العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا

لماذا سقط النظام اللبناني؟

5 دقائق للقراءة

في المقال الأوّل، جرى التركيز على الحاجة الملحّة إلى قيادات قادرة على إعادة تشكيل لبنان ووضعه على مسار عقد اجتماعي جديد ونظام فدرالي اتحادي يضمن الاستقرار والعدالة ويعيد إنتاج الدولة على أسس واقعية ومستدامة.

أما في هذا المقال الثاني، فنسعى لاستكشاف الأسباب الجوهرية التي أدت إلى فشل النظام.

فانهيار الدولة لم يكن نتيجة أزمة واحدة أو حدث مفاجئ أو عابر بل حصيلة مسار طويل تشكل عبر عقود من التناقضات البنيوية، والفرص الضائعة، والأزمات المتراكمة، وغياب القيادة الرشيدة. لقد عجز النظام عن تحقيق أبسط مقومات أي دولة حديثة: بسط السيادة على أراضيه وحدوده، فرض القانون، تقديم الخدمات، بناء مؤسسات مستقرة، مكافحة الفساد والتهريب، وصون القرار الوطني. وتحول، عبر الزمن، إلى ساحة مفتوحة أمام التدخلات الخارجية، ونموذج لدولة مختطفة محكومة بميزان قوى الطوائف والمال السياسي والسلاح غير الشرعي.

من هنا، يمكن القول إن النظام فشل لأسباب كثيرة، لكننا سنركز على ثلاثة أسباب شكلت جوهر الانهيار: الفرص الضائعة، اتفاق القاهرة، وصعود الأوليغارشية.

الفرص الضائعة: التناقض البنيوي وفشل النظام

منذ تأسيس دولة لبنان الكبير، حمل النظام السياسي بذور انهياره. فقد فُرض نموذج الدولة المركزية على مجتمع شديد التنوّع طائفيًا، دون أي صيغة تضمن تمثيلًا عادلًا لجميع مكوّناته أو توزيعًا فعليًا للسلطة. عاش المسيحيون في تهديد وجودي دائم. تطلع السنّة إلى الاندماج في العالم العربي. اعتبر الشيعة أنفسهم محرومين، وشعر الدروز بأنهم فقدوا موقعهم القيادي التاريخي.

بدلًا من أن يوحّد النظام مكوناته، عزّز الانقسام الداخلي وعمّق المخاوف. ومع غياب الثقة، بدأ كل مكوّن طائفي يبحث عن راعٍ خارجي يوازن القوى لمصلحته، لتضيع بذلك على لبنان عدة فرص تاريخية كانت كفيلة بتحقيق الاستقرار والوحدة.

ففي ذروة الحرب الباردة، على سبيل المثال، كان لبنان يتمتع بموقع استراتيجي، واستثمر الغرب في دعم قواته المسلحة. امتلكت الدولة أسلحة متطورة نسبيًا مثل "ميراج" و"هوكر هنتر"، وبحرية قادرة نسبيًا على حماية السواحل. ومع ذلك، لم تخلق هذه القوة سيادة فعلية أو وحدة داخلية. فجاءت أزمة 1958 ثم اتفاق القاهرة لتكشف عن انهيار النظام وبداية التصدّع.

وفي هذا السياق، تبرز مقارنة لافتة بين مسار لبنان ومسار الأردن. فكلاهما واجه تهديدًا فلسطينيًا في ظل الحرب الباردة. غير أن الأردن نجح عام 1970 في فرض سلطة الدولة، وأسّس لموقع إقليمي مستقر ما زال يحصده حتى اليوم. بينما عجز لبنان عن اتخاذ القرار ذاته، فأضاع الفرصة، وبدأت رحلة الانهيار التي ما زالت تتعمق.

اتفاق القاهرة وسقوط النظام

ثم جاء اتفاق القاهرة ليُتمّم الانهيار ويضع الختم النهائي على سقوط النظام، ومنذ تلك اللحظة لم يتعافَ يومًا. ولم يسلّم الاتفاقُ الوطنَ لعرفات فقط ولظاهرة "الدولة داخل الدولة"، بل كشف أيضًا للعالم صورةَ لبنان العاجز، القابل للاستغلال في معالجة أزمات المنطقة على حسابه وحساب شعبه.

تجسّد هذا الضعف بصورة صارخة خلال زيارة وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر عندما حولت السلطات اللبنانية طائرته للهبوط في قاعدة عسكرية بدلًا من مطار بيروت، في دلالة إلى الولايات المتحدة على أن الدولة فقدت السيطرة على سيادتها.

وعندما حاول الجيش فرض سيطرة الدولة على المخيمات عام 1973، واجه مقاومة داخلية وضغطًا مباشرًا من سوريا والدول العربية. أغلقت سوريا الحدود، فخنقت الاقتصاد. دعمت الدول العربية الفلسطينيين في لبنان كوسيلة لتجنب انتقال التوترات إليها، ولأن استمرار وجود اللاجئين، واليوم أيضًا السوريين، كان يُستخدم لإعادة صياغة الديموغرافيا في لبنان.

في مواجهة هذا الانهيار، تسلّح المسيحيون بعدما فقدوا الثقة بالدولة، وبدأ موسى الصدر بتحريك الشيعة سياسيًا، وأعاد الدروز تموضعهم. ثم جاء عام 1982-1984، فخرجت منظمة التحرير من لبنان. لكن الفرصة لترميم النظام ضاعت مرة أخرى. لم تملأ الدولة الفراغ، بل دخلت إيران وحزب الله لملئه، وانتقل لبنان من وصاية إلى أخرى.

صعود الأوليغارشية وسقوط الجمهورية

أدى انهيار النظام اللبناني إلى بروز طبقة أوليغارشية عابرة للطوائف تعتمد على الفساد والزبائنية والاقتصاد الموازي والتهريب وتجارة السلاح، حيث ازدهر تحالف المال والسلطة وحمى مصالحه عبر إبقاء الدولة ضعيفة. ومع الوقت، تشكّل نظام دائري مغلق: أنتج النظام القيادات الفاسدة ووفّر لها الحماية والشرعية، فيما وفّرت تلك القيادات للنظام مصادر الاستمرار. هكذا أصبح تحالف السلطة والفساد مؤسسة قائمة بذاتها تُغذّي نفسها، وتعيش على حساب الوطن.

جاء اتفاق الطائف لإعادة تفعيل النظام، لكنه فتح الباب أمام مخططات جديدة ضد الدولة. سيطر "حزب الله" و"حركة أمل" وسوريا وإيران تدريجيًا على القرار. ثم دخل لبنان حقبة "السين-سين" (السوري–السعودي)، التي نقلت الفساد إلى مرحلة جديدة وأكثر تدميرًا. بدأت حملة منظمة لتغيير ملكية الأراضي المسيحية، وتم تحويل أموال عبر شبكات الأوليغارشيين إلى سورية مقابل مكاسب سياسية وثروات شخصية، وازدهر التهريب، والعقود الوهمية، وتجارة السلاح والمخدرات.

كانت النتيجة انهيارًا سياسيًا واقتصاديًا وماليًا، وتآكلًا نهائيًا للدولة التي تحولت إلى مجرد لافتة تغطي نظامًا من الميليشيات والمحاور الخارجية.

الخلاصة

لم يسقط النظام اللبناني نتيجة حرب واحدة أو تدخل خارجي محدد، بل لأنه كان نظامًا قائمًا على الخوف والمحاصصة ورعاية القوى الخارجية. وما نراه اليوم ليس نهاية الأزمة، بل استمرارها، إذ بقي النظام نفسه من دون تغيير، مستمرًا في التآكل والضعف، بينما يتحول لبنان تدريجيًا إلى دولة بلا سيادة، وشعب بلا حماية، ونظام بلا قدرة على الحكم.


للاطلاع على المقال الأول تحت عنوان "لبنان بحاجة لقيادات تعيد تشكيله قبل الانهيار" يرجى الضغط على هذا الرابط