الديمقراطية نظام حكم تمارسه قلة من شعوب الأرض فيما تبقى توقًا لسائرها. بديل الديمقراطية نظام سلطوي عرف بـ "الاستبداد الشرقي" حيث لا قيد على من وُلّي الأحكام وفق مخاطبة ابن هانئ الاندلسي الخليفة "ما شئت لا ما شاءت الأقدار، فاحكم فأنت الواحد القهّار".
ليس الأمر سواء في حال قيام نظام استبدادي على دولة موحّدة أو دولة متعددة. ينحصر الضرر في الحالة الأولى على سحق الحريات وقمع الأفكار واستحلال الممتلكات. أما الثمن في المجتمعات المتعددة، فيضاف ما يفوقه فظاعة، إنه استئصال الأقليات، تدريجيًا كان أم فوريًا.
من أبرز معالم عصرنا الحديث سلسلة تشريعات أقرها المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية اتخذت شكل إعلانين صدرا عن الأمم المتحدة في 9 و10 كانون الأول عام 1948.
فيما "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" معروف ومنتشر ومنظم، فإن "اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها" كادت أن تطوى لولا أربع حالات طبقت أحكامها من قبل مرجعيات دولية تحتمل الطعن في موضوعيتها .
المشترك بين الدول العربية هو انتهاك الحقوق وقمع الحريات. كما يضاف استئصال الأقليات، بالتحديد الدينية حيث وجدت، ذلك لأن المجموعات الكبيرة تتمتع بحماية العدد وإن لم يحمها القانون، خلافًا للأقليات التي، بتعريفها، لا حماية عدد لها، فإن فقدت حماية القانون كان مصيرها الاستئصال حتمًا.
اقترح على اللبنانيين، الليبراليين من مختلف الانتماءات الدينية، والعلمانيين، والملحدين واللاأدريين الذين يريدون بوطنهم خيرًا، أن نلتقي حول"اتفاقية منع الإبادة الجماعية"، إذ في ثناياها حماية أكثر جدية من غنائيات "رسالة لبنان" و"دوره الحضاري" و"ذكر لبنان 72 مرة في التوراة"، واللائحة تطول.
ما وقعت على تعريف للإبادة الجماعية أوفى مما سردته مواد "اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها".
تتناول المادة 1 الإطار الظرفي بحيث تبقى الإبادة الجماعية جرمًا "سواء ارتكبت في أيام السلم أو أثناء الحرب".
أما المادة 2 فتعرّف الجرم: "تعني الإبادة الجماعية الأفعال المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية".
المادة 3 تتوسع فتضيف عقابًا على "التآمر، التحريض المباشر والعلني".
المادة 4 تتناول من يطولهم جرم الإبادة فتشمل "حكامًا دستوريين، أو موظفين عامين أو أفرادًا.
"الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" أصاب شهرة ومكانة فاقت اتفاقية الإبادة الجماعية. هو رافعة لعبت دورًا لا ريب فيه في تبديل عالمنا في العقود الخمسة الأخيرة.
للإعلان مقدمة من 20 كلمة أرى فيها ذروة بسط قدر الإنسان وحقوقه. فحقوق الإنسان تنبثق من اعتراف المجتمع الدولي بـ "كرامة أصيلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم الثابتة المتساوية". الكرامة هي أصيلة في كل إنسان وليست مضافة إليه من دين أو عرق أو لون أو كفاءة أو أي وصف يخرج عن كرامته الأصيلة. فلا مكان في حقوق الإنسان لتمييز ديني أو عرقي أو سياسي أو علمي أو مقدار ذكاء أو إنجازات تاريخية. تضيف المقدمة أن هذه الكرامة هي "أساس"، أي في صلب بناء وفي غيابها يفقد العالم "الحرية والعدل والسلام".
بعد المقدمة يعدد الإعلان حقوق الإنسان في 23 مادة من أصل 30، يتناول كل منها حقًا أصيلًا. ما يلفتت النظر مقدار أهمية الحقوق القضائية التي تستأثر بسبع مواد، ما يحيي في أذهاننا أهمية الإصلاحات القضائية وإلغاء المحاكم الخاصة - ليس المحاكم الاختصاصية - خاصة "المحكمة العسكرية"، إذ هي آفة رافقت لبنان طوال عقود مآسيه، وقد آن أوان طيّها.
يلحّ تساؤل. لِمَ حاز الإعلان أهمية فاقت اتفاقية منع الإبادات الجماعية؟ قناعتي أن السبب يعود إلى دور المجتمع المدني في نشر الإعلان وبالتخصيص دور المحامي البريطاني بيتر بننسون الذي أطلق "منظمة العفو الدولية". فلو ترك الإعلان لإرادة الدول لكان مصيره مصير اتفاقية "المنع". هذا بالتحديد هدف هذه الدراسة في ذكرى إعلان الوثيقتين وتوجيهها إلى من يرغب في المساهمة بإنهاض وطننا .
تجربة بننسون أثبتت دور المجتمع المدني في تغيير الأوضاع. بدايتها كانت قراءة بننسون في صحيفة عن حكم صدر في لشبونة أثناء حكم سالازار بسجن شابين لسنتين لأنهما "شربا نخب الحرية" علنًا في مطعم. صدم بننسون بالخبر وعبّر لرئيس تحرير الصحيفة عن امتعاضه وناشد من يشاركه مشاعره التصريح بها. كمية التأييد أوحت لبننسون إنشاء مؤسسة تندد سلميًا بانتهاكات حقوق الإنسان وكان من شعاراتها "سمّ واحرج". فكانت "منظمة العفو الدولية". التي ساهمت بشكل أساسي بانهيار الكثير من أنظمة القمع في الربع الأخير من القرن العشرين.
ندائي في الختام إلى كل من لم يقنط بعد من قدرة المجتمع المدني على التغيير، أن نتواصل علّنا نستعيد حقنا وحقوقًا أصيلة لنا.
وائل خير
+++++++