". ينص بند 6 على "تنظيم ومنع إعادة تسليح الجماعات غير الدولة" من خلال سيطرة الدولة على مبيعات الأسلحة والإنتاج داخل لبنان. من هنا، نرى أن عدم الدقة في صياغة الاتفاق المذكور فتح الباب أمام الفرقاء لتحليلات وتفسيرات مختلفة. فـ"حزب الله" يفسر الاتفاق (14) على أنه يلتزم فقط بتسليم أو نزع سلاحه في منطقة جنوب الليطاني، ومن جهة أخرى، يقول بعض المحللين (15) أن الاتفاق يضع التزامات أوسع بمعنى أن استخدام عبارة "بدءًا" من جنوب الليطاني" هو مرحلة أولية، لكن هنالك هدف لمنع وجود تسليح غير رسمي في أماكن أخرى أيضًا عبر آليات تفكيك وإشراف من الدولة. والجدير ذكره أن موقع مركز الجزيرة للدراسات يقول أن لجنة المراقبة الخماسية تشمل معابر الحدود لمنع دخول أسلحة غير شرعية (16)، ما قد يعني أن الرقابة لا تقتصر على الجنوب اللبناني فقط. بالمقابل، بعض التقارير تقول أن الجيش اللبناني قام منذ بدء سريان الهدنة بمداهمات لمواقع "حزب الله" ليس فقط في جنوب الليطاني، بل أحيانًا أيضًا في مناطق شمال نهر الليطاني (17). باختصار وجوابًا على السؤال، يطالب الاتفاق "حزب الله" بنزع تسليح غير مصرح به في منطقة جنوب الليطاني بشكل صريح ومباشر. ولكن لا يبدو أن الاتفاق ينص بشكل صريح وواضح في النص الذي نشر على نزع سلاح "حزب الله" بالكامل في كل لبنان مباشرة"، وإنما يبدأ من الجنوب (منطقة الليطاني). كما يتبيّن أن هنالك آليات في الاتفاق (كمثل تنظيم الأسلحة، التفتيش، منع الإنتاج غير المصرح به) تشير إلى نيّة تقييد تسليح جماعات غير الدولة على المدى الأوسع، لكن تنفيذ هذه الآليات قد يكون تدريجيًا أو مرحليًا.

نهايةً، ينبغي أن نعتبر أن التحليل الواقعي الموضوعي يشير الى أن الاتفاق هو مرحلة تجريبية أو تمهيدية بشكل إطار قانوني هش قابل للانهيار في أي لحظة، من شأنه أن يغربل نوايا وخلفيات الأطراف ورؤيتهم المستقبلية، بدءًا من اسرائيل التي لم ترد هذا الاتفاق منذ الأساس ولم تنفذه وتسعى دائمًا الى الحسم العسكري المطلق مع "حزب الله" بأقل تكلفة ممكنة، مرورًا بالدولة اللبنانية التي يشكل هذا الاتفاق اختبارًا لحكومتها لقياس مدى جديتها في انفاذ سيادة الدولة على أراضيها بالفعل وليس فقط بالموقف واستنهاض الرأي العام اللبناني العميق من فكرة ضعف واهتراء ما تبقى من الدولة اللبنانية وعجزها المتواصل أمام جميع التحديات بدءًا من الكهرباء الى السلام الاقليمي، وبالتالي رسم الصورة المستقبلية لشكل الكيان اللبناني، وصولًا الى الاستنتاج من تحليل السلوك السياسي -العسكري لـ"حزب الله" الذي يؤدي في الظاهر الى طرح مبدأ معادلة ردع جديدة مع إسرائيل والحفاظ على وجوده العسكري جنوب الليطاني بطريقة منخفضة الظهور بالرغم من انسحابه تكتيكيًا من خطوط التماس، كما العمل على تعزيز بنيته الاستخباراتية ومنع تحويل القرار 1701 إلى نزع سلاح كامل، حتى لو وافق على ترتيبات جنوب الليطاني، يبقى هدفه منع انتقال هذه الترتيبات إلى الشمال.

محـام جنائي دولي وأستاذ جامعي

 1 نجد نص الاتفاق المنشور لوقف اطلاق النار بين لبنان وحزب الله واسرائيل (تشرين الثاني 2024) على هذا الرابط :

https://www.thisislebanon.com/lebanon/432489/

2 المادة 2 فقرة 1-أ من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969

3 Non-State Armed Actor اعترفت الأمم المتحدة بجهات مسلحة غير حكومية مثل: قوات فارك- جيش التحرير السلفادوري- قوات التاميل- قوات كوسوفو المسلحة

4 نجد السند القانوني لهذا النوع من الاتفاقات الخاصة في الفقرة الاخيرة من المادة 3 المشتركة لاتفاقيات جنيف 1949

5 اتفاقات مشابهة : اتفاق دايتون 1995- تفاهم نيسان 1996- اتفاق 2006(القرار1701) - اتفاق غزة 2014

6 محكمة العدل الدولية، قضية بوركينا فاسو ضد مالي 1986 وقضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة 1984

7 حزب الله ليس فقط طرفا" عسكريا"، بل له بعد سياسي واجتماعي مما يعقد أي عملية تفكيك قانوني بالكامل

8 نشر الاعلام اللبناني احصائيات تتعلق بحصيلة الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان ما بين 28 تشرين الثاني 2024 اي بعد يوم على سريان اتفاق وقف اطلاق النار بين لبنان واسرائيل، و19 تشرين الثاني 2025 بنتيجة عدد القتلى بلغ 331 بينما عدد الجرحى 945

9 المادة 31 فقرة 2 من اتفاقية فيينا للمعاهدات 1969

10 تحديدا" البند 3 من القرار 1701

11 Incorporation by reference استنادا" الى الفقه الدولي "الاحالة الى قرار دولي تعيد تفعيل نطاقه الكامل"

12 Footnote1

13 The Southern Litani Area

14 https://nabd.com/s/163758673-77e8b8/ بلسان أمينه العام نعيم قاسم

15 https://thesoufancenter.org/intelbrief-2025-august-4/

16 http://studies.aljazeera.net/ar/article/6088

17 https://janoubia.com/2025/04/11/ش