ريتا عازار

رسّام وتشكيلي إيطالي... إنريكو دافيد في قلب تحوّلات هشاشة الجسد

7 دقائق للقراءة

يشغل إنريكو دافيد موقعًا فريدًا في مشهد الفن المعاصر. موقع لا ينبع من انتمائه إلى اتجاه محدّد بقدر ما يتشكّل من انحيازه إلى بحث شخصي عميق حول الجسد بوصفه مساحة للقلق والتحوّل والانبعاث. فمنذ ولادته في أنكونا الإيطالية عام 1966، وصولًا إلى استقراره في لندن خلال العقود الأربعة الماضية، لم يكفّ هذا الرسّام والفنان التشكيلي عن تطوير لغة فنية خاصة، تتداخل فيها المنحوتات الكبيرة مع الرسوم الدقيقة، وتتجاور فيها التقنيات الحرفية اليدوية مع الممارسات البصرية الأكثر حداثة. ومع توسّع حضوره المؤسّسِي، من ترشيحه لـ "جائزة تيرنر" عام 2009 إلى معارضه في شيكاغو وواشنطن والبندقية، بدأ اسمه يترسّخ لدى جمهور عالمي يرى فيه أحد أبرز المشتغلين على تفكيك صورة الجسد وإعادة بنائها ضمن عالم بصريّ مليء بالظلال والاحتمالات.


وُلد إنريكو دافيد في بيئة يعمل فيها الجميع بأيديهم: والده كان نجّارًا، ووالدته درست الخياطة، بينما اتجه أشقاؤه نحو ترميم النسيج والعمل الجِلدي. هذه الذاكرة الحرفيّة، بما تحمله من صبر وبطء وتدرُّج وملامسة مباشرة للمواد، أصبحت لاحقًا جزءًا لا ينفصل عن ممارسته الفنية. وحين غادر إلى لندن في أواخر الثمانينات، ولم يكن قد بلغ العشرين بعد، حمل معه هذا الإرث من دون وعي كامل، قبل أن يبدأ بتحويله إلى جذور خفيّة لمشروعه الإبداعي.

في لندن درس دافيد في "Central Saint Martins" خلال التسعينات، الفترة التي شهدت صعود حركة الفنانين البريطانيين الشباب الذين ارتبطوا بالجرأة والصدمات البصرية والأعمال الاستعراضية. غير أن دافيد، رغم كونه جارًا لداميان هيرست في فترة من التسعينات، اختار النأي بنفسه عن تلك الضجّة، وصنع مسارًا أكثر تأمُّلًا وانغماسًا في الذات يقوم على معرفة المواد بعمق، وعلى ترتيب العلاقة بين اليد والعين، قبل التفكير في الأثر الإعلامي أو السوقي.


من لندن نحو العالم

من تسعينات القرن الماضي، بدأت أعمال دافيد تظهر في المعارض، ثمّ ومع سنوات الألفَين اكتسبت رؤيته نضجًا مميزًا، جعله يدخل دوائر الاهتمام المؤسّسي. وكان ترشيحه لـ "جائزة تيرنر" عام 2009 نقطة حاسمة، إذ فتح له أبوابًا أوسع وأتاح قراءة أكثر جدّية لمشروعه الفني. تلت ذلك معارض متتالية في مؤسسات كبرى: "ICA" في لندن، – "Museum of Contemporary Art Chicago" عام 2019، و "Hirshhorn Museum, Washington D.C" خلال عامَي 2019 و 2020، و "Biennale di Venezia" ضمن الجناح الإيطالي سنة 2013. كلّها رسّخت اسمه كأحد الأصوات الفنية التي تشتغل على هشاشة الكائن الإنساني، لا بوصفه موضوعًا للتمجيد بل كجسد يتشقق ويُعاد تشكيله، ويتقاطع فيه الحلم مع الذاكرة والوعي مع العطب.


من المنحوتة إلى الخيط فالورقة

نادرًا ما يستقرّ إنريكو دافيد على وسط واحد. فمشروعه يقوم على التجريب كما على مقاومة استقرار المادة. لذلك نجد أن أعماله تتوزع بين النحت بالألياف الزجاجية والمعدن والخشب والراتنج، والرسم بالفحم والغواش والغرافيت، والتطريز والمنسوجات، والتركيب الفني. ولعلّ المدهش في هذا التنوّع أنه لا يؤدّي إلى تشتيت الهوية البصريّة، بل بالعكس، يتخذ شكل خيوط متعدّدة تتلاقى في مركز واحد، في صورة الجسد بوصفه شكلًا غير مكتمل، يتغير باستمرار ويقاوم التعريف النهائي.

يقدّم دافيد الجسد في حالات نادرة الثبات، كأنه يلتقط لحظة بين حالتَين: بين اليقظة والحلم، بين الطفولة والكهولة، بين الحيوان والإنسان، بين المادة الخام وما يشبه الطيف. تظهر شخصيّاته غالبًا ممتدّة، منحنية، مقطوعة، أو محوّرة، بحيث تصبح قراءة ملامحها فعلًا غير يقيني.

هذا الجسد غير المكتمل هو صلب مشروعه؛ إذ يتحوّل إلى مساحة يجتمع فيها الألم والرغبة، الضعف والقدرة على التجدّد. وربما يعود جزء من هذا الوعي إلى حادثة فقدانه والده في سن السابعة عشرة، وهو حدث كثيرًا ما يذكره باعتباره نقطة اهتزاز عنيفة في علاقة الوعي بالجسد، ونافذة فتحت أمامه فكرة هشاشة المادة الإنسانية.


بين السريالية والاعتراف الشخصي

يصعب تصنيف دافيد داخل السريالية، وإن كانت أعماله تُذكّر بها في شيء من غموض الحلم وتحوّل الملامح. ويصعب أيضًا إلحاقه بمدارس التعبيرية الحديثة رغم النزوع الجسدي القوي. ذلك لأن أعماله تجمع بين الحلم المائل إلى القلق، وبين حضور شخصي داخليّ، متردّد لكن نابض. إنها أعمال لا تتجه نحو الصدمة، بل نحو خلق جوّ من الدهشة الهادئة، حيث يظلّ المتلقي أمام كائنات غريبة لكنها ليست معادية، غريبة لكنها مشبعة بشيء يشبه الاعتراف الوجداني. إنها سريالية حميمية أكثر منها استعراضية، وهذا ما يجعل لغته متميزة عن معظم التيارات المعاصرة.


الحرفة بنية فكرية

يستخدم دافيد التطريز والنسيج وأعمال الخيط، لا كاقتباسات من حرفة تقليدية بل كجزء من رؤيته لفعل الخلق. فهو يؤمن بأن اللمس والبطء والتجميع اليدوي، أدوات يعاد بها تشكيل علاقة الفنان بجسده وبالمادة وبالصورة. لذلك، تظهر المنسوجات والقطع المطرّزة ليس بوصفها انحرافًا عن النحت أو الرسم، بل بوصفها استمرارًا لهما ضمن منطق واحد ألا وهو تفكيك الشكل وإعادة حبكه. حتى في منحوتاته الكبيرة، يظلّ ملمس اليد حاضرًا، لأن الخطأ، والاهتزاز، وعدم الانتظام، جزءٌ من معنى العمل، لا نواقص ينبغي إخفاؤها.

غالبًا ما تبدو أعمال إنريكو دافيد كشخصيات تنتظر حدثًا ما: هناك وقفة، حركة مكبوتة، أو مسافة بين كائنَين توحي بقصّة ما لا نعرفها. لكنه لا يقدّم حكاية جاهزة ولا يسعى إلى توجيه المشاهد، بل يخلق فضاءً مفتوحًا يجعل كل عمل أشبه بمشهدٍ من مسرح داخلي، حيث الجسد هو الممثل الوحيد، والمواد هي اللغة التي يتحدث بها.


جمال غريب وانسجام غير متوقع

رغم تعدّد الوسائط، تبقى علاماته البصرية متكررة بشكل واضح، هيئات منسابة وطويلة، وجوه مبسّطة تتراوح بين القناع والطفولة، توازن بين الرقة والخشونة، حضور قوي للفضاء الفارغ حول العمل. وهذه الملامح هي ما جعل النقاد يرَون في أعماله لغة قائمة بذاتها، لا تتبع مدرسة معينة، بل تشكل امتدادًا لحدس فردي وذاكرة حسية متراكمة.

إنريكو دافيد ليس فنانًا يقدّم أجسادًا مشوّهة بقدر ما يقدّم حقيقة الجسد كما هي، مادة قابلة للانكسار وللتحول، ولأن تكون مقرًّا لقصص لا تنتهي. ومن خلال منحوتاته ورسومه ونسيجه، يضع الناظر إلى فنه أمام إنسان يتذكّر، ينسى، يتغيّر، ويظلّ يبحث عن صورة تجمعه من جديد.

بهذا المعنى، يواصل دافيد اليوم، من مرسمه في لندن، مشروعًا فنيًا يقترب أكثر فأكثر من سؤال الوجود ذاته: كيف يعيش الجسد داخل عالم سريع ومتبدّل؟ وكيف نحفظ أثر ما كنّاه، فيما نحن نتشكل من جديد؟

ولعلّ قدرته على جعل هذا السؤال بصريًا، ماديًا، وحميميًا، هي التي تجعله واحدًا من أبرز الأصوات الفنية في أوروبا اليوم. ومع كل عمل جديد، يواصل دفع اللغة الجمالية نحو مساحات أعمق، حيث يتحول الجسد إلى سجلّ للخبرة الإنسانية، وإلى مرآة لقلق العصر وتحوّلاته. في هذا الامتزاج بين الحميمي والرمزي، يفتح دافيد بابًا رحبًا لتأمُّل علاقتنا بأنفسنا وبالعالم، ويمنح فنه قدرة نادرة على ملامسة ما هو هش ومتغير وثابت في آن واحد.


معرض في بلاده

يقدّم متحف "Castello di Rivoli" للفن المعاصر، معرضًا استعاديًّا شاملًا بعنوان "I’M Back Tomorrow" (غدًا أعود)، مخصّصًا للفنان إنريكو دافيد، بإشراف القيّمة ماريانا فيتشيلّيو. يقدّم المعرض رؤية معمّقة لمسيرة دافيد الفنية، ممتدّة بين الرسم والأعمال النسيجية والرسم التخطيطي والنحت والمنشآت الغامرة، وكلّها تستكشف الأبعاد الداخلية للحالة الإنسانية المعاصرة. المعرض الذي انطلق في تشرين الأول الماضي، يستمرّ حتى آذار 2026.