مع تكثيف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطها على أوكرانيا وأوروبا للتوصّل إلى مسوّدة اتفاق سلام نهائية لإنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا، تحاول كييف استعادة المبادرة في الميدان لتعزيز وضعيّتها التفاوضية وإقناع ترامب بأنها لا تزال تمتلك "الأوراق" اللازمة للتوصّل إلى اتفاق عادل يصون أمنها ويضمنه، من دون التخلّي عن أراضٍ استراتيجية خاضعة لسيطرتها.
في هذا الإطار، أكّدت القوات الأوكرانية أنها استعادت أجزاء من مدينة كوبيانسك في شمال شرق البلاد وحاصرت القوات الروسية هناك خلال زيارة الرئيس فولوديمير زيلينسكي المنطقة، حيث أشاد بالعملية، مؤكدًا أنها عززت وضع كييف من الناحية الدبلوماسية. وشدّد زيلينسكي، الذي كان يرتدي سترة واقية من الرصاص أمام اسم المدينة عند مدخلها، على أنه "من المهمّ للغاية اليوم تحقيق نتائج على الخطوط الأمامية حتى تتمكّن أوكرانيا من تحقيق نتائج على الصعيد الدبلوماسي".
وبعدما كان زيلينسكي قد كشف الأربعاء أن كييف اتفقت على النقاط الرئيسية لخطة إعادة الإعمار بعد الحرب خلال محادثات مع صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر ومسؤولين كبار آخرين، مؤكدًا أن العمل على "وثيقة اقتصادية" يمضي قدمًا وأن أوكرانيا "متفقة تمامًا مع الجانب الأميركي"، ذكر مستشار السياسة الخارجية في الكرملين يوري أوشاكوف أن موسكو لم تطلع على المقترحات الأميركية المنقحة التي جرى تقديمها بعد أحدث جولة من المحادثات مع أوكرانيا، لكنه أشار إلى أن روسيا قد لا ترحّب ببعضها.
توازيًا، يستقبل المستشار الألماني فريدريش ميرتس في برلين الإثنين، زيلينسكي، ثمّ العديد من قادة دول أوروبّية وحلف "الناتو"، لمناقشة ما آلت إليه مفاوضات السلام في أوكرانيا. وكشفت صحيفة "فاينانشال تايمز" أن أوكرانيا ستنضمّ إلى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2027 بموجب مقترح سلام تجري مناقشته بين مسؤولين أميركيين وأوكرانيين بدعم من بروكسل.
في الغضون، التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، نظيره الروسي فلاديمير بوتين، على هامش "قمة السلام والثقة الدولية" المنعقدة في عشق آباد، حيث ناقش الجانبان جهود السلام الشاملة في شأن الحرب على أوكرانيا، بالإضافة إلى تجميد الاتحاد الأوروبي الأصول الروسية، حسب مكتب أردوغان. وأكد أردوغان استعداد أنقرة لاستضافة اجتماعات بكافة أشكالها، وقد أبلغ بوتين بأن وقفًا جزئيًا لإطلاق النار، يشمل خصوصًا منشآت الطاقة والموانئ، قد يكون مفيدًا.
لاحقًا، كشفت البحرية الأوكرانية لوكالة "رويترز" أن هجومًا روسيًا ألحق أضرارًا بثلاث سفن مملوكة لشركات تركية في ميناءين في منطقة أوديسا، فيما حضت تركيا على إنهاء الحرب بشكل عاجل، مؤكدة أن الحادث الذي تعرّضت له سفن مملوكة لشركات تركية يُبرز المخاطر التي تُهدّد الأمن البحري في البحر الأسود. ودعت إلى وضع آلية لوقف الهجمات التي تستهدف سلامة الملاحة والبنية التحتية للطاقة والموانئ لدى الطرفين "لمنع التصعيد" في المنطقة.
ويأتي ذلك بعدما أفادت "رويترز" بأن طائرات مسيّرة أوكرانية ألحقت أضرارًا بوحدة معالجة أولية وبمنصّة تحميل في مصفاة سلافنفت - يانوس، وهي رابع أكبر مصفاة نفط في روسيا وتقع على بُعد نحو 250 كيلومترًا إلى الشمال الشرقي من موسكو، ما أدّى إلى تعليق الإنتاج. وكشفت القوات الخاصة الأوكرانية أنها نفذت عملية بالتعاون مع ما وصفتها بأنها حركة مقاومة محلّية لضرب سفينتين روسيتين تنقلان أسلحة ومعدّات عسكرية في بحر قزوين قبالة ساحل جمهورية كالميكيا الروسية.
إلى ذلك، اتفقت دول الاتحاد الأوروبي على تجميد أصول البنك المركزي الروسي المودعة في أوروبا إلى أجل غير مسمّى، في خطوة تقرّب التكتل من تأمين شريان مالي لكييف. ورحّبت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالقرار الذي يقضي بأن نحو 210 مليارات يورو من الأصول الروسية ستبقى مجمّدة في الاتحاد الأوروبي إلى أن يصوّت ما لا يقلّ عن 15 دولة تمثل أكثر من 55 في المئة من سكان الاتحاد لمصلحة رفع التجميد.
وكان تجديد تجميد هذه الأصول يحتاج سابقًا إلى موافقة كافة الدول الأعضاء الـ27 كل ستة أشهر، ما جعل القرار عرضة لفيتو من المجر أو سلوفاكيا، اللتين هدّدتا مرارًا بالتصويت ضدّ تجديد العقوبات، لكن سمح مخرج قانوني بالتخلّص من هذا الخطر. ويهدف تجميد الأصول لأجل غير مسمّى إلى تسهيل إقناع بلجيكا بدعم خطة الاتحاد الأوروبي لاستخدام الأموال الروسية المجمّدة في منح أوكرانيا قرضًا تصل قيمته إلى 165 مليار يورو لتغطية احتياجات موازنتيها العسكرية والمدنية في عامي 2026 و 2027.
ولن تسدّد أوكرانيا القرض إلّا عندما تدفع روسيا تعويضات الحرب لكييف، ما يجعل القرض فعليًا بمثابة منحة مسبقة تموّل من مدفوعات التعويضات الروسية المستقبلية. ومن المقرّر أن يجتمع المجلس الأوروبي في 18 الحالي لوضع اللمسات الأخيرة على تفاصيل قرض التعويضات وحل المشكلات المتبقية، التي تشمل تقديم كافة حكومات الاتحاد ضمانات لبلجيكا بأنها لن تتحمّل وحدها أي تبعات مالية إذا كسبت موسكو دعوى قضائية محتملة. وأعلن البنك المركزي الروسي أمس أنه سيرفع دعوى قضائية على مجموعة "يوروكلير" المالية، التي تتخذ من بلجيكا مقرًا.