مقدمة:
تُسيَّر في لبنان ملاحقات جزائية ضد مواطنين وصحافيين ومحامين ومفكّرين معارضين للميليشيا بتهمة الدعاية الرامية إلى إضعاف الشعور القومي أو إيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية في زمن الحرب، استنادًا إلى نص المادة 295 من قانون العقوبات. وتُعدّ هذه التهمة خطيرة لأنها تقوم على أساس إبداء رأي علني مكتوب أو شفهي، ولأنها تتعارض بوضوح مع المادة 13 من الدستور اللبناني التي تكفل حرية التعبير، ومع الاتفاقيات الدولية ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
إن نص المادة 295 وما يليها من المواد الواردة في النبذة الخامسة من قانون العقوبات، والمتعلّقة بالنيل من "هيبة الدولة والشعور القومي"، لا نظير لها في تشريعات الدول الديمقراطية. وبناءً عليه، فإن الجناية المسندة، على سبيل المثال، إلى المحامي أنطوان سعد وإلى الأستاذ الجامعي شارل شرتوني، على خلفية منشورات عبر منصّة "أكس" أو تصريحات ومقالات شفهية أو مكتوبة، تُعدّ تهمة غير دستورية وغير منطبقة على الأفعال المنسوبة إليهما، لكون هذه الأفعال تدخل في إطار حرية الرأي والتعبير، والتي لا يجوز إخضاعها للملاحقة الجزائية إلا إذا انطوت على قدح أو ذم أو تحقير، لا على اعتداء على أمن الدولة أو إضعاف للشعور القومي. فالوصف الجرمي الوارد في هذه المواد ينافي المبادئ الدستورية والاتفاقيات الدولية وطبيعة الأفعال موضوع الملاحقة.
أولاً: تناقض أحكام المادة 295 وما يليها مع المبادئ الدستورية
إن أحكام المادة 295 ونصوص المواد التي تندرج ضمن النبذة الخامسة المشار إليها أعلاه (المواد 295 إلى 298 من قانون العقوبات)، والتي تُجرِّم الأفعال التي تمسّ ما يُسمّى "هيبة الدولة" و"الشعور القومي"، تُشكّل اعتداءً على مبدأين دستوريين أساسيين هما: مبدأ حرية التعبير ومبدأ المساواة أمام القانون.
أ – مخالفة مبدأ حرية التعبير
تنص المادة 13 من الدستور على أن حرية الرأي والكتابة والطباعة والاجتماع مكفولة ضمن دائرة القانون، كما تلزم مقدمة الدستور الدولة باحترام المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. وبالرغم من ذلك، صدرت ملاحقات بحق المحامي أنطوان سعد وبحق الدكتور شارل شرتوني على أساس آراء أو منشورات وُصفت بأنها ترمي إلى "إضعاف الشعور القومي وإيقاظ النعرات المذهبية في زمن الحرب بما يعكر الصفاء بين عناصر الأمة"، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول كيفية تجريم رأي سياسي مكفول دستوراً وتحويله إلى فعل يمسّ النظام العام.
إن تحديد مفهوم المساس بالنظام العام أو بالشعور القومي يجب أن يتم بطريقة منسجمة مع حقوق الإنسان، إذ إن استعماله بطريقة مطّاطة قد يحوّله إلى أداة لقمع المعارضين. فاحترام النظام العام لا يتناقض مع حرية التعبير الموضوعية والمسؤولة في حدود اللياقة والتهذيب. ويتعين على السلطة التي تحصر حرية التعبير بحدود النظام العام واحترام الشعور القومي أن تحدد مسبقًا ما المقصود بالنظام العام وبالشعور القومي، وأن تعتمد تعريفًا أو مفهومًا للنظام العام وللشعور القومي لا يتعارض مع حقوق الإنسان والحريات العامة المكفولة بأحكام الدستور والاتفاقيات والعهود الدولية المعنية بحماية حقوق الانسان. وعلى هذا الأساس، يقتضي ألا يمنع النظام العام، الذي تختبئ السلطات الاستبدادية وراءه، المواطنين من قول الحقيقة: فالقول على سبيل المثال إن الوطن من دون سيادة وتُهيمن عليه ميليشيا مسلّحة والدولة عاجزة عن تجريدها من سلاحها وعن تطبيق الدستور والقرارات الدولية ذات الصلة لا يؤلّف اعتداء على هيبة الدولة ولا على ما يسمى بالشعور القومي. هذه ليست إساءة لهيبة الدولة أو للشعور القومي الذي لا تعريف لهما في القانون اللبناني ولا في أي قانون من قوانين الدول المتحضرة في العالم، وانما هي تعبير عن رأي يدافع عن هيبة الدولة وسيادتها.
ان نصوص المواد 295 وما يليها تعاقب آراء سياسية علنية تحت وصف "النيل من هيبة الدولة أو الشعور القومي"، في خرقٍ واضح للدستور. فالتعبير عن أن الوطن بلا سيادة وتُهيمن عليه ميليشيا مسلحة لا يُعدّ مساسًاا بهيبة الدولة بل دفاعًا عن سيادتها. وحتى لو افترضنا تجاوز الرأي المعني حدود الموضوعية واللياقة والرصانة، فإن الوصف الجزائي الذي يمكن تطبيقه على هذا الرأي لا يمكن أن يتخطى جنح القدح أو الذم أو التحقير (المعاقب عليها بنص المواد 582–586 من قانون العقوبات) أو في أقصى الحالات جنح التهديد أو التحريض التي تتطلّب توافر عناصر مادية ومعنوية قانونية واضحة (المواد 573–578)، ولا يمكن في أي حال من الأحوال تطبيق أي وصف جنائي باعتبار الفعل المستهدف جناية تمسّ أمن الدولة.
ولذلك، ولعدم مطابقتها لأحكام الدستور، يجب إلغاء المواد 295 وما يليها لأنها غير دستورية وتجرّم حرية التعبير تحت عناوين فضفاضة وغير معروفة في الدول الديمقراطية.
ب – مخالفة مبدأ المساواة أمام القانون
ينص الدستور على المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز. ومع ذلك، يُلاحَق المحامي أنطوان سعد وكذلك الدكتور شرتوني على آرائهما السياسية، فيما تغض الدولة النظر عن أفعال أكثر خطورة يرتكبها قادة الميليشيا وأفرادها الذين يطلقون علنًا تهديدات بالقتل وبالتفجيرات ويستخدمون تعابير تحقيرية بحق اللبنانيين ومسؤولي الدولة، ولا تتم ملاحقتهم. مما يؤدي إلى تطبيق سياسة عقابية تكيل بمكيالين أو بمعيارين. وبالفعل، فإن جوهر الإشكالية يكمن في ازدواجية المعايير. فبينما يُحاكم المحامي أنطوان سعد وكذلك الدكتور شرتوني على آرائهما السياسية بوصفها معكّرة لصفاء الأمة ومضعفة للشعور القومي، لا تعتبر الدولة قيام دويلة مسلحة مقابل الدولة تهديدًا للأمن العام ولا إضعافًا لها أو للشعور القومي ولا تتم ملاحقة قادة هذه الميليشيا وعناصرها. كما أن المرتكبين المحتملين لجريمة العصر، جريمة تفجير مرفأ بيروت – وهي جناية ضد الإنسانية – ما زالوا خارج المساءلة والمحاسبة، فيما يُلاحق محامٍ واستاذ جامعي لأنهما انتقدا جهة مسلّحة خارجة عن إطار الدولة.
إنّ ما يجري يعكس أزمة عدالة عميقة ويثير علامات استفهام حول استقلالية السلطة القضائية وخضوع بعض أجهزتها لسطوة الأمر الواقع. كما يُطرح تساؤل مشروع حول الدور المفترض لوزير العدل، وحول حدود رقابته على النيابات العامة، وحول كيفية السماح برفع الحصانة المهنية عن محامٍ بسبب رأي سياسي مكفول دستورًا وحول خرق الضمانات المهنية الممنوحة للمحامين، ما يشكّل انتهاكًا فاضحًا لمبدأ المساواة والمعاملة أمام القانون وما يخالف أحكام العهود والاتفاقيات الدولية المعنية بحماية حقوق الإنسان ولاسيما منها حرية التعبير.
ثانيًا: تعارض المادة 295 من قانون العقوبات مع الاتفاقيات الدولية المعنية بحماية حقوق الإنسان
تكفل المادتان 19 من الإعلان العالمي لشرعة حقوق الانسان و19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حرية الرأي والتعبير، وتشمل هذه الحماية حرية اعتناق الآراء دون مضايقة ونقل المعلومات والأفكار عبر أي وسيلة. إلا أن المواد 295 وما يليها من قانون العقوبات تجرّم حرية التعبير تحت وصف "إضعاف الشعور القومي" أو "هيبة الدولة"، وهي أوصاف لا تُستعمل إلا في الأنظمة الديكتاتورية، رغم أن النظام اللبناني هو نظريًا نظام ديمقراطي برلماني. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قرارها المرجعي رقم 7 Handyside c. Royaume-Uni décembre 1976, série A n° 24 شدّدت على أن حرية التعبير لا تقتصر على الآراء المقبولة أو غير المسيئة، بل تشمل أيضًا تلك التي "تصدم أو تزعج أو تقلق الدولة أو أي فئة من السكان، لأنها شرط جوهري في أي مجتمع ديمقراطي".
وحيث إن لبنان صادق على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وعلى الإعلان العالمي لحقوق الانسان وأكّد التزامه بهما في مقدمة الدستور، فإن نصوص هذه الاتفاقيات الدولية تعلو قوة على القوانين الداخلية، ما يجيز للقاضي الامتناع عن تطبيق مواد قانون العقوبات المخالفة للدستور وللاتفاقيات الدولية.
ثالثًا: عدم انطباق الوصف الجرمي الوارد في المادة 295 من قانون العقوبات على الأفعال المنسوبة إلى المدعى عليهم
يُذكَر أخيرًا أنه، وعلى سبيل الاستطراد والافتراض، وحتى إذا سلّمنا جدلًا بدستورية الوصف الجرمي المنصوص عليه في المادة 295 من قانون العقوبات، فإن تطبيق هذا الوصف يبقى متعذرًا على الأفعال المنسوبة إلى الأشخاص الملاحقين جزائيًا، ولا سيّما المحامي أنطوان سعد والدكتور شارل شرتوني، وذلك لسببين جوهريين مرتبطين بانتفاء الركنين المادي والمعنوي للجُرم، وعدم توافر شروطه القانونية.
أ- انتفاء العنصر المادي
يشترط نص المادة 295 أن يكون الفعل المسند إلى المدعى عليه "دعاية" تهدف إلى إضعاف الشعور القومي أو إلى تحريض مذهبي في زمن الحرب أو توقع الحرب، غير أن هذين الشرطين غير متوفرين في الحالة الحاضرة. فالكتابات العابرة التي تنطوي على رأي سياسي معيّن لا يمكن وصفها بفعل الدعاية، اذ إن هذا الفعل يوجب توفر سلوك اتصالي منظم ومتكرّر يرمي، عبر نشر خطابات موجَّهة، إلى النيل من تماسك الجماعة الوطنية وزعزعة عناصر الهوية الجامعة التي تحفظ وحدة الدولة والمجتمع، وذلك في ظروف يكون فيها هذا التماسك ذا أهمية جوهرية، ولا سيّما في زمن الأزمات أو النزاعات. وهذا ما لا يتوفر في القضية الحاضرة، إذ إن الكتابات العابرة لا تنطوي على أي تنظيم مبرمج ومصمم ومحضر ولا يمكن أن تنم عن وجود أية هيكلية هرمية منظمة ومبرمجة، لذلك فإن فعل الدعاية غير متوفر البتة من الناحية القانونية.
يضاف إلى ذلك، أن فعل إضعاف الشعور القومي أو المساس باللُّحمة الوطنية أو بهيبة الدولة يجب أن يقع في زمن الحرب أو عند توقع الحرب. غير أن لبنان لا يعتبر قانونًا في حالة حرب مع أية دولة، إذ إنه لم يعلن الحرب على أية دولة ولم تعلن أية دولة الحرب على لبنان. ففي النظام اللبناني، ثمة آلية رسمية وقانونية لإعلان "حال الطوارئ" أو "منطقة عسكرية"، تمثل اعترافًا بأن البلاد - أو جزءًا منها - في وضع استثنائي يستدعي تدابير خاصة وفقًا لأحكام المرسوم الاشتراعي رقم 52/1967 الذي يحتم إعلان حال الطوارئ بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء، وبعدها يُعرض على البرلمان للنظر فيه خلال مهلة ثمانية أيام إذا كان ممددًا أو مستمرًا، ما هو غير متوفر حتى الآن وبتاريخ وقوع الأفعال المنسوبة للأشخاص الملاحقين.
ب -انتفاء العنصر المعنوي
الفعل الذي تجرّمه المادة 295 يحتم إثبات وجود نية خاصة تتمثل في إضعاف الشعور القومي أو المساس باللُّحمة الوطنية وبالوعي الكامل لدى الفاعل الذي يميّز خطورة النتيجة التي قد يؤدي إليها ارتكاب هذا الفعل وبأنها مجرّمة بأحكام القانون وكذلك إرادة ارتكابه رغم هذا الوعي، وهذا ما لا يمكن استنتاجه من مجرد عبارات ظرفية عابرة أو أقوال أتت كرد فعل على ما يحصل من تهديدات من قبل الميليشيا للبنانيين جميعًا وحتى للدولة وأركانها، إذ إن هذه العبارات يجب أن تتكرر مرارًا وتكرارًا كي يتكوّن العنصر المعنوي للجريمة المسندة، ما هو غير متوفر البتة في القضية الحاضرة.
خاتمة
إن الملاحقات الجزائية الجارية استنادًا إلى أحكام المادة 295 وما يليها من قانون العقوبات اللبناني تُعدّ غير دستورية ومخالِفة للاتفاقيات الدولية، فضلًا عن غياب العناصر الجرمية، سواء لجهة الركن المادي أو لجهة القصد الجرمي. وهذه الممارسات تعيد إلى الذاكرة نهج الحقبة الأمنية اللبنانية - السورية. لذلك، يقتضي وقف هذا الانزلاق الخطير المهدِّد للحريات العامة، وإعادة الاعتبار للضمانات الدستورية، ومخاطبة المنظمات الدولية المختصّة لاتخاذ الإجراءات اللازمة، والعمل على إعداد مشروع قانون أو اقتراح قانون يهدف إلى إلغاء النصوص المخالِفة للدستور ولمبادئ الحريات وحقوق الإنسان.
أستاذ القانون الدولي الجنائي في جامعة ستراسبورغ ومستشار في المحكمة الجنائية الدولية، محام عام دولي أسبق في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، ومحام عام أسبق في فرنسا ومحام بالنقض والاستئناف