بول عنداري

شعلة راهب... وصية الأب الياس عنداري

3 دقائق للقراءة

رحلَ هذه السنة بعد مسيرةِ إيمانٍ والتزامٍ وتاريخٍ كبيرٍ مثله. وفي أحد لقاءاتنا معًا في ديره في كفور العربي، جلس ووراءه أرزةٌ بدا كأنّه جزءٌ من جذعها، ومن دون أن أسأله عبّر لي عمّا يختلج في أعماقه ممّا يتعلّق بالوجود المسيحيّ الحرّ في لبنان. لا أدري لماذا سجّلتُ له حديثه بالصوت والصورة؛ ربّما شعرت أنّه بمثابة وصيّة. وهذا ما قاله لي حرفيًا الأب المحترم إلياس العنداري:

«لا أعرف… بالنسبة لمستقبل المسيحيّين، إذا — لا سمح الله — اشتدّ الضغط علينا، سوف تعود ذات الشعلة التي كانت في قلب، في ضمير، في كيان، كلّ من دخل وشارك في الدفاع عن وطن يسوع المسيح الباقي حتى الآن.

حين بدأت الحرب في لبنان، وقبلها أيضًا، كان واضحًا أنّ لبنان هو من أهمّ الأوطان التي ما زالت، في عمق كيانها وتركيبها وتربيتها وتراثها، تحمل همَّ يسوع المسيح ومريم العذراء.

وهؤلاء الذين كانوا الخميرة المبنيّة على هذا الإيمان، هم الذين كان لهم الدور في تخمير العجين، وهم الذين قدّموا البرشانة التي صارت ضحيّة على مذبح الوطن.

أخاف ألّا أجدها من جديد. وإن لم نجدها، يكون الخطر الحقيقيّ على لبنان.

فلولا تلك الشعلة، لما استطعنا أن نتخطّى، ولما نجحنا في مقاومتنا المحدودة، ولما أبقينا لبنان وطنًا للمسيحيّين.

كنت أرى المشكلة منذ زمن، منذ أيّام التضحيات الكبرى. كان الشباب والمسؤولون يعتقدون أنّ هذه التضحيات لا يمكن ألّا يراها أحد، ولذلك ليس من الضروريّ أن نتكلّم عنها.

بينما كان من الضروريّ أن يُحكى عنها، وأن يُشرح عنها، وأن يفهم المجتمع كلّ ما جرى.

هل أخطأنا؟ نقول للمجتمع: هنا أخطأنا… سامحونا. هذه ليست عقيدتنا، بل خطأنا.

وكان ذلك ضروريًا جدًا، وكانت تلك أكبر كارثة على المجتمع المسيحي، واستمرّت بعد انتهاء الأحداث.

لم يخبر أحد الحقيقة كما هي.

لم يخبر أحد كيف صارت هذه الملحمة، كيف خُلقت، كيف استمرّت، وكيف أعطت هذه النتائج. لقد كانت بأعجوبة… أشهد أمام الله أنّ هذا لم يكن عمل بشر وحده، ولا يمكن أن يكون.

والآن سنضطرّ إلى دفع الثمن. وأنا خائف أنّه، إذا اضطررنا إلى دفع الثمن، ألّا نجد تلك الشعلة نفسها.

أعود وأتّكل على ربّنا وأقول: إذا كان لا يزال يريدنا هنا، فهو قادر أن يوقظ فينا من جديد، وأن ينير الذين لم يرَوا بعد… بفضل مَن هم موجودون الآن؟ بفضل مَن يعيشون اليوم؟ بفضل مَن لديهم أولاد؟ وبفضل مَن لديهم بيوت؟ وبفضل مَن لهم حضور في السياسة…؟

ليس بفضلهم هم، بل بفضل الذين ماتوا من أجلهم.

واجبٌ علينا ألّا نرتاح قبل أن يفهموا ما فعلناه، وما نريد أن نفعله.

وماذا فعلنا؟

ربّنا أعطانا قوّة غير متوقَّعة عند البشر أبدًا، لنستطيع حمل هذا العبء.

لم يبقَ أحد: لا الصديق ولا العدو. الغرب أنكرنا، والجيران هنا كانوا يذبحوننا.

كيف خلّصنا؟ بقوانا الذاتيّة؟ بعددنا؟ بماذا؟ باختراعاتنا؟

لا.

ربّنا يقرأ القلوب. لقد رأى أنّ الذاهبين إلى الموت ذهبوا لأنّهم مؤمنون به، مؤمنون بابنه وبأمّه. رآهم… وهم أحبّاؤه.