"من حزب الله إلى النفوذ التركي... لبنان على مفترق طرق استراتيجي"

4 دقائق للقراءة

نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، مقالًا تحت عنوان: "الذئب في بدلة: لماذا تُعَد تركيا التهديد الجديد الذي يبتلع لبنان بالكامل"، وجاء في متن المقال: "على مدى أربعين عامًا، كان منظر "العمامة" يهيمن على المشهد في القدس، رمزًا للاحتلال القاسي والمتشدد أيديولوجيًا الذي فرضه الإيرانيون ووكيلهم المحلي، حزب الله. هذا الطرف، الذي يتحدث لغة الاستشهاد، حوّل قرى جنوب لبنان إلى صوامع صواريخ وأدار اقتصاد "المقاومة" المدعوم بأموال تفوق التقديرات المالية التقليدية.

لكن مع انقشاع الدخان عن الصراع الأخير واستقرار الأنقاض في سوريا ما بعد سقوط نظام الأسد، يشهد الإقليم تحولًا استراتيجيًا يحتاج إلى إعادة تقييم عاجلة للتهديدات. سيطرة حزب الله تتراجع، وقد تم قطع خطوطه الحيوية في سوريا. ومع ذلك، كلا من الطبيعة والجغرافيا السياسية يكرهان الفراغ، ومع تراجع "العمامة"، يظهر تهديد جديد، وربما "خبيث" أكثر، من ظلال الشام.

هذا التهديد الجديد لا يظهر شعارات "الموت لأميركا" ولا يحرق الأعلام في المطار، بل يرتدي بدلة رسمية ويتحدث بلغة سلسة عن "الاستقرار الإقليمي" و"حماية السنة". يحمل عقود بناء ممولة من الدوحة ومدعومة بالقوة العسكرية المدربة على حلف شمال الأطلسي في أنقرة.

بينما يحتفل الغرب وإسرائيل بتراجع محور إيران، يسير لبنان بعينين مغلقتين نحو استبدال سجن إيران الإسلامي الشيعي بقفص تركيا الإسلامي السني من الإخوان المسلمين. والخطر على إسرائيل هو أنه بينما تحتفل بهزيمة الوكيل، قد يفوتها وصول الإمبراطورية العثملنية من جديد.

أول إشارة على هذا التدخل الجديد لم يكن بصاروخ كاتيوشا، بل عبر فيتو دبلوماسي يثير القلق في العواصم الغربية. في 16 كانون الاول، تداولت القنوات الدبلوماسية تقارير عن "توبيخ حاد" من وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لرئيس الوزراء نواف سلام، بسبب خطوة الرئيس جوزاف عون لتفعيل اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص. الرسالة التركية كانت واضحة: لبنان لا يملك الحق في تحديد حدوده البحرية دون موافقة أنقرة. وفق عقيدة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "الوطن الأزرق"، يُنظر إلى شرق المتوسط ليس كممر دولي، بل كبحيرة عثمانية جديدة، حيث تهدف تركيا إلى تحويل لبنان إلى دولة تابعة تعرقل تحالف الطاقة بين إسرائيل وقبرص واليونان.

ويتعقد هذا المشهد مع التحولات السياسية المجاورة. سقوط نظام الأسد وصعود حكومة انتقالية يقودها أحمد الشرع، خلق شعورًا بانكسار "الهلال الشيعي"، لكن المحللين يحذرون من أن هذا وهم خطير، فالشعار يمثل مشروعًا مشتركًا بين محور تركيا وقطر، وإذا تحول لبنان من نفوذ طهران نحو أنقرة بحثًا عن "توازن سني"، فسيحل شكل من أشكال الاستبداد الإسلامي بآخر. وقد بدأت علامات التحذير بالظهور، مع توسع الاستخبارات التركية ونفوذ مجموعات مثل "قوات الفجر" في شمال لبنان، مما يخلق تهديدًا متعدد الرؤوس على الحدود الشمالية لإسرائيل.

ومع ذلك، هناك خيار ثالث، وهو الطريق الذي يخشاه أيديولوجيو "المقاومة"، والذي بدأ بعض القادة اللبنانيين الشجعان يشيرون إليه بصوت عالٍ: "طريق البحر الأبيض المتوسط".

تعيين سيمون كرم، الدبلوماسي المدني والسفير السابق، وناقد الهيمنة السورية والإيرانية، لقيادة وفد مراقبة وقف إطلاق النار مع إسرائيل، يعد إشارة ثورية، الدولة اللبنانية قد تكون مستعدة أخيرًا للتعامل مع أمن الحدود كتحدٍ دبلوماسي بدلًا من حرب دينية أبدية.

هذا المسار يعتمد على الاندماج الاقتصادي مع الغرب، ويتيح للبنان استعادة دوره في الاقتصاد الإقليمي، مطار رينيه معوض في الشمال يمكن أن يصبح محورًا نشطًا منخفض التكلفة، متجاوزًا سيطرة حزب الله على مطار بيروت الرئيسي. يمكن للبنان إنهاء اعتماده على ناقلات الوقود الإيرانية وربط شبكته الكهربائية مع قبرص وإسرائيل، ما يرفع مستوى الطاقة ويحد من الانقطاع الكهربائي. كما يمكن استعادة الممر التجاري بين حيفا وطرابلس، مما يدمج لبنان مباشرة في الاقتصاد العالمي، متجاوزًا فوضى سوريا بالكامل.

هذا هو الخيار المتوسطي، الذي يدفع رئيس الحكومة نواف سلام ثمنه، لكنه قد يكون مفتاحًا لمستقبل لبنان الجديد".